«رسائل الحرية»... بين العقل وفتوى الاستعباد: للمؤلف عز الدين المدني والمخرج والسينوغراف حافظ خليفة

بقلم د. عماد هادي الخفاجي
ود. محمد مهدي المياحي
ينبني المتن الحكائي لنص رسائل الحرية على الاستحضار المعاصر للسردية الاسماعيلية ومن خلال أحداث التراث التونسي الشعبي،

والغني بفكرة الامام المخلص والمنقذ العلوي، الذي سيملأ العالم قسطا وعدلا بعد أن امتلأ ظلما وجورا. وهي فكرة عالمية شائعة في مختلف الحضارات والمجتمعات،فقد ورد في كتاب المعتقدات الصينية «اوبنيشات»ما نصّه حينما يمتلئ العالم بالظلم، يظهر الشخص الكامل الذي يسمّى (يتر تنكر) المبشّر ليقضي على الفساد ويؤسّس للعدل والطهر. وجاء في المزمور 72 من مزامير داود عليه السلام ما نصّه «اللهم أعط شريعتك للملك وعدلك لابن الملك»، وابن الملك إشارة إلى المنقذ في آخر الزمان، ومجموعة من كتب اليهودية والعهد القديم ورد فيها حديثٌ عن المنتظَر الموعود، ومنها كتاب دانيال النبي وكتاب اشعيا النبي، وقد جاء في زبور داود عليه السلام كما أنبأنا القرآن الكريم «وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ».بوصف تلك الفكرة تعبيرا عن روح التفاؤل الحيوي الذي يمد الانسان بطاقة الاستمرار والاحتمال النفسي والصمود الروحي بوجه الظروف التي تنال يوميا من الفرد، الى حد تجريد كيانه الانساني وتشويه طبيعته. فيفيد المتن الحكائي بوقائع البحث عن هذا المخلص الموعود، ورحلة (أبي عبد الله الصنعاني الشيعي) الرجل العابد والزاهد الذي اجتمعت فيه خصال الإيمان والاخلاص، والاصرار على ايجاد الإمام المنتظر، والذي سيحيي شريعة الله وسنن النبي وآل بيته، ولأن إيمانه صادق الولاء، وشوقه لهذه الفكرة، قد بلغ منه مبلغا عظيما، جعل عينه تفتش عن إمامه الموعود، بين الرجال، في شمال افريقيا من البلاد الاسلامية، فأخذ يبشّر به، وبظهوره، وقد التف حوله من أضناه الشوق لظهور

إمامه، أو أنهكته الدنيا بظلمتها، وقسوة الرجال فيها، وهو ما جعل البصر لا يرى بغير عين العوز والحرمان، العوز للحرية، والحرمان من الحياة الكريمة تحت نير الاستبداد، فيعلن مطلع رحلته بالدعوة للإمام المنتظر:

الحرية ..الحرية ..ايها الناس أين فيكم المؤمن الذي باع نفسه واهله ودنياه في سبيل الله ؟ في سبيل إعلاء كلمة الله ؟ في سبيل إعزاز دين الله ؟ في سبيل نصرة آل بيت رسول الله ؟فالجهاد .. الجهاد . هيا نبحْ بما في صدورنا ، فإني اخوكم في الملة ، وظهيركم في المحنة ، ورغبتكم في الخلاص من الأزمة ، وداعيكم إلى النجاح في الاولى والفلاح في الآخرة. ثقوا بي فإني حافظ إيمانكم . اعتمدوا علي فإني راعي أمركم وهادي سعيكم . اعتصموا بي فأنا درعكم ، وسيفكم ، وحصنكم . ولنكن على كلمة واحدة وتحت راية واحدة.

ابو عبد الله
فتدله عينه على جوّاب أفاق، أظهر مظاهر التقوى والصلاح، مدعيا الامامة العلوية. فيستميت ابو عبد الله الشيعي في الدعوة لهذ الافاق، المزور، ويحشد له التأييد في الولايات بشمال افريقيا، حتى استقر له المقام بالحكم، والولاية على أهل البلاد، بعد أن فرّ الحكام المستبدون، وهنا يبدأ التكشف الذي عميت عنه العين وانخدعت به البصيرة، ليتعرفوا على إمامهم المزور، وحلم الخلاص الزائف، بأنه الأكثر استبدادا ووحشية، عندما ينتهب أموال الناس انتهابا، ويسفك دماءهم، وينتهك حرماتهم، ولا يُساءل بعصمته، كونه الامام العلوي الموعود،وهنا أراد الكاتب ان يصعد الخطاب العقلي ليرتقي بالمتلقي نحو التفسير رافضا الايهام , وينتهي الامر بالثورة عليه بعد ان قتل أبا عبد الله وأخاه أبا العباس.. ليرتفع صوت أبي عبد الله الشيعي مخاطبا الجمهور انتم المهدي المنتظر انتم من يغير للخلاص من الظلم كقوله تعالى «إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ» وهذا الذي اكد عليه المفكر عز الدين المدني انه تطهير عقلي للوصول الى الخلاص , الخلاص الذي نصنعه بأنفسنا, والا سيبقىذلك الامام الزائف حاضرا في كل زمان ومكان، شاهدا على عمى البصيرة، وخطر التصديق والإيمان المطلق، وانمحاء الشك، وغياب الريبة في الانسان.

يستند المعمار النصي لرسائل الحرية على تقاليد السرد المتوارث للثيمات الشعبية، والذي يظهر فيه التأثر الواضح بالتراث الصوفي، بدءا من عتبة النص (رسائل الحرية) والتي نجد علاقاتها التناصية مع عتبات النص الصوفي (رسائل الغفران، رسالة الطير،...الخ)، وهو ما يشكل موجها قرائيا أولا، باتجاه أفق توقع قرائي ناجز، وهو الفضاء الثيمي الذي تتحرك فيه الموتيفات النصية. والاستغراق بكسر وحدة التناقض العقلي، وفساد الفكرة التي تؤطرها الحاجة الخارجية ورغبة المجتمع وإلحاح الجماعة من العوام، فالعين تغشاها غشوة الرغبة فتعمى، والبصيرة حادة متى ما تنزهت النفس، فوق الرغبة، والعقل الذي انقاد بالتصديق والايمان أودى بصاحبه الى الهلاك، فالشك والريبة هي من قوة الايمان وعزيمة الادراك وهي جوهر الصلاح في النفس، وسمو المدرك، فكل تلك الموتيفات التي احتوتها رسائل الحرية، تسلم الى كسر المألوف التراثي بصلاح الايمان بالتصديق، ونبذ الشك والريبة، المنسوب اجتماعيا الى وسوسة الشيطان. وهنا يتداخل المقدس بالمدنس في خلق القراءة الصوفية السرانية، والتي تعبر على خمول الذهن التقليدي، نحو الكشف المبهر، والاستنارة العرفانية، ونحو الضفة الأخرى من الحقيقة، بالتأكيد على حركية الذهن، وقدرة احتواء كلي لجوانب الحقيقة في تمثلاتها المدركة تشخيصا وعيانا. ولتقريب تلك الموتيفات النصية، جاء المعمار النصي بالاسقاط المعاصر، لخلق قراءة واقعية ودفع أفق التوقع القرائي باتجاه مقاربة الجمهور الواقعية، بأحداث التحولات الدراماتيكية للمجتمعات العربية، وانتفاضاتها على أنظمة حكم فاسدة او منقطعة عن جماهيرها في أفضل الأحوال، وكذلك فوضى الصراع السياسي، والهستريا الدينية والعصاب الاجتماعي بالعود الى الصيغة الاسلامية قبل اربعة عشر قرنا، بوصفها الصيغة الأمثل، وهو ما يعكس عجزا تاريخيا، في الحركة التطورية للعقل، وعقما اجتماعيا في انتاج الرؤى المتطورة القادرة على التحقق في العالم المعاصر. فكان الاسقاط المعاصر معالجة ادبية فاعلة في انجاز فعل التلقي وتحقق القراءة المنتجة.

إن قراءة الإخراج جاءت باتفاق ضمني مع الفرض الأدبي الذي يؤسس له النص بتأكيد الاسقاط المعاصر، في مقاربة الموتيفات التي يفرزها الخطاب الدرامي واقعيا، لذا يعالج المخرج فروضه الجمالية باعتماد المعطى النصي في خلق تصوراته الذهنية التي تتداعى في المفردات المادية والمركومات على خشبة المسرح ، غير أنه يعالجها بإحالتها الى العلاقات الجدلية التي يصدرها النص المشبع بالصوفية من انمحاء الحدود ما بين الثنائيات، والتداخل والتلاشي للمقولات العقلية وقوانين المجتمع وتأطيراته، فيعمل (حافظ خليفة) على وضع تلك الثيمات في حالة حركية من التقابل الجدلي، كما في تقابل ( الإيمان/الهلاك) و (الشك/النجاة) و ليؤسس موتيفا مركزيا يستحضره من التراث اليوناني وهو أن (من النقيض يخرج النقيض)، عابرا على تردد وحيادية الاتزان للوسيط الذهبي الذي هو اقرب بالعادة الى مقولات التراث الاسلامي بأن (لا إفراط ولا تفريط)، فيفجر خطابات النص في فضاء العرض بعنف جمالي يكسب الشكل المتداعي على الخشبة، القدرة على التحول، وافراز أكثر من دلالة ما أن تحقق حضورها بوعي المتلقي بها حتى تنقلب بموضوعها لتعيد شد المتلقي الى موقف التساؤل والحيرة رغم وضوح الثيمات النصية، المرحلة من المتن الحكائي، حيث وضع وعي المتلقي في موقف الشك والريبة إزاء ما يستحصله بيسر وسهولة من معطيات النص الأليف والمستند الى السردية العلوية، جعلته يبحث عن المقاربة لتحقيق مقاصد المعنى لما وراء الخطاب الدرامي الموجه، وهو ما اعتمدته معالجات المخرج (حافظ خليفة) بالإسقاط المعاصر، وبالتالي اعتمد

المخرج في تصميم رؤيته الاخراجية ، على جدلية التخييل والتأويل في بناء التركيب الاخراجي. فيعمل التخييل في تركيب الاخراج على نفي سمة الطبيعي الواقعي في الشكل، وتأكيد اصطناعه الفني في فعل تحققه. أي تفكيك الواقع الطبيعي ، وإعادة إنتاجه بالتخييل والتأويل بوصفه واقع الفرض الجمالي. حيث ينشأ فضاء التخييلهنا من تداخل خيالية السردية العلوية ، بوصفها تراثا ومنتجا جماليا، وواقعية الاسقاط المعاصر للحياة اليومية بمعطياتها التي تنضح بها نشرات الاخبار والصحف، وكامل دقائق فعالية العيش اليومي. وهو ما يترتب عليه تضادات، هي المفارقة ما بين عوالم الواقعي والخيالي. فما بين عمى ابي عبد الله وحماسته الساذجة واعتناقه لإمامه المزيف، وما جرّ على نفسه والعباد من مصائب، وبين الهستريا والعصاب الديني في الواقع الاجتماعي، والذي تسرب الى أدق مفاصل الحياة وأصابها بالعقم والشلل، والانكفاء الحضاري، فإن ذلك التداخل، منح الواقع شعرية تلك السردية، مثلما منح تلك السردي العلوية، نبضة حياة واقعية، وموقفا حضوريا على عتبة التحكيم العقلي.

لقد أعتمد المخرج (حافظ خليفة) بمعالجاته الفنية لرؤيته الاخراجية على الجمع ما بين التقنيات المسرحية التقليديةوالتي صممها ونفذها (محمد رشاد بلحم)والذي كان بتصميمه للضوء مفسرا لمعان ومدلولات رمزية وروحية زودت العرض المسرحي بالحياة،والتقنية الرقمية بالبديل الضوئي لكل من (عماد هادي الخفاجي ومحمد مهدي المياحي وطارق بوزيد) في تحقيق انشاء سينوغرافي ديناميكي فائق القدرة بالتحقق الحضوري ومرونة التحول، وهو ما وفّر امكانية مواكبة وتجسيد الموتيفات بالتداعي الحسي للشكل المسرحي على الخشبة، حيث اعتمد المعطى الرقمي بتقنية البديل الضوئي بالربط ما بين واقع الفرض الأدبي للنص، ومعالجات المخرج بتحول الزمان والمكان، بواسطة حركية الانشاء السينوغرافي، في تحقيق الاسقاط المعاصر، هذا من جاب، ومن جانب آخر، كانت الحضورية في تأسيس المكان، كما في مشهد الإبحار في رحلة أبي عبد الله بحثا عن الإمام، توظيفا فنيا عالي الدقة في تجسيد المكان، واستحضار فضاءاته، بالإسقاط الضوئي التقليدي، ومعالجة هذا الإسقاط بتقنية البديل الضوئي لخلق بيئة طبيعية للرحلة البحرية، والحساب الدقيق في وضع المركب البحري وركّابه في عمق المشهد، بما يفرز من دلالة البعد والتنائي لمسار الرحلة البحرية، والصوت الذي يحمله موج البحر، في معالجة رقمية للصوت بتداخل الصوت البشري مع المؤثر الصوتي لحركة المركب على سطح المياه، وربط ذلك في منظومة التنفيذ للبديل الضوئي، فتأتي معالجات المخرج بتقنية البديل الضوئي على ثلاثة مستويات، هي :
المستوى الأول التحقق الحضوري للمكان في الهنا والآن. كما في مشهد الرحلة البحرية.

المستوى الثاني، تكثيف الدلالة الرمزية للشكل على الخشبة، كما في مشهد رسالة أبي عبد الله الاولى الى امامه المزيف، والتي اسقطت على الارض، بكامل حروفها، عندما يتفحصها الطير، وهو يردد كلماتها بصوت مسموع، حيث يستحيل المكان في المشهد من التأسيس الواقعي، الى المكان الذهني، والذي يستدعي السردية العلوية، ومركزيتها التي تستند على المكاتبة بالبيعة والثورة، وكذلك النكوص والتخلي عن الامام، وبذلك يستحضر الشكل على الخشبة أكثر من جانب من السردية العلوية، ومتنين حكائيين متفارقين ما بين البيعة ونصرة الامام، والنكوص والتخلي عن الامام في سردية الامام الحسين، سردية زيد بن علي زين العابدين، وسرديات أخرى تتحرك بنفس الفضاء التخييلي للسردية العلوية.

المستوى الثالث التجسيد الحسي للموتيف في الشكل على خشبة المسرح، كما في المشانق التي ملأت فضاء المسرح، وظهور اسراب الطيور والعلماء والتي تم اسقاطها بجهاز البديل الضوئي، ودورانها في المكان كأرواح غاضبة تطلب ثأرها، وهو التحفيز الأول للثورة، وصفعة الايقاظ من سذاجة التصديق والايمان تحت إلحاح الحاجة والرغبة لظهور الامام.
إن الإمكانات التي تقدمها التقنية الرقمية بالبديل الضوئي، كان لها أن تستنفد الى كامل قدراتها، لولا المحدد الجمالي لطبيعة النص، ورؤية الاخراج التي تحركت في منطقة بعينها، والتصميم للتجربة الجمالية للعرض وفق آفاق توقع معينة، وضبط حركة تلك الافاق واندماجها في أفق توقع قرائي تنشده الفرضية الأدبية للنص، ورؤية الاخراج المتوافقة معها، في بعث فضاء انشاء سينوغرافي، غني بالدلالات الصوفية، تعامل المخرج بانتقائية عالية في تحديد التوظيف الفني للبديل الضوئي، دون الاستسلام للإغراء الجمالي الحسي الذي توفره الامكانات الكبيرة له، فكان يعرف وبحساسية عالية ما يريد من تقنية البديل الضوئي، وما يدخل في التركيب الإخراجي له.

وعلى مستوى الوحدة الادائية، التي جسدها كل من(بشير الصالحي، بشير الغرياني،عبد الرحمن محمود، نور الدين العياري، فتحي الذهيبي، حافظ خليفة، شهاب شبيل، كمال زهيو، عبير صميدي، هاجر اقديدة،مروى السالمي، امنة حجوني، شيماء عوني، صافية الطرابلسي)تميزت بألعاب التخييل والتشخيص، لتوافق الرؤية الاخراجية بالاستدعاء التراثي للسردية العلوية، وتقديمها وفق الفرضية الادبية للنص، بالتشخيص، وحضورية الذات الناقدة، ليقترب من الاطار الجمالي للأداء الملحمي، ولذلك مبرراته الجمالية والفنية، والتي تطلبها النص الغني بالثيمات الصوفية ، واستحضارات السرديات العلوية الشريفة، والتي تحركت ما بين تعاليها الجمالي بما تمثل من الروحي السامي، وبين الاسقاط المعاصر، والثيمات الواقعية في اليومي المعاش. فالمعالجات الفنية للوحدة الادائية، كانت موفقة بالتمام في تجسيد الرؤية الاخراجية، وضمن بنية التركيب الإخراجي للعمل الفني. بينما جسدت الازياء الأيقونية للمصممة (امال الصغير) الثيمات التراثية التي يرحلها المتن الحكائي للنص، ويؤطر بها الشخصية، ليجسد بعدها التراثي، ويربط الاداء باستدعاء تلك السرديات المتعالية. فكان الزي تاريخي وكما هو متصور عن أهل البيت، والذي شكله المخيال الشعبي، وما أفادت به السرديات العلوية. ولم يحمل المخرج الزي أية دلالة معاصرة، كي لا يخلّ بالمعادلة الجمالية الدقيقة التي بنى عليها رؤيته الاخراجيةجدل التراثي والمعاصر ، ويسطح بالتالي النص التراثي، أمام الشحوب للحضور اليومي الواقعي بالإسقاط المعاصر.

إن بنية عرض رسائل الحرية، قد تشكلت من لوحات مشهدية استدعت التراثي والمخيالي للسرديات العلوية، والتي حضرت بكامل زخمها في خلفية اللوحة، بينما تتصدر ثيمة منها تبني الوحدة المشهدية للوحة، وبالتالي تتراصف اللوحات المشهدية، وكأنها استعراض لقوة الذاكرة في التداعي، ولتحقيق الضبط الجمالي في انسياب اللوحات، وتحقق وحدة السرد المشهدي، عمد المخرج إلى توظيف الخصائص الموسيقية في الانشاد الصوفي من المقامية واللحنية للفنان (رضا بن منصور)، والذي ابدع في معالجاته الموسيقية بواسطة خلق معادلات حسية مثلت عتبات ومقاربات للولوج في فضاء التخيل واللعب بحرفية عالية لكل مشهد فجاء التأليف الموسيقى متابعاً لحركة سير الحدث الدرامي وتطوره لضبط ذلك الاستعراض، وتحقيق التداعي الروحي للتجربة الصوفية، وهو ما كان بإنشاد الفنان لطفي بو شناق الصوفي، التي اعتمدها (رضا بن منصور) لتشكيل معالجة فنية مبدعة لتحقيق الرؤية الاخراجية، وجعلها عنصرا تكوينيا في التركيب الإخراجي لتأسيس خطاب عرض مسرحي يعتمد على المؤثرات الموسيقية في بناء نظام دلالي لطرح القيم الفكرية في ميزان تفكير المتلقي وحكمه النقدي بامتزاج الفرضيات الابداعية للمخرج والمؤلف والفضاءات المرجعية لها .

إن عرض مسرحية (رسائل الحرية) للمؤلف (عز الدين المدني) وضعنا في فضاء تجميعي متعدد المستويات لان نصه كان محملا بالتنبؤ بسبب العود في زمن الكتابة الى السبعينات والوقوف الان والاستمرار وبمحمولات فكرية كأن المدني ادخلنا بآلة للمستقبل التي لطالما استدعتنا للتأمل والوقوف على ناصيته لاستدعاء بواطن اللاوعي لتحقيق عالم الرؤى الحلمية، اما المخرج والسينوغراف(حافظ خليفة ومساعده أيمن السعيدي) وادارة انتاجه (مفيدة مرواني)، فقد كان التوفيق حليفه كمخرج اولا وكسينوغراف ثانيالاشتغاله على تركيب الفكرة الجدلية للمَشاهد بالاستخدام المتناقض للتوقعات وتجاور الامزجة المتعاكسة لخلق أزمة داخل عقل المتفرج واجباره على ان يوفق بينهما في وحدة التفكير الجدلي فعمل على نقل وعي المتفرج عبر وحدات المَشاهد المسرحية بدورية تمثلت ما بين الايهام وكسره بواسطة الاضاءة التقليدية والرقمية والتنوع البصري والذي يمكن تسميته بالإثراء البصري للفت انتباه المتلقي وشده نحو ادراك ماهية العرض المسرحي باستغلاله للفضاء المفتوح وعلى جميع مستوياته الافقي السفلي والذي يمثل ارضية المسرح والمستوى الافقي العلوي والمستوى العامودي الراسي

والذي يمثل حد الفضاء المفتوح مع الالتزام بالشروط الدرامية وهي(اللون، الشكل، الكتلة، الحركة...الخ)للعرض المسرحي لذلك الفضاء وقدرته على ربطها مع الممثل والمتلقي وهو بذلك خلق مؤثر تغريبي بواسطة استغلال جميع زوايا المسرح الاريني في الحمامات وبشكل غير متوقع وعلى جميع المستويات ليخوض في منطقة من أنساق التجريب بالتماس الهوية الروحية والتي تستند عليها كامل بنى الهويات بوضع الانسان في موقف الاكتشاف لذاته، وشحذ بصيرته، واستلهام الفعل الشجاع الذي يصحح الواقع، ويثري تجربة الماضي، ويستشرف المستقبل...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية