في بعض شؤون الثقافة: إمْرأةُ الإسْلام إمْرأةٌ إلاّ نِصف...

وحيد السعفي
لا شَيءَ مثلُ الحَديث في المرأة يُثيرُ الجَدلَ في الشريعة والمُجتمع. كُلّما لاحَ طَيفُ المساواة والتحرّر على المستوى الاجتماعي

عاد الإسلامُ يَفرضُ قانونَه على المُجتمع.

في مَملكة الأعراب حَيثُ الحَرَمانِ وشُيوخُ آخرِ الزمانِ، صَدحتْ أصواتُ النساء وعَلتْ على صَوت المخاتلة والكذب والبهتان. هنا قامت لُجين وإيمان وعَزيزة وأمل ورُقية ونوف ومَياء وشَدن وعَبير وهتون يُنادينَ بالحرّية والانعتاق وإنهاء ولاية الرجال وإتيان ما به تتحقّقُ في المملكة مَنظومةُ حقوق الإنسان. لقد أقضّت هذه الأسماءُ الوَديعةُ والأصواتُ الصارخةُ في الظلم والعبودية والرقّ مَضاجعَ الشيوخ الحكّام. فكان السجنُ والعذابُ والاغتصابُ والتمثيلُ بالجَسد بَيْن يَديْ الجلاّد. وتَفنّنَ الشيوخُ في ابتداع التّهم للإطاحة بالنساء. فاتّهُمنَ بالخروج عن النظام ومُخالفة الإسلام. واتُّهِمنَ بالتآمر على أمْن الدولة والضَّرَر بمصلحة المملكة. واتُّهِمنَ »بالتواصل مع جهات مُعادية، والتعاون مع قَنوات إعلامية مُعادية، وتقديم دعم مالي لجهات مُعادية خارجية، وتَجنيد أشخاص للحصول على مَعلومات تُضرُّ بمصلحة المملكة«.

وفي السودان حيث تَحوّلت جبهةُ الإنقاذ إلى جبهة إسلامية وانتصبت في البلاد منذ ثلاثين عاماً تَفرضُ السلفيةَ وحُكمهَا الوهّابي، قامت النساء يُزغردنَ في المظاهرات فنُصبتْ لهنَّ المَحاكمُ الطارئةُ وأصْدرتْ فيهنَّ حُكمها بالسجن والجلد، عشرين جَلدة على وجه التحديد. هنا تَسودُ مَقولةُ العدل التي تُكرّسُ الإسلامَ الذي تُغذّيه المملكة بالمال، فينشرُ الوهابيةَ التي تُنصّبُ في الناس الشريعة.

وفي تونس التي قال في نسائها الشاعرُ مفَاخِراً: نساءُ بلادي نساءٌ ونصف، ما زالت المرأة تُتّهم بأشنع التّهَم وتتعرّضُ للعُنف الشديد والتشهير والتكفير. هُنا يَطعنُ الطاعنون في عَملها إنْ تَرأستْ لجنةً، ويَعتبرونهُ مُنكَراً مُخالفاً للإسلام، ويَعتبرونهُ من عَمل الشيطان، ويتّهمونها بالتعامل مع قُوى الشرّ للإطاحة بصرح الإسلام. هنا يَتجنّدُ الزَبانيّةُ وشُيوخُ الزور وأيمّةُ المساجد بكلّ سلاح، ويَحملونَ على المرأة حَملةَ الجهاد، للإطاحة بالمرأة التي تدعو إلى المساواة والعمل وفق مَوادّ حقوق الإنسان التي لا تُراعي خُصوصيّةَ الإسلام. وتَراهم يَسعوْنَ بكلّ السُّبل إلى وَقْفِ السيل حتّى لا يَتمّ الانجرافُ، ويُعرقلونَ مَسيرةَ التغيير، فتُقبرُ المُساواةُ ويُؤجّلُ النظرُ في الميراث. كذلك يَنجحُ المُنافقونَ في الذود عن الإسلام، ويَنشرون على الملإ أنّ الإسلامَ كان أوّلَ، وكان سَمحاً فخالفَ الجاهليّةَ وأعتقَ المرأة ووَهبَ المُساواة.

ونحنُ لا نَعرفُ الجاهليةَ ولا نَعرفُ إسلامَ النشأة الأوّلَ.

نحنُ لا نَعرفُ الجاهليةَ إلاّ من خلال ما رواه عَنها المسلمون، أو ما جاء في القرآن. والقرآنُ نَصٌّ إشاريٌّ لا يَهتمُّ بالتفصيل والتحليل والدقّة والبيان. ونَحنُ لا نَعرفُ إسلامَ النشْأة الأوّل إلاّ من خلال ما رواه عنه المسلمون في القرنيْن الثاني والثالث الهجرييْن. وهؤلاء المُسلمون فَصلَ بَينهمْ وبين إسلامِ النشْأة الأوّل الزمان. فكان العِلمُ بالجاهليّة وكذلك العِلمُ بإسلام النشْأة الأوّل مُجرّدَ تَخمين وافتراض وما يُمكنُ أنْ يَكونَ كان لا ما كان فعلاً.

ويبدو، والله أعلم، أنّ المسلمين زَوّروا الحقائقَ وجَعلوا الجاهليّةَ شَرًّا مَحضاً والإسلامَ خيراً لا شَرَّ فيه. وقد حَملوا على الجاهليّة في باب المرأة حَملةً شَعواءَ. فجعلوا الجاهليّةَ تَستعبد النساءَ. وجَعلوا الرجالَ فيها يتزوّجُون بأعداد غفيرة من النساء. وجعلوها لا تَمنحُ النساء أيّ حقّ في الميراث. وقاموا مُقابلَ ذلك يَتغنّوْنَ بالإسلام الذي حَرّر المرأة من عِتق الجاهلية، ولم يُمكّن للرجل في الزواج إلاّ بأربعٍ من النساء. وقالوا في الميراث إنّ الإسلامَ منح المرأة نصف حقّ الذكر، وهذا أقصى ما يُمكنُ أنْ تُصيبَ، وقد كانت من قبلُ لا حقَّ لها في الميراث.

ونحنُ لا نُكذّبُ ما يَفترضون في ظلّ غياب نُصوص الجاهلية واعتبار الشعر الجاهلي مَنحولاً. فقط نَسألُ سُؤالَنا البريءَ إذا صَدقت الأخبارُ: لِمَ لَمْ يَتزوّج مُحمّدٌ في الجاهلية غير خَديجة ولَمْ يَجمعْ إليه عدداً غفيراً من النساء على عادة الجاهلية التي يُصوّرون، في حين تَزوّج لمّا جاء بالإسلام ما شاء الله من النساء؟ ماذا حدثَ بين الجاهلية والإسلام؟ هل كانت الجاهلية مُقتصدة في النساء ومَكّن الإسلامُ الرجلَ من حَظيرة من النساء، حَرائرَ وجواريَ وإماء وما شاء ممّا مَلكت اليمين؟

أمّا في باب المِلكيّة والميراث فقد ذكرت الأخبار، أخبارُ السلمين، أنّ نساءً في الجاهلية كُنّ يَملكنَ المال ويَمتهنَّ التجارة، وكانت أملاكهنَّ تُضاهي ما يَملك الرجالُ. وكانت خَديجةُ غَنيّةً غِنَى أبي سُفيان. وكانت النساءُ يَرثنَ المالَ والعبيد والإماء عن آبائهنّ وأمّهاتهنّ وأزواجهنّ وحتى الأبناء. فلِمَ جَعل الإسلامُ المرأةَ تَبَعاً للرجل وأعطاها نصف ما يَرثُ؟
وكانت المرأةُ في الجاهليّة، والعُهدةُ في ذلك على أخبار المسلمين، تُجاهدُ في سبيل الجاهلية جهاداً مُستميتاً، وتَخرجُ مع الرجال إلى حرب المسلمين. وقد خَرجتْ هندٌ بنتُ عُتبة مع جَيش قريش تحثّهم على التقدّم إلى المسلمين في غزوتي بَدر وأُحد. وكانت شاعرةً ذَلقةَ اللسان، لاذعةً في القول، هَجّاءةً. فكانت تُحرّضُهم بقوْل الشعر في الحماسة والفخر بهم وهجاء الرسول. أمّا المرأة في الإسلام ففُرضَ عليها الحجاب من وراء الأستار. ولمّا طالبت بحقّها في الخروج وأرادت أنْ تُجاهد مثل الرجال، جاء الأمر المنظّم للجهاد في الحديث: جهاد المَرأة في عقر دارها.

وكانت المرأةُ في الجاهليّة تُحبُّ الزينةَ والتبرّج. وكان التجّارُ يَشدّون إليها الرحال من كلّ مَكان ويأتونها بالحَرير والحُليّ. وكانت تلبسُ السراويلَ وتَخرجُ إليهم في الأسواق تَختارُ ما يَروقُ لها من لباس وحُلي وزينة. فنهى القرآن عن تبرّج الجاهليّة والزينة وشدّدَ الشيوخُ في تحريم الزينة واللباس. وأصبحت امرأةُ الإسلام عَورةً تَستوجبُ السترَ في الحجاب والنقاب واللباس الذي يَقتلُ فيها الجَسدَ.

امرأةُ الإسلام، حَسبَ هذا الافتراض، نصفُ امرأةٍ أو أقلّ، ناقصةُ عقل ودين، أمةُ الله التي أورثَها خُلفاءَه في الأرض من الرجال. امرأةُ الإسلام يقومُ على أمرها رجالُ الإسلام، يَذودونَ عنها، يَخافونَ عليها الخروجَ، يَخافونَ عليها من الشيطان، يَخافون عليها المالَ الذي قد تَرثُه مثل الرجال فيَنقلبَ عليها دَماراً. كذلك يَبقى الرجالُ قَوّامين على النساء، وتبقى المساواةُ خارجَ إطار الدين، لا علاقةَ لها بالإسلام.

المُساواةُ مِن عَملِ النساء!

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499