مسرحية «الكراسي» لمقداد الصالحي: السلطة لا تدوم والسياسة أفيون الشعوب

كيف يعيش المنفي عن وطنه؟ هلا وضعت نفسك مكانه للحظات؟ اي ندم سيكسن المنفي الخائن لوطنه؟ اي تعابير او كلمات يمكنها ان

تخفف من وطء ماساته التي كتبها بيديه وديكتاتوريته؟ لو وضعت نفسك مكانه هل ستشفق عليه ام سترجو له الموت ليريحه من عذابات المنفى؟اسئلة عديدة تطرحها مسرحية «الكراسي» التي قدمت في مسرح الجهات بمدينة الثقافة.
«الكراسي» مسرحية من اخراج مقداد الصالحي وتمثيل زينة المساهلي وزياد مسعودي ومقداد الصالحي ومقتبسة عن نص لاوجين يونسكو، مسرحية نقدية تقوم على الكوميديا السوداء تسخر من الواقع وتعري كل سيئاته على الركح.

مسرحية منصوح به للسياسيين
ضوء اصفر يتوسط الركح شباك مغلق وآخر نصف مفتوح يحيل الى السواد وكأنه تعبيرة عن سواد داخلي يسكن الشخصيات، عجوز بشعر احمر اشعث وفستان اسود مع لحاف رمادي اللون، الوان تحيل الى الوجيعة والألم و الدماء الوان تحفز العين والدماغ على التفكير، يتنشر الضوء تدريجيا على كامل الركح فتجدك امام كراس عديدة لونها احمر ومع تقدم الاحداث نكتشف ان للون الاحمر رمزيته فالكراسي تشير الى السلطة و التمسك بالقوة واختيار الاحمر لها لونا يرمز الى الدموية التي يستعملها الحكام عادة للبقاء على كرسي الحكم.

رجل وامرأة هي تمسح الغبار وهو يحاول ايجاد محطة اذاعية ليعرف اخبار «البلاد والعباد»، تتكلم هي بحرقة عن اصوات الرصاص التي تلازمها، يتحدث هو عن خطابه العظيم الذي لازال يحفظه، خطاب لم يجد الفرصة لإلقائه.

صوت حفيف الرياح يصم الآذان الركح شبه خال كما افكار الشخصيات معدمة ومنهكة، خشخشة المذياع مقلقة كل العوامل تحمل المشاهد الى مكان قفر يقلق المتفرج وينبئ بأحداث درامية موجعة على الركح شخصيتان هما رجل وامرأة، شيخ أكل الزهايمر بعض خلايا دماغه وسيدة أتلف الزمن جمالها فظلت تبكيه وتبحث عن بعض الجمال أمام مرآتها هما رئيس سابق والسيدة الاولى زوجته تجبرا وحكما بالظلم والديكتاتورية بعد خروج الشارع في مظاهرات ثم محاكتهما والحكم عليهما بالنفي الى جزيرة بعيدة وحيدين لا ثالث لهما غير الشعور بخزي الخيانة ووجيعة النفي.

نص المسرحية يعود الى العام 1950 لاوجين يونسكو، لكنه صالح لكل زمان يوجد فيه رئيس ديكتاتور وزوجة ظالمة، في العمل الكثير من الاسئلة الحارقة عن حال تونس ما بعد الثورة، اسئلة ربما يطرحها الرئيس المخلوع بن علي في منفاه، اسئلة عن الثورة هل حققت أهدافها؟ هل كل من خرج في مظاهرة تمتع بالتشغيل والكرامة؟ هل املاكهما التي صودرت ذهبت الى خزينة الدولة حقا؟ ولمَ لم يعاقب البقية؟ لما دفعا وحدهما فاتورة الظلم والديكتاتورية بينما الوزراء وشخصيات حزبية كانت نافذة هي اليوم تعود الى سدة السلطة وتعود لها كل صلاحياتها؟

هل وحده بن علي كان المسؤول عن كل البشاعة التي عاشتها تونس؟ هل وحدهما من خانا؟ وظلما؟ وباعا؟ ولماذا كل الجرائم اتهم بها بن علي وزوجته؟ اسئلة يطرحها العمل مرة بصيغة مباشرة ومرات بالايحاء و التشبيه واستعمال كل الوسائل المسرحية التي تدعو الى الترميز والتشفير وتدعو المتفرج إلى ربط الشيفرة بالحدث وحلها.

«الكراسي» عمل ثنائي ممتع وجريء اساسه السخرية الموجعة التي تعري وضع تونس ما بعد الثورة وتكشف ان رحيل بن علي لم يغير الكثير ولم تصبح البلاد ربيعا وإنما لازال خريفها متواصلا فلازال العاطلون عن العمل ينشدون التشغيل ولازالت البطالة متفاقمة ولازال الوضع الاقتصادي يرهق العائلة التونسية ولازال الامل مفقودا عند الكثيرين كما يقول نص المسرحية.

«الكراسي» مسرحية نقدية منصوح بها للسياسيين علهم يتعظون من اخطاء اسلافهم و يغيرون ولو القليل من سياساتهم ويعترفون بقدرة الشعب على الاطاحة باعتى الانظمة.

المسرح فعل نقدي
المسرح فعل نقدي ودعوة متجددة للثورات، على الركح عادة ما تكتب احلام الشعوب ويدعو الممثل لتحقيقها و كسب الرهان الاكبر للديمقراطية، المسرح فعل نقدي وحركة دؤوبة للمطالبة بحقوق الانسان وفي مسرحية الكراسي يكون الطلب الاساسي مراجعة اخطائنا والاعتبار منها قبل تكرارها، عمل يدعو الى الوقوف امام الذات ومساءلتها عن كل حماقاتها قبل ان يعاقبها الآخرون.

في المسرحية يكون الاعتماد الاول على تعابير الوجه وحركات الممثلين، فلا وجود لمسرح دون ممثل كذلك لا يمكن تصور مسرحية «الكراسي» دون زينة مساهلي ومقداد الصالحي فحركات الوجه و التعابير المرسومة على المحيا مع الحركة وطريقة النطق حسب الموقف من مقومات قوة العمل وتفرده.
فزينة المساهلي ممثلة ابدعت في تجسيد الشخصية، كل حركاتها على الركح وتعابيرها خدمت النص إلى حدّ نسيانك للكلام اثناء التركيز على عبرات العين وطريقة تحريك الحاجبين وحركات اليد الانفعالية.

في «الكراسي» للسينوغرافيا دورها في بناء الحبكة الدرامية للعمل فمع لعبة الضوء و الالوان الموجودة في الديكور او الملابس و تقطعات الموسيقى يمكن فهم القصة ومتابعة كل تفاصيلها، بالضوء بمختلف تدرجاته نعايش مأساة النفي ونعايش ما كان يدور في القصر الرئاسي ومنازل المقربين وكيف تعقد الصفقات، ومع الموسيقى يتابع المشاهد خيط صعود سدة الحكم ثم الوصول تدريجيا الى اعلى مراتب الديكتاتورية قبل السقوط من جديد بعد هبة الشعب وخروجه في المظاهرات، فبالسينوغرافيا كتب المخرج تفاصيل العمل ليكون بسيطا قريبا الى المشاهد يتحدث بلهجته مع بعض العبارات بالفصحى ويخاطب قلبه ودماغه ويدعوه إلى مواصلة التمسك بحقه في الحلم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية