مسلسل «نوبة» لعبد الحميد بوشناق: الدخول إلى عالـم المزود بتقنيات سينمائية تبهر

عالم ساحر، عالم «الوجيعة» التي تتحول الى نوتات راقصة وصاخبة تذهب الروح وتنسي الجسد كل تعبه، عالم غامض له

أسراره وحكاياه ووحدهم مريدو هذا الفن ومحبوه يستطيعون الدخول لكشف أغواره، رحلة في التاريخ والعودة الى التسعينات من زاوية نظر العام 2019، جولة في عالم «المزاودية» و«الصانعات» و«النوّب» في مسلسل نوبة للمخرج عبد الحميد بوشناق.
نوبة مسلسل تبثه قناة نسمة يغوص في عالم المزود عن نص لعبد الحميد بوشناق وتمثيل ثلة من امهر الممثلين التونسيين على غرار الاسعد بن عبد الله والبحري الرحالي والشادلي العرفاوي وأميرة الشبلي وجميلة الشيحي وعزيز الجبالي وبلال بريكي وهالة عيّاد وحضور للفنان لطفي بوشناق.

الجنيريك نقطة الانطلاق
الجينيريك أو «تتر» البداية والنهاية هو عتبة المسلسل والباب الاول للدخول الى عوالمه، وجينيريك مسلسل «نوبة» كتبه الشاعر صلاح الدين بوزيان وغنّاه مبدعان في الساحة الموسيقية التونسية وهما الهادي حبوبة ولطفي بوشناق، الجنيريك باللون الاحمر الطاغي «حمرة الدماء التي تسيل والقرابين التي تذبح قبل كل عرض مزود»،والأسماء المكتوبة فوق البندير تلخّص عوالم المسلسل فموسيقى المزود تكون دليل المستمع في رحلته، صوت الزغاريد وعبارات «الصلاة والسلام» التي يسمعها التونسي في حفلات «الربوخات» واهازيج «الحضرة» و«النوّب» تكون مطيته ليغوص تدريجيا في تفاصيل المسلسل، كلمات اغنية الجينيريك ايضا نافذة للدخول الى عوالمه ومنها « عشاق الدنيا قلوبهم مسلوبة، والدنيا خضراء ، الطبل يدوي والشطيح يدوّخ، الحفلة حمراء ، ودخلت نوبة في نوبة»، الجنيرك ممتع وكان نافذة حقيقية تمهّد للمتفرج عوالم المسلسل.

عالم المزود: عالم الوجيعة
« ماتنجمش تغني المزود وانت فرحان، المزود عالم الوجيعة» هكذا يقول احد السجناء لسجين اخر وهو يغني المزود، ومن كلمة «وجيعة» تنطلق حكايات المسلسل الذي يعود الى فترة التسعينات، اغلب احداثه تكون في حيّ شعبي له قوانينه ونوامسيه المجتمعية المنفصلة احيانا عن الدولة، حكايات «المزاودية» وعالم «الدرابكيــــة» و«الفرخــة» (الدربوكة) وموسيقاها التي يقودها «بابا الهادي» (البحري الرحال) جميعها تنقلها كاميرا عبد الحميد بوشناق بتقنيات سينمائية مبهرة تمتع العين جماليا.

«نوبة» مسلسل يغوص في تفاصيل المزود والمزاودية، التفاصيل اليومية والحياتية البسيطة التي تصنع الوجع الذي يصبح لحنا مميزا تنقلها الكاميرا وتتبع تفاصيلها لنقلها الى المتفرج التونسي، صور وتفاصيل عنهم ربما لا يعرفها المتفرج لتكون الكاميرا وسيلة للتعريف بعالمهم والاقتراب منهم فممارسو المزود ليسوا «فنانين درجة ثانية» والمزود ليس موسيقى «الزوفرة» انّما عالم كامل له تفاصيله وجمالياته ، تفاصيل يتبعها المشاهد وترتفع نسب المشاهدة على «اليوتيوب» يوميا فمن 150الف مشاهدة في الحلقة الاولى الى 327الف مشاهدة في الحلقة السابعة.

الرقص...«شيخة» وفن
«ولدت به، اشعر انه يتغلغل في عروقي ويجري مع دمي، شيخة، وبنة» بهذه الكلمات تعبّر نانا وسيلة (هالة عيّاد) عن علاقتها بالرقص، والرقص جزء لا يتجزأ عن موسيقى المزود، وبالإضافة الى عوالم الاغنية وموسيقاها تتجول بك الكاميرا في عوالم «الصانعات» وحكاياتهن، فمنذ الجينيريك يسمع المشاهد رنين الخلخال وموسيقى «الشناشن» وضربات القدم على الارض ضربات كأنها عنوان لانطلاق ملحمة الجسد وموسيقاه الخاصة .

في الحلقة الثانية يقدم درس في الخطوة التونسية « البونوارة» و«الحلة» و «الحجّالي» والتماهي الممتع بين الراقصة و العازف يكشف عن عالم غريب للمزود وللراقصين الذين يعاندون الطبال والمزود، عالم له خصوصياته ، عالم يكون فيه الرقص «شيخة».

وبالإضافة الى تقديم فكرة عن انواع الخطوات، و «الحرامات ألوان وعالم الراقصة هناك نقد للنظرة المجتمعية للراقصة فوسيلة مثلا تعاني من جبروت زوجها فقط لأنها «راقصة» وفي الحلقة الثانية يكون الحديث عن الشخصية فيسبونها بكلمة «راقصة» وتكرار الجملة الغاية منه نقد النظرة المجتمعية والغوص في عوالم الراقصة وتفاصيلها مفاده تاكيد ان الرقص فنّ له مقوماته وممتهنة الرقص «امرأة» عشقت ذاك الفن وقررت خوض مسيرتها بعيدا عن الاحكام الاخلاقوية، امراة قوية لها القدرة على تحدي النظرة الدونية للرقص.

حسين محنوش.. «غنّوش» ينسي المشاهد في «العاتي»


يعود الممثل القدير حسين محنوش الى الدراما التونسية بعد سنوات من الغياب، حسين محنوش يبدع في شخصيته الجديدة «غنوش» لينسي الجمهور شخصية العاتي التي عرفه بها المشاهد التونسي، غنوش شخصية مركبة قدّمها محنوش بكل حرفية.

البحري الرحالي: الفنان المميز
«بابا الهادي» الشخصية المحورية في الحلقات الاولى، حوله تدور الحكايات فهو اب المزود في «الحومة» منه يتعلمون ومعه يبنون اغانيهم وحفلاتهم، «بابا الهادي» شخصية مركبة، متناقضة عصبية ولينة في الوقت ذاته، شخصية تقمصها الفنان البحري الرحال ونجح الى حدّ الان في تقديمها.

بلال بريكي يصنع خطوات النجاح
ممثل شاب، نجح الى الان في تقديمه لشخصية «ماهر»، شخصية محورية في المسلسل، «ماهر» ابن المنزه محب الموسيقى الكلاسيكية والغربية، يدخل السجن وهناك يتعرف على عوالم «المزود» يحبّه ويريد الغوص في تفاصيله، هذه المتناقضات كلها والتي تحيط بالشخصية يطوّعها الممثل ليصنع منها شخصية مختلفة.

هالة عيّاد ساحرة


ممثلة مميزة ومتميّزة اثبتت قدرتها على صناعة الاختلاف وتجسد هالة عيّاد في نوبة شخصية مركبة ومعقدة شخصية وسيلة الراقصة القوية والمتجبرة صاحبة العين الوحيدة من ناحية وفي الوقت ذاته هي امرأة عاشقة للرقص حنون تدمع عيناها لبكاء طفل صغير، هذا التناقض النفسي ابدعت هالة عيّاد في تجسيده الى حد الحلقة الثامنة.

الأسعد بن عبد الله: «معلّم»


فنان مختلف، لحضوره كلّ الابّهة، الاسعد بن عبد الله المسرحي القدير صنع الفارق في الحلقات التي شارك فيها في مسلسل «نوبة» في دور «الصادق» المزاودي السجين الذي لقن الاخرين القليل من حبه لهذا الفن، تعابير وجه الاسعد بن عبد الله كانت دليلا على صدقه في اداء الشخصية ونجاحه في الوصول الى قلوب المشاهدين.

الاشهار نشاز داخل الحلقات ...
الاشهار ضروري و حلقة اساسية لضمان بيع المسلسل لكن الاشهار المجاني داخل الحلقة بات مقلقا ونشازا فالأحداث تعود الى التسعينات، الكوستيم واجواء الاحياء العتيقة طريقة الماكياج وطريقة اللباس وتسريحات الشعر، جميعها تطابقت مع الحدث والفترة الزمنية باستثناء الاشهار للمواد الغذائية الجديدة والتي تلائم العام 2019 فهناك مواد لم تكن موجودة أصلا في التسعينات نجدها في المسلسل وماركات حديثة وليدة ما بعد الـ 2000.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499