في بعض شؤون الثقافة: الفَضاءات الثَّقافية تَشكو حَظّها..

وحيد السعفي

(1)
أعرف أنّكم تُحبّون مثلي الفضاءات الجميلة النظيفة الزاهية، وترجون مثلي أنْ تزدان بالعروض

الجميلة الزاهية، والعروض القيّمة، والعروض النيّرة، والعروض الممتعة، والعروض العالميّة الشيّقة، وتخافون مثلي أنْ تُصبحَ فضاءً للسياسة الفاسدة، والحضرات الفاسدة، والمشاهد الشعبوية الفاسدة التي لا فنَّ فيها، ولا بحثَ فيها، ولا تجذّرَ في العصر.
أعرف أنّكم مثلي، عندما تُغادرون مدينة الثقافة التي جُعلتْ للواجهة، وتقصدون دورَ الثقافة في تونس الكبرى أو في الجهات القريبة أو في الجهات النائية، تُصادفون، بعض الدور التي يتفانى القائمون عليها في خدمتها، رغم الفقر والخصاصة وعجز الميزانية، ويحاولون التنشيط وفتح الفضاء للإبداع الشاب، رغم ضيق الحال وانحباس الأفق والطعن فيهم والتآمر عليهم.

أعرف أنّكم مثلي، إذا ما استثنيتم هذه الحالات، صادفتم في الدور الوَسخَ والعَفنَ وبيوت الماء التي تعجّ بالرائحة الكريهة، والموظّفين الذين لا يعملون لأنهم يعيشون الفقرَ والخصاصةَ وعجزَ الميزانية، أو لا يعملون بإيعاز من النقابات دفاعاً عن عطلة آخر الأسبوع والمواسم والأعياد، فتتوقّف الأنشطة الثقافية في تلكم الأيام، وتلكم الأيام جُعلت في الأصل للأنشطة الثقافية. وهم عرضة على الدوام للأرجل تتراكلهم والنوايا المبيّتة، فتريد أنْ تُخضعَهم لأمرها البلديةُ والولايةُ والوزارةُ والأحزابُ كذلك، إنْ باسم المدنيّة التي تبحث لها عن فضاء، أو باسم الدين الذي يُريد أهله أنْ يَفتحَ كلَّ فضاء، فتغزو اللحيُّ والجلابيبُ والحُجبُ الفضاء. ولا تَصلُ العروضُ الفنّية التي تستحقّ هذه التسمية إلى هنا. ولا روّادَ للعروض المدعومة التي تصل إلى هنا، ولا قيمةَ فنّية لها.

تلك هي دور الثقافة. إذا ما استثنينا منها ذلك القليل النادر الذي أشرنا إليه في الفقرة السابقة لتَميُّز المشرفين عليه والموظّفين والعملة بالعمل الجادّ والسعي إلى تجاوز العقبات وفتح الفضاء لقوى الإبداع من الشباب، تبيّن لنا أنّ تلك الدور لا تصلح لشيء. مجرّد فضاءات لذرّ الرماد في العيون العمشاء والعشواء. والعيون العمشاء والعشواء لا تعرف ما الثقافة التي تقوم حاجزاً أمام الإرهاب، فيرفع أصحابها من الوزراء والمسؤولين الكبار السامين ذلك الشعار ويردّدونه، صباحَ مساء، ولا سياسة واضحة لهم تجعل الثقافة حاجزاً أمام الإرهاب، مُجرّد شعار يرفعونه للإيهام بالعمل.

كذلك نسمع هذا الشعار: جعل الثقافة حاجزاً أمام الإرهاب. ولا ثقافةَ تقوم حاجزاً فعلا أمام الإرهاب في البلاد. ولا سياسة ثقافية في ظل العجز عن وضع سياسة ثقافية.
إنّ دور الثقافة في حاجة إلى أنْ تضطلع بمهامّها وفق سياسة ثقافية مضبوطة جريئة مُحدّدة وواضحة، لا يشوبها التعميم والتورية وبُهتانُ الخطاب، ولا تُسيّرها ظروف السياسة الآنية الفاسدة. إنّ دور الثقافة في حاجة إلى أنْ تتغيّر، وأنْ تتغيّر وظيفتها والغاية منها وإنْ في ظلّ فتحها لأصحاب المشاريع الرائدة في التنشيط والبحث والإبداع وفق عقود تربطهم بالمصالح المختصّة. ما ضرّ لو أقيمتْ مع المبدعين أصحاب المشاريع الجريئة شراكة عمل، ومكّناهم من دور الثقافة للتسيير وتحقيق تلك المشاريع؟ ما ضرّ لو تمّ التفويت في دور الثقافة للذين يُريدون فعلاً العمل، في إطار الوضوح والشفافيّة واحترام القانون؟ فقد تبيّن منذ مدّة طويلة أنّ الدولة لا تصنع الثقافة، وأنّ الوظيفة العمومية لا تخلق المبدعين، وأنّ تجارب الخواصّ في الفضاءات الخاصّة أدّى إلى نتائج مرضيّة، خير على الأقلّ من النتائج التي تحقّقها دور الثقافة في هذا الزمان.
آن الأوان أنْ تتغيّر القوانين في مجال الثقافة العصيّ على غير المؤهّلين.

(2)
وقد نجحت في تونس فضاءات خاصّة عديدة، ونالت مرتبة عالية في الإبداع وأسهمت في تغيير وجه الثقافة في البلاد شأنها شأن بعض دور الثقافة التابعة للقطاع العام. وقد شجّعت الدولة هذه المبادرات الخاصّة ودعمتها ماليًّا نظراً إلى أهمّيتها في التنشيط والإبداع. وقد رُصدتْ لها منحٌ للتسيير تقسّمها بينها وزارة الشؤون الثقافية وفق معايير، ولكنّ هذه المعايير في حاجة إلى ضبط وإعادة نظر ومتابعة دائمة دقيقة. فقد تبيّن أنّ هذه المنح، شأنها شأن منح الدعم، جاءت إرضاء للجميع وتمتيع أكبر عدد ممكن من الفضاءات بها. وتبيّن كذلك أنها تراوحت هذه السنة بين ستة آلاف وستين ألف دينار، وهذا لا يفي بالحاجة إذا ما كان الفضاء ناشطاً مدارَ السنة. وتبيّن أيضاً أنّ بعض هذه الفضاءات لا نشاط لها أو تحوّلت بمرّ الزمن إلى مَقاهٍ ليس غيرُ. وتبيّن أنّ بعض الفضاءات توقّفت عن النشاط وما زالت تتمتّع بالمنح المرصودة إليها منذ سنوات. وتبيّن أنّ بعض الفضاءات المدعومة ليست إلا شققاً تُستعمل إدارات. وتبيّنت أشياء أخرى نستحي من ذكرها، لا فائدة في ذكرها. وهذه شهادة عارف بالأمر مرّ من هنا، ولا غايةَ لها إلا ّالتنبيه إلى أنّ الأمرَ يزداد سوءاً مع مرّ الأيام، فوجب وقف السوء.

وأمام هذا الوضع سعت الفضاءات الثقافية الخاصّة، الجديرة بهذا، إلى التكتّل والنشاط في إطار نقابة تمّ بعثها في شهر أفريل الماضي من هذه السنة، تهدف بالأساس إلى أنْ تكون مُخاطباً رسميا لوزارة الشؤون الثقافية، وفق ما تقتضيه شروط النقابات وما يسمح به القانون. وقد يسمح هذا، في إطار الشروط الواضحة والقانون، أنْ تتولّى النقابةُ الفرزَ وإسنادَ الصفة للفضاءات العاملة فعلا في القطاع الثقافي والناشطة فيه نشاطاً دائماً مُستمرًّا. وقد يسمح هذا، في إطار الشروط الواضحة والقانون، أنْ تساهم النقابة، مع وزارة الشؤون الثقافية، في وضع مقاييس تُعتمدُ في إسناد منح التسيير، فتذهب هذه المنح إلى مُستحقّيها، ويتمّ بذلك القطعُ مع سياسة الإرضاء التي لا تُفيد، ويتمّ سدُّ باب الدعم أمام المتطفّلين على القطاع الثقافي.

إنّ الفضاءات الثقافية الخاصّة، في حاجة، مثل دور الثقافة في القطاع العام، إلى سياسة ثقافية واضحة تتولّى التشجيع وضبط أطر العمل بعيداً عن كلّ توظيف ومخاتلة وخطابات زائفة. فإنْ تمّ هذا أصبحت الشراكة بين القطاعين العام والخاصّ شراكةً فعلية للعمل والإنتاج والإبداع وفق المشاريع المضبوطة والبرامج الواضحة، حتى لا يكون القطاعُ العامُّ مُجرّد مموّل سيّئ للمشاريع الفاسدة التي لا تؤدّي إلاّ إلى الفساد، وحتى لا يُنفقَ المالُ العامُّ في ما تأتّى من المبادرات التي لا شيءَ وراءها غير المتاهات.

كلّما تحدّثنا عن قطاع من قطاعات الثقافة وجدنا أنفسنا ندور في مدار واحد قوامه الحاجة الماسّة إلى سياسة ثقافية واضحة، ولو تحقّقت هذه السياسة الثقافية الواضحة لتوقّفت المطالبةُ العقيمة، ولتمّ العمل في إطارها بالإشادة والتنويه أو التحليل والتوضيح والتقويم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية