التعليم بين ثقافة الارتجال و «الحنيّة» وثقافة التسريب والتموقع ...

• القرار: فتح المؤسسات التربوية صيفا للأنشطة الثقافية والرياضية وحفظ القرآن ... قرار ايجابي وهادف في ظاهره ومدانٍ كلّ من يعترض عليه إلى حدّ المسّ من شخصه وإنسانيته خاصّة في ما يتعلّق بحفظ القرآن ...


• المناسبة: ندوة دولية حول تعزيز قيم السلام وثقافة الحوار، وهنا أسأل عن ثقافة الحوار التي يهدف السيد وزير التربية إلى إرسائها وتعليمها للأجيال إن كان بثقافة الحوار مع الأطراف المباشرة فعليّا للعملية التربوية حين اتّخذ هذا القرار وهم جهات التنفيذ لهذا القرار والأدرى بمكوّنات شخصية التلميذ ومطالبه ؟

هل أنّ العطل المدرسيّة مسألة اعتباطيّة وعلينا إلغاءها بجعل التلاميذ في ارتباط بالمؤسسة التربوية على مدار السنة حتّى أولائك الذين لن يلتحقوا بهذه الأنشطة لأي سبب كان ؟

ألم يفكّر السيد وزير التربية بالارتباك النفسي الذي قد يحدثه لتلاميذ ينتظرون العطل المدرسية بفارغ الصبر وتلك ميزة أن تكون تلميذا وليس عيبا ؟

هل الاستثمار في البنية التحتية وعدم ترك المؤسسات مغلقة دون نشاط ودراسة على حدّ تعبير السيّد وزير التربية قرار يدرك أنّ توزيع العطل على مدار السنة وان كانت هناك نقائص لهذا التوزيع هو مسألة مدروسة وتراعي كلّ جوانب العملية التربوية بما في ذلك البنية التحتية والحجر ؟

هل فكّر السيد وزير التربية في أنّ البنية التحتية تماما كالإطار تحتاج إلى عطلة و خلالها تتمّ بعض الصيانة أحيانا ؟

ثمّ ألم يكن من الأجدر ونحن نفتح المؤسسات صيفا للأنشطة الثقافية والرياضية وتحفيظ القرآن ونربك الجدول الزمني والحالة النفسية للتلاميذ نكتفي بما هو أنسب وصحّي وسليم من جوانب عديدة ونخصّص بعض الثواني خلال الدروس العادية للتلاميذ لتشجيعهم على ارتياد دور الثقافة ودور الشباب المفتوحة على مدار السنة ولهذا السبب بالذات هي مفتوحة صيفا؟

ألم يمض السيد وزير التربية شراكة مع هذه الوزارات ؟

أليس هذا هو معنى أن نفعّل الشراكة ونجعلها شراكة عمليّة ؟

ألم ينتبه السيد وزير التربية إلى أنّ فتح المؤسسات صيفا لتحفيظ القرآن مسألة قد ينجرّ عنها استبطان الرأي العام لدور غير الدور التربوي التعلمي للعلوم والمعرفة والترقيّ في طلب العلم من رياضيات وفيزياء ولغات وفلسفة وتفكير إسلامي وغيرها من المواد التربوية التعليميّة ؟

ألم يفكّر السيد وزير التربية بما قد يحدثه هذا القرار من شرخ في الرأي العام بين مؤيّد ومعترض بل قد يذهب البعض إلى حدّ فقدان الثقة في مؤسسات القطاع العام وسحب أبنائهم للالتحاق بالقطاع الخاص ؟

أسأل كلّ هذه الأسئلة ولا أملك الإجابة لأنّه وببساطة الوحيد الذي بإمكانه الإجابة هو السيد وزير التربية .

أمّا عن كون « أن تونس دولة عربية ومسلمة كما جاء في الدستور الذي وجب تطبيقه والذي أنهى الجدال الدائر حول الهوية التونسية ».

أذكّر : «ـ تونس دولة حرّة مستقلّة ذات سيادة الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها.

ـ تونس دولة مدنية تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلوية القانون ».

فما جاء في الدستور هو : تونس دولة مدنية نظامها جمهوري لغتها العربية ودينها الإسلام وهناك فرق كبير بكونها دولة عربية دينها الإسلام وكونها دولة مسلمة ، تونس دولة عربية بتعدّد للديانات والأجناس والثقافات وكون الأغلبية يعتنقون الدّين الإسلامي فهذا لا ينفي وجود ديانات أخرى وأجناس وعرقيات أخرى وجدال الهويّة الذي كلّفنا سنوات من الحوار وعلى حساب الإشكالات الأساسية التي من أجلها كانت الثورة التونسية انتهى إلى مدنية الدولة والى أنّها الراعي للدّين وليست دولة دينيّة والقول بأنها دولة عربية مسلمة يمكن أن يعيدنا إلى مرحلة كتابة الدستور والصراعات حول مسألة الهوية وكلّ ذلك الجدل وأن تكون الدولة راعية للدّين ضامنة لحريّة المعتقد ومحيّدة للمؤسسات الدينية عن التجاذبات السياسية الحزبية هو أن نتجنّب مثل هذا الخلط بين المؤسسات ، فحفظ القرآن وكلّ ما يتعلّق بالعقيدة الإسلامية وغيرها من المعتقدات له أطره الدينيّة ومؤسّساته وليس من مشمولات المؤسسات التربوية ، ومادّة التربية الإسلامية المدرجة في النظام التربوي هي مادّة معرفية علمية تماما كالمواد الأخرى ، وممارسة الأنشطة الثقافية والرياضية هي أنشطة من أجل الترفيه وملء فراغ التلميذ للتخفيف من الضغط النفسي والجسدي خلال السنة الدراسية وليس معدّا للعطل المدرسية لأنّ هناك فضاءلت أخرى يمكن أن يرتادها الشاب والطفل لا بوصفه تلميذا بل بوصفه مواطن كما أنّ التلاميذ لا يحتاجون إلى ما يسمّى بـ «بالتجذّر في هويتهم العربية الإسلامية « فهم منخرطون في بيئتهم وثقافتهم التونسية والعربية ويدركون ديانتهم وطقوس المجتمع التونسي الدينيّة وما يحتاجونه هو الانفتاح على الآخر وقبول الاختلاف والتواصل والحوار في ظلّ هذا الاختلاف ، ما يحتاجونه هو مبدأ العيش المشترك في ظلّ الاختلاف والتنوّع وحريّة التفكير والتعبير
ومسألة أن الناس يتضررون من عدم فهم الدّين هي تعلّة سطحية الفهم ولا تذهب إلى عمق الأسباب من لا يفهمون الدّين إذا افترضنا ذلك ليسوا هم الإرهابيون هؤلاء يعتنقون ويمارسون طقوسهم الدينيّة بطريقة عفوية كما يمليه عليهم صدق الإيمان الجمعي والضمير الفردي فمن يضرّون بالناس عنفا وإرهابا هم من يدّعون فَهْمَ الدّين أكثر من غيرهم ويريدون تعليمه وفرضه على الآخرين بالقوّة هم من يقومون بالتوظيف السياسي للدّين ويجدون في الشباب حاضنتهم الأكبر ليس لأنّ الشباب غير متجذّر في بيئته أو ما أسماه السيد وزير التربية الهوية العربية الإسلامية بل نتيجة العزلة الاجتماعية والاقتصادية التي تتخبط داخلها الشريحة الكبرى من المجتمع ومنها الشباب والأطفال ، نتيجة الإحباط والوعود الوهمية لهذه الشرائح ، نتيجة عدم مصارحتهم وتشريكهم فعليّا في معالجة المشاكل وإيجاد الحلول ، نتيجة الاستخفاف بإمكاناتهم واعتبارهم طرفا أساسيا في المجتمع والدولة ، نتيجة الحلول المسقطة عليهم و نتيجة غياب الحوار والتواصل الميداني الفعلي ...
السيد وزير التربية فكّر بـ» حنيّة « وعاطفة وارتجال ، يمكن أن نتفهّم حسن النيّة وصدق العواطف ولكنّها تبقى دون الحلول الفعلية وقد تكون نتائجها عكسية وخطيرة .

أما بالنسبة لوزير الشؤون الدينية فهي فرصة وحلقة مهمّة من حلقات تنفيذ مشروع أسلمة الدولة والمجتمع لعلّه لم يكن يحلم بفرصة كهذه .

سيكون الخطاب الذي يسوّق له أصحاب مشروع أسلمة الدولة وردّ الاعتبار للدّين كما يزعمون والثأر من المناهج التعليمية العلمانية الحديثة بأن يجعلوا من المؤسسات التربوية مؤسسات لحفظ القرآن . وسيستبطن الشارع والرأي العام هذا الإجراء ويرتبط اسم المؤسسات باسم حفظ القرآن لا بالعلم والمعرفة والتكوّن من أجل الدولة العلمية المعاصرة

من سيتطوّعون لتحفيظ القرآن هم أنفسهم أصحاب مشروع أسلمة الدولة ولا أظنّ غيرهم سيتطوّع لذلك وماذا سننتظر من جماعة الأسلمة وهم في موقع تحدّ للمؤسسة التربوية التي اعتبروه على مرّ تاريخ تونس علمانية وعدوّة للفكر الدّيني ؟

وهل رسمت وزارة التربية من خلال لجنة وضع البرامج وبيداغوجيا التعليم روزنامة السور القرآنية والفيئات العمرية لهذا المشروع ، لا أظنّ . وبالنسبة للسيد وزير الشؤون الدّينية لا يهمّ إن كان هناك تلاميذ المهمّ الدخول للمؤسسات أوّلا ثمّ هناك عديد الطرق التي يستقطب بها التلا ميذ هي واحدة من سياسات التموقع التي تنتهجها حركات مشروع الدولة الإسلامية نهضة وأنصار وتحرير .

لهذا أقول إن إجراء كهذا قد لا نرصد خطورته الآن ولكن تداعياته عندَ من يهدفون إلى مشروع الأخونة وأسلمة الدولة والمجتمع هو مدركْ ومدركْ جيّدا بل إن هذا الإجراء هو إجراء غير دستوري لأنّ الدستور نصّ على أنّ وحدة الوطن واجب مقدّس ومن شأن هذا الإجراء أن يشكّل عامل اختلاف كبير بين مؤيّد ومعارض ويتسبب في صراع نحن في غنى عنه وفي أمسّ الحاجة إلى وحدة وطنية وجبهة وطنية داخلية فهذا الخلط لدور المؤسسات سيكون عامل تشتيت الوحدة والحال أنّ لكلّ مؤسسة دورها ما للمؤسسات التربوية من تعليم علمي معرفي لها وما للمؤسسات الدينية من ممارسة الشعائر الدينية بما في ذلك حفظ القرآن لها ، فلا درس الفلسفة والرياضيات يمكن أن يلقى في المساجد ودور العبادة ولا حفظ القرآن وممارسة الشعائر الدينية يمكن أن يكون في المؤسسات التربوية والجامعية والمخابر العلميّة .

جليلة عمامي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا