عرض الباليه الصيني في مهرجان قرطاج الدولي: تتفتح أزهار اللوتس على ايقاعات موسيقى نهر «لي» فتحدث المتعة

ألوانهم مبهرة، حكاياتهم اكثر ابهارا، رقصاتهم مذهلة وحركاتهم اكثر اذهالا، من الهناك جاؤوا محملين بتاريخهم من الهناك جاؤوا ليخبروا

جمهور قرطاج عن عاداتهم وتقاليدهم التي تختزلها اجسادهم الراقصة فالرقص عندهم هوية هو بطاقة تعريف لدولة تضم 56 قومية اختلفت عاداتها وأفكارها ورقصاتها فكانت اجسادهم مطية للتعريف بهذا البلد والرقصات هوية ذلك الشعب المتنوّع والمختلف.

رحلتنا الى مقاطعة قوانغشي» guangxi zhuang الصينية مع الباليه الذي حمل جمهور مهرجان قرطاج الدولي في رحلة سرمدية ممتعة رحلة قوامها اجساد الراقصين اصطحبوا الجمهور لينتعش بسحر زهرة اللوتس والحقول الريفية ليتعرفوا على التنوّع الثقافي والتعددية في جمهورية الصين الشعبية انطلاقا من مقاطعة اخذت سحرها من نهر «لي» li jiang»

الجسد حياة والرقص هوية
الرقص هذه اللغة العالمية اقدم اللغات البشرية اللغة الوحيدة القادرة على اختراق جميع الحدود وتجاوز الاطياف والأديان والألوان، الرقص لغة الانسان لغة يعتمدها الصينيون ليعبروا عنهم ويقدموا تاريخهم وحكاياتهم، على ركح قرطاج الساحر كان الموعد الاستثنائي مع درس في التاريخ والجغرافيا درس قدمته اجساد الراقصين الذين تشبّعوا بحب رقصاتهم وفلكلورهم وجاءوا محملين بألوان الحياة الى جمهور يقبل على الحياة.

الوانهم تعبر عنهم، الوان متناسقة تجمع الالوان الباردة والحارة، في اولى الرقصات يكون الاحمر سيد المكان وسيد الالوان جميعها فهو لون الفرح والبهجة عند الصينيين لون القوة ايضا فالامبراطور كان يلبس الاحمر او الاصفر، عكس الابيض الذي يعتبرونه لون الحزن والموت فهو اللون الذي يرفع فوق المنازل متى حصلت حالة وفاة.

الوان زاهية وحركات رشيقة، الوان مختلفة اختلاف افكار سكان جمهورية الصين، شاشة عملاقة تعرض صورا تعرف بمقاطعة «قوانغشي» التي تقع في الجنوب الصيني وعاصمتها «نانينغ» مقاطعة ظلت لسنوات منطقة برية وموحشة واليوم هي من اجمل الوجهات السياحية في الصين ومن اهم مميزاتها موقعها الاستراتيجي حذو مجرى النهر العظيم «لي» لذلك فصوت خرير المياه كان ميزة العرض وموسيقى الماء رافقت جميع الرقصات تقريبا.

موسيقى رقيقة ممتعة هي صوت المياه يتماهى مع موسيقى الناي الصيني التقليدي، يدخلون الى الركح الايدي متشابكة مع اصواتهم المرتفعة تزداد الجلبة وتتسارع الحركات، الوان مميزة من الوردي الى الازرق والاسود والاصفر فسيفساء لونية كانها تنقل الربيع في ملابسهم وحركاتهم ليستمتع الجمهور برقصة «يوري هور» وهي رقصة جماعية تؤدى في الاعياد التقليدية اذ يكون الراقصون في صفّ واحد وفي دائرة يدا بيد يرقصون ويغنون، حركات الرقصة حماسية تقوم على الخطو الى الامام ودق الارض والركض مع الهتاف «يوي هور» بصوت موحد، رقصة ملؤها الحياة هي احتفالية الربيع وعلى قرطاج تزهر كل تلوينات الربيع.

تتسارع الموسيقى ومعها خطوات الراقصين، لكل لوحة قصة وكل لوحة هي جزء من الموروث الشعبي للمقاطعة وهي تعبيرة عن الحضارة وعن ثقافات تلك الجهة، الى منطقة في اعلى الجبال تضاريسها الجبلية الوعرة تكون الوجهة، رحلة الى مقاطعة معنى اسمها الممتد أو الامتداد ومن امتدادها الجغرافي والتاريخي تستلهم الرقصات التي نقلتها اجساد الراقصين، مقاطعة تعرف تنوعا عرقيا وثقافيا وينطق سكانها بلغات متعددة على غرار «الماندرين» وهي الاكثر انتشارا، و«و-و» و«يوي» و«هاكا» وتعدد اللغات يكشف عن تنوع عرقي تزخر به قوانغشي وهو جزء من زخم ثقافي يميز جمهورية الصين الشعبية.

الرقص رمزية حضارية وثقافية
خرير المياه يكتب سيمفونية مميزة، حركات الراقصات كأنها نقل لتلاعب الفتيات بالمياه بجوار نهر «لي» العظيم، صوت الماء المميز كأنه لوحة تشكيلية تبهر البصر فالماء مقدس وله رقصته الخاصة عند الصينيين، الراقصات بألوانهنّ الجميلة يحاكين سحر الماء في انسيابه وبأجسادهنّ يعبرن عن فرحة المزارع بالماء ويرقصن حاملات مظلات صغيرة هي اشارة الى ان موسم الزراعة قد حان فرقصة «يانغقه» رقصة جماعية شعبية تحتفي بموسم الزراعة وتحتفل بالربيع والماء ميزتها الالوان الزاهية والحركات المتسارعة التي تشبه التراشق بالماء.

لازال للمتعة نصيب ولازالت رحلة الاجساد المفعمة بالحياة والعنفوان متواصلة، لازلت الوانهم تسحر الالباب وحركاتهم تجعلك مركزا ومنتبها لكل تفصيلة، فاللباس له رمزيته والحركة ايضا والاصوات ذلك فلا وجود للاعتباط في الرقص عندهم، لان الرقص هويتهم، دين الصادقين والرقص شكل من أشكال العبادة أيضا، ففي الصين لكل مناسبة رقصتها، للولادة رقصة تميزها وللاحتفال بقصة حب تقاليد خاصة تقوم على الرقص وللموت ايضا رقصاته وتقاليد في الحركة فالرقص دين يتجاوز كل الاديان الرسمية التي تعترف بها دولتهم لتشمل الانسان وتخترق الروح.

على ركح قرطاج احتفوا بالحب واحتفوا بالزراعة وقدموا رقصة القمر تلك الرقصة التي ينجز لها مهرجان باكمله في فصل الربيع، قدموا لوحات تنطلق من الحياة اليومية للمواطن وحوّلوا حضاريا ارثهم اليومي الى رقصات مبهرة.

لجمهور قرطاج قدموا محمّلين بتاريخهم وحكاياتهم وتعديديتهم وقدموا رقصة «سعادة الفلاحين» المرتبطة اساسا بالعمل الزراعي فالمناظر الفلاحية والحقول المترامية تعد من الوجهات السياحية العالمية في مقاطعة قوانغشي كما زهرات الوتس التي تتفتح تدريجيا بالزهري الممتع، زهرة اللوتس المقدسة الموجودة في الحقول حول الانهار الموجودة في قوانغشي، زهرة اللوتس لها احتفالاتها ولها اعيادها ايضا ولها رقصتها الخاصة «الشيه» رقصة جماعية تقدمها النساء وهن تلبسن لباسا زهريا متدرج الالوان.

في عرض الباليه الصيني غابت رقصة التنين المبهرة التي يعرفها الجمهور التونسي وحضر محلها رقصة «الطبل» تلك الالة التي تحتفي بها كل الاقليات خاصة اقلية «التبت» التي ترى في الطبل الة مقدسة ومباركة من الالهة، رقصة قوامها اللون الاسود مع خيوط حمراء رقصة رجالية تتكون من 8 أفراد وللرقم ثمانية دلالته ورمزيته عند الصينيين فهو رمز للحياة والخصب والصفاء، يرقصون يحملون الطبل ذي الصوت القوي كانهم يعلنون عن موعد تقديم القربان الى الالهة.

الرقص دين الحالمين، الرقص طريق الحب فللحب أيضا رقصته الخاصة رقصة تجمع بين رجل وامرأة هي تضع شالا مميزا حول الراس ويجمعهما خيط طويل كناية عن حبّ أبدي على الركح تنساقت الاصوات والألوان والحركات لتقدم المجموعة القليل من عادات الزواج عند الصينيين.

على ركح قرطاج الساحر كان الموعد مع الباليه الصيني الذي جاء من مقاطعة جبلية هي قوانغشي تلك المنطقة الجبلية التي باتت وجهة سياحية بامتياز، على الركح قدموا تسع لوحات راقصة حاكت الحياة اليومية واحتفالات سكان المقاطعة والصين عموما، ففي الصين هناك مجموعة من الاعياد على غرار رأس السنة القمرية

وعيد الربيع وعيد الشباب وعيد «تشينغ فينغ» او عيد الصفاء والنقاء جميعها احياد ترتفع فيها رايات الرقص واصوات الحياة، اعياد تحتفل بلغة الانسان الاولى الرقص المنبعث اساسا من حكايات الطبيعة.

على ركح قرطاج عرفوا بجزء من موروثهم الثقافي والحضاري وقدموا القليل من تراثهم الشعبي ورقصاتهم واحتفالاتهم، الشاشة الكبيرة كانت محملا للفرجة لمشاهدة سحر زهرة اللوتس والاستمتاع بجمال ازهار السلجم، وصور عن الحقول المترامية والانهار المتعددة، فالطبيعة هي الباعث الاول للفرح ومن الطبيعة استلهموا الوانهم ورقصاتهم التي تحقق جزء من معتقدات الصينيين بخصوص الماء والنار والخشب والذهب والتربة وهذه الخماسية توجد في كل الرقصات تقريبا، التي قدمت على ركح قرطاج، رقصات تنطق بالحب تتغزل بالحياة وتغازل الجمال فينا.

عرض 2019 أقل بهرج من عرض 2018
عرض الباليه الصيني لمقاطعة قوانغشي لم يكن في انتظارات عدد من الجمهور اولا لانه لم يقدم الكم الهائل من المتعة البصرية في الرقصات التي شاهدها جمهور عرض العام الفارط في نفس المهرجان اي قرطاج الدولي، وثانيا للبرود الذي يتخلل اللوحات الذي تعمدوا ملئه بحضور الالعاب السحرية ما انقص من النسق المتصاعد للعرض لتكون كل لوحة منفصلة على الاخرى ليضطر المتفرج لإعادة بناء المشاهد وتركيبها بعد كل خروج لمن يمارس الالعاب السحرية.

عروض الباليه المبهرة للتعريف بثقافة الاخر
عروض مبهرة هي بطاقة تعريف اوطانهم ووسيلة لتعريف المتفرج التونسي على عاداتهم وقصصهم وموروثهم الموسيقي عبر الرقص والحركة والموسيقى التقليدية، على ركح قرطاج نجح عرض الباليه الياباني و الباليه الصيني لأنه كان وسيلة الجمهور التونسي ليكتشف القليل من حضارة تلك الدول فمتى يكون لتونس بالي حقيقي يعرف بموروثها وعاداتها متى يكون لفرقة الفنون الشعبية برنامج حقيقي ومتى يكون لتونس فضاء يهتم بالموروث الشعبي ولا يستحي منه او يخاف من التعامل معه ومتى يعترف بالرقص الشعبي كجزء حقيقي من الموروث وليس مجرد تسلية؟.

الرقص الديني جزء من هوية الشعب الصيني
لكل مقام رقصة، لكل حدث رقصته الخاصة والرقص منذ الازل شكل من اشكال العبادة والتقرب الى الالهة وفي الصين الى جانب الاحتفال بالاعياد والربيع والزراعة والحصاد هناك مجموعة من الرقصات الدينية أيضا.

في العرض مجموعات من الرقصات الدينية، تسمى «تشيانغ مو» منها رقصة «إله التشريع» التي تظهر القوة المتفوقة للآلهة، ورقصة «الإله المهيب» ورقصة «إله جينقانغ»، ورقصة «الجماجم» التي تعبر عن تسلية العفاريت في جهنم، ورقصة «الإله الأيل» ورقصة «الإله المعمر» ورقصة «الكراكي» التي تحقق البركة للدنيا، إلى جانب رقصات حول مضمون الأسفار البوذية المقدسة. مضامين هذه الرقصات مختلفة، وحركات الرقص مختلفة، وتتغير أقنعة الوجوه والأزياء الجميلة مع تغير الرقصات. ليكون الجزء الأخير من نشاطات «تشيانغ مو» طرد الشياطين الشريرة. بعد انهاء كل مراسم طرد الشياطين، تجمع الآلهة المختلفة تلك الشياطين الكبيرة والصغيرة وعلى «رئيسها «دوه ما» المصنوع من الزبدة ودقيق الشعير (تسان با)، وتنقل إلى فضاء خارج المعبد ويحرقونها».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا