عرض ّآوا دانس» للباليه الياباني في مهرجان قرطاج الدولي: «آماتيراسو» تنير مشاعل الحب في قرطاج

ايها الجالس على كرسيك انهض ودع لجسدك الحرية، دعه يرقص، ايتها النائمة آن وقت الرقص فلم الخمول؟ اتتكئ على الارض ووقت الرقص قد حان؟

الن تصلي الى الالهة وتقدم لها رقصتها المفضلة؟. هكذا الرقص عندهم، الرقص عندهم حياة، الرقص تعبيرة عن الخلود، بحركات الاجساد يبتهلون الى الالهة ويطلبون عونها بالرقص يبستقبلون المواليد الجدد يرقصون لتمطر السماء في رقصة «ناها» ويرقصون لتخضر حقول الارز فتتسارع ضربات «كانانا ميساي» وتزهر الزهور الزاهية الالوان مع «سنداي تاناياتا»، يرقصون بالملايين لطرد الشياطين وجلب الحظ في «»ناماهاغيه» والشرط الوحيد هو «ان ترقص مبتسما» هكذا هم اليابانيين؟ .

فهل تعلم شيئا عن حضارتهم وثقافتهم المتعددة؟ ستجيب بلا ونحن كذلك لا نعلم شيئا اذن فلتكمل القراءة ولنكتشف تراث اليابان ومميزاته عبر رقصة «آوا» التي قدمها الباليه الياباني على ركح قرطاج العظيم.

من توكشما الى قرطاج : مشاعل الحب تنير الروح
نوتات هادئة تبعث في ركح قرطاج شحنة من الموجات الايجابية الساحرة، صوت الة الفلوت الرقيقة يدعو الكل ليشحذ العزيمة قبل انطلاق الرحلة، رحلة تنطلق من قرطاج الأثرية إلى مقاطعة «توكشما» الواقعة في جزيرة «شيكوكو» جنوب اليابان، الرحلة من مدينة تطل على البحر كانت صاحبة اكبر الأساطيل الحربية إلى أخرى محاطة بالمياه صاحبة ملايين الرقصات ومدينة يتجاوز عمرها أربعة قرون تكتبها أجساد الراقصين، صوت الطبل «وادايكو» يخبر الجميع آن مدينة «توكشيما» الساحرة ترحب بكلّ محبي الحياة تستقبل سنويا ملايين الحالمين أولئك الذين يملأون الشوارع حركة ورقصا في مهرجان «آوا دورو» فهلا تركت هاتفك الجوال وتركت قهوتك واستمتعت برحلة إلى التاريخ وثقافة أخرى رحلة لن تحتاج فيها مترجما أو معرفة باللغة لان جسدك سيكون قائدك ودليلك.

قبل الرحيل نعلمك ان الرقص واجب في توكشما، الرقص ليس للترفيه بل حياة، فهناك او هنا على ركح قرطاج العظيم، سترقص لكل الفصول، لكل فصل موسيقاه ورقصته الخاصة، رقصة الخصوبة تختلف عن رقصة استحضار ارواح الغائبين او رقصة استقبال الضيوف والمهاجرين، هنا لكل حلم رقصته ووحده الجسد سيد الزمن والفكرة هو صاحب القرار وعنوان للجمال.

موسيقى لذيذة تبعث من قلب القيثارة اليابانية التقليدية المكونة من ثلاثة اوتار مع ريشة جد خاصة عوض اصبع العازف، يليها موسيقى الطبل الكبير «ناغادوديكو» الذي يتجاوز عمره الاربعة قرون، تنساب الموسيقى تدريجيا لتلتحم مع نوتات آلة تايكو التقليدية جميع الموسيقات تتماهى تلتحم لتشكل نمطا موسيقيا يسمونه «زوميكي» أي نمط يمزج المشاعر ويخلطها فتلتحم أحاسيس الخوف مع القداسة والحب والولادة جميع هذه المشاعر تمثل موسيقى شعبية تكون عادة نقطة بداية رقصة آوا.

تهدأ النغمات تدريجيا، موسيقى «زوميكي» تقل تدريجيا لتترك فرصة للمغنية لتصدح بصوتها القويّ معلنة عن بداية الحلم، وتغني وتقول كلمات رقصة آوا.

«بعض الحمقى يرقصون، وبعض الحمقى يشاهدون لكنك أحمق في الحالتين، فلماذا لا ترقص؟» فارقص إذن ودعك من حمق الواقع وبؤسه وقاوم ملله بالرقص، هذه الجملة يرددها راقصو مهرجان «آوا» السنوي منذ 400عام فهذه الرقصة تاريخ واليوم اصبحت مهرجانا كاملا تنجز فعالياته في شهر اوت مهرجان تكون رقصة «آوا أودوري» الشعبية وجهة للمدينة، رقصة يشارك فيها اكثر من مليون راقص في كل شوارع مدينة «توكشما» رغم ان المدينة لا يتجاوز عدد سكانها 286الف ساكن حسب وكالة فرانس براس فالمليون اذن هم من السياح والزوار الذين سحروا بآوا وباتت تلك الجزيرة قبلتهم للابتهال بالرقص.

انا انسان والرقص ديني
دينهم واحد هو الحياة، ربهم واحد هو الامل، ومسارهم اوحد تقديم تراث وتاريخ جزيرتهم الى كل العالم، لا يحتاجون الى ترجمة او مترجم ليفهمهم الاخر، فقط ينادونه ليشاركهم الرقص حينها سيكون جزءا منهم، سيفهم سرّ وقوة «ناغادوديكو» الطبل الكبير المصنوع من أشجار المنشارية التي تجوّف في شكل اسطواني يسمى تايكو، سيعرف سحر الطبل الأصغر المصنوع من جلود القطط والكلاب «اووكيكو» ، سيفتح ذراعيه ككل الراقصين ليحلّق في التاريخ ويكتشف الجمال الياباني في كل الفصول، ربيعها وصيفها وخريفها وشتائها تلك الفصول التي تنجز لها رقصات ومهرجانات تميزها وعلى ركح قرطاج قدمت مجموعة «آوا دانس» القليل من سحر تلك الرقصة الشعبية.

على الركح اختلفت ملابسهم بالوانها الزاهية فللنساء اللون الزهري لون الجمال والرقة والغواية وللرجال اللون الازرق لون البحر و السماء والقوة والغموض وللأطفال اللون الاصفر لون الهدوء والرقة، رقصة النساء تتميز بالكعب العالي وقبعات مخروطية تقليدية الصنع من البردى وتماهى مطلق بين حركات اليد اليمنى والقدم اليمنى، اما الرجال فيعتمدون اكثر على حركات الخصر وتقدّم اليد اليمنى والقدم اليسرى مع ترديد شعارات وعبارات بلهجتهم المحلية ويشترك جميعهم في الابتسامة وتلك من ضرورات رقصة «آوا».

رقصة «آوا» رقصة تشاركية، يدعو خلالها الراقصون الجمهور لمشاركتهم إيقاعها والتماهي مع نغماتها، تلك هي القاعدة أو العادة التي اقترنت بهذه الرقصة الفلكلورية القادمة إلينا من اليابان وتحديدا من مدينة «توكشما» المحاطة بالبحر وقد أكد قائد فرقة آوا للرقص الفنان «أزومي» على عنصر المشاركة الذي يجعل من هذه الرقصة مهرجانا من الألوان والإيقاعات ، وعملا بالعادة المقدسة كانت العشرون دقيقة الأخيرة مخصصة للجمهور طلبوا من كل من يريد الرقص الصعود إلى الرّكح ليقدموا له لمحة عن الرقصة والحركة ليصعد عدد كبير من المتفرجين من شرائح عمرية مختلفة ويرقصوا، حرروا الأجساد والأفكار واتبعوا الفرقة التي علمتهم انّ لغة الجسد لا تحتاج إلى ترجمة، لغة يفهما الكل لغة تغيب فيها كل الحدود تاركة المكان للجسد ليبتهل إلى ألاه الأمل ويرقص ناثرا زهور جميلة كلما تحرّك الجسد.

ساعة وعشرون دقيقة من اللغة الحالمة، ساعة وعشرون دقيقة من المتعة ساعة وعشرون دقيقة من الرحيل الى الهناك الى توكشما الى مدينة يقدّس سكانها الجسد ولغته، رحلة مميزة قدّموا من خلالها لمحة عن تاريخهم وحضارتهم ومميزات بلدهم من خلال شريط فيديو يعرض على شاشة كبرى خلف الركح.
ساعة وعشرون دقيقة من البحث في اليابان تلك الدولة الاسوية التي تقدس الرقص وتقدس ثقافة الحياة عبر لغة الجسد، الانطلاقة تكون من رقصة آوا المميزة لمدينة توكشما، ثم تتجاوزها لتغوص في «ياتسو» وتكتشف مدينة توياما، لتكون نوتات الطبل مطية للتجوال في ياما غوتشي مع مع رقصة سينتيئيساي، اما سحر المطر فتقابله مع رقصة ناماهاغيه المميزة لمدينة اوغا، ولانّ للشتاء سحرا خاصا في اليابان فقد انجزوا مهرجانا للشتاء واسمه ابورو في مدينة هوكايدو، فهناك لكل حالة نفسية رقصتها ولكل فصل حركاته ولكل انسان لغة جسده وهويته وجوزا سفره الى عوالم ممتعة تنطلق دوما من سحر قرطاج لتجوب العالم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية