الانتخابات الرئاسية: العبرة بالمشاركة أم بجديتها و أهدافها ؟

إلى حين بت المحكمة الإدارية في الثلاثة عشر طعنا تتعلق بقرارات رفض الترشحات للرئاسية، تبقى بورصة هاته الاستحقاقات قابلة للتغيّر،

خاصة وأن عدد المترشحين الّذين قبلت الهيئة العليا المستقلّة ملفاتهم مؤقتا، يبقى مرتفعا ولا يعكس البرامج المنتظرة والتعدّد في التوجهات الفكرية والسياسية التي يعرفها المجتمع التونسي.
لذلك فإن تمسّك الستة والعشرين شخصا - من بينهم امرأتان - بترشحاتهم من مجمل 97 شخصا ، يبقى انسحاب أحد الأطراف لفائدة طرف آخر، أمرا واردا إلى يوم 31 أوت 2019 تاريخ الإعلان النهائي عن قائمة المترشحين ، وبداية الحملة الانتخابية.

لا شكّ أن بعض المترشحين يدركون حقيقة حظوظهم في الحصول على المرتبة الأولى أو الثانية ، و هو إدراك يقتضيه الذكاء العادي للداخل في المعترك السياسي ،و يكشفه صدى توجهات الرأي العام و سبر ردود فعل القاعدة الإنتخابية.
و هنا لابد من الإشارة في هذا الصدد ،إلى أن تصريحات بعض المترشحين بخصوص إرجاء إتخاذ موقف واضح من دعم هذا الطرف أو ذاك، إلى الدورة الثانية المتوقعة ، لا يخدم الّذين يشتركون في اقتسام نفس القاعدة الانتخابية، بل أن ذلك يحد من هامش الإختيار الإرادي للشخصية السياسية الّتي يمكن أن تكون أكثر تجميعا للتونسين في الإستحقاق الرئاسي، الّذي سيكون له أثر على الانتخابات التشريعية الّتي تليه.

لذلك يقتضي الوعي بوجود نقاط إلتقاء بين عدد من الشخصيات المتبنية لقيم الجمهورية المدنية والديمقراطية ، السعي إلى تقليص العدد لتجنب التشتت الّذي يفتح الباب على المفاجآت، وربّما يتيح صعود من ليست له مؤهلات وقدرات قيادة البلاد و تجميع قواها.
ومهما إختلفت التقيبمات و القراءات فإن مؤسّسة رئاسة الجمهورية تبقى هامة و فاعلة في مجالات استراتيجية ، تزداد أهميتها بأداء الماسك بها ، الأمر الّذي بستوجب تجنّب التقليل من شأن هذه المؤسّسة .

لقد قدّمت إنتاخبات 2014 الدرس الأول وبرهنت على أن الشعب التونسي إستوعب التدريبات الأولى للممارسة الديمقراطية ولم يثنه الترهيب الّذي تسعى بعض الأطراف إلى بثه في نفوس الناس لاثنائهم عن المشاركة الواعية في الانتخابات.
إن عملية الإستعاب هذه تطلّبت من مؤسّسات الدولة و القوى السياسية و منظمات المجتمع المدني ، بذل مجهودات في رسم المحطّات السياسية و تسطّير مسالكها وذلك كي تكون من ناحية ،مقنعة للمواطن كي ينخرط فيها ، ومن ناحية أخرى ، كي يقع تأمين الإستحقاقات الإنتخابية ، تنظيميا و أمنيا و أداءا.
هذا هو المنتظر في الاستحقاقات القادمة وهو ما يقتضي الوعي بمستلزمات تجنيب البلاد المفاجآت الّتي يمكن أن تنجم عن مخاتلة الفئات الشعبية بالوعود الخاوية في غمرة الأجواء الإنتخابية.

إن انتخابات 2014 بقطع النظر عن تقييمنا لها لاحقا ، برهنت على أنه لا مجال للتغريد وراء الأسراب المنفردة ، و أن التأليفات السياسية الجامعة ، هي القادرة على خلق «آلة إنتخابية» ناجعة وفاعلة . كما كشفت مخاطر «الهوى الجامح» في إعتلاء الكرسي الذي يحجب كل العيوب والنواقص، ويؤدّي بالبعض إلى الخروج من الأبواب الصغيرة.
فالعبرة ليست بالمشاركة ، و إنّما بجدية المشاركة و بكيفية المشاركة و الغاية السامية منها : ترسيخ قيم الديمقراطية الناشئة والبناء للمستقبل على أسس صحيحة .

لقد سبق أن أكدنا أن الوعي بأهمية هذا المعطى، يقود إلى توسيع القاعدة الانتخابية وحث المتخلين على ممارسة واجبهم الانتخابي، على المشاركة في الشأن السياسي وعدم ترك المكان شاغرا كي لا يستفيد منه الطرف الأكثر انتهازية ، خاصة في ظل النظام الانتخابي الحالي الّذي لا يكرّس الاستقرار والّذي يشكو من العديد من النواقص والثغرات الّتي خلقت عدّة اشكاليات لم يقع العمل على تداركها في الوقت المناسب ، وهو ما نعيش تبعاته في الإستحقاقات الّتي سرّع بها رحيل الرئيس محمّد الباجي قائد السبسي.

إن الإختلاف في بعض التفاصيل لا يمنع من الإتفاق على القواسم المشتركة و الإلتفاف حول شخصية أو شخصيتين تجميعيتين، وعلى استراتيجية عمل مستقبلية لبناء دولة القانون والمؤسسات في اتجاه تعزيز المكاسب وتحقيق مكاسب جديدة وتلك خيارات لا نرى كثرتها تتناسب مع تعدّد الترشحات للرئاسية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية