مسرحية «الرجة» ضمن عروض السجن: «كل شيء يتباع الضمير والإنسانية لكن التاريخ لن يباع»

من القاتل؟ من الجاني؟ من المسؤول عن التهميش والظلم والفقر ومن المسؤول عن ارتفاع الأسعار وانتشار تجارة الأعضاء؟

من يدفعنا إلى الظلم ونكران حقّ الوطن علينا؟ من يزرع فينا كرهنا لاوطاننا ويملؤنا حقدا وبؤسا؟ من يجبر شبابنا على الذهاب الى داعش وحمل السلاح على امنيي الوطن؟ من يريد منّا أن نرمي بأنفسنا عرض البحر؟ أليست السياسة؟ أليسوا المسؤولين هم من صنعوا حولنا حلقة من الحديد وخنقوا الحلم فينا؟ هكذا يطرح السؤال في مسرحية «الرجة» للمخرج لسعد حمدة.
«الرجة» مسرحية من انجاز نادي المسرح بسجن قفصة وهي تجربة تاتي في اطار الشراكة بين مؤسسة السجون و الإصلاح والمندوبية الجهوية بقفصة، وقبل العرض زينت واجهة دار الثقافة ابن خلدون بصور فوتوغرافية من اعداد السجناء في ناد للتصوير الفوتوغرافي اشرف عليه المصور ايمن الزوالي.

من يصنع الخائن؟ ومن يصنع بائع الوطن؟
موسيقى قوية كدقات قلب مريض يحتضر، ضوء احمر كأنه عنوان للموت والدّم، اضطرابات الشخصيات وحركاتهم المتكررة على الركح كأنها تجسيد للغليان الذي تعيشه تونس.
أحداث العمل تدور في فضاء مطلق لاقيود له، هو الوطن بكل جزئياته، زينة الرّكح بسيطة، براميل مطلية بالأبيض و الأسود، وللونين رمزيتيهما ،فالاوّل رمز النقاء والسلام و الهدوء والعلم والثاني لون الاختناق و الموت والخيانة وبين الأبيض والاسود نعيش صراعنا اليومي، صراع الحق و الباطل، صراع الخير والشر، صراع المادة و المبادئ.
تدخل أربع شخصيات، تشترك في لباس برتقالي، ذاك اللباس الذي يرتديه من سيعدمون عادة، على رؤوسهم يضعون قماشا اسود، للرمزية الى الصمت و الموت مع موسيقى قوية كانها لحظات الإعدام او هي الشهقة الاخيرة.

هم أربعة، طبيب خان القسم وباع ذمّته مقابل حفنة من الدنانير حوّل عيادته الى فضاء لتجارة الأعضاء والعمليات الغير القانونية، هو ملاك للرحمة باتت هوايته قبض الأرواح لأجل المزيد من الربح « كل شيء ليه سوم في ها البلاد، مادام ثمة شكون مستعد يدفع، ثمة شكون يبيع».
الثاني محام خان القسم والوطن، تونسي عاش الخصاصة وحفظ جيدا كلمة «العلم نور» درس وتخصّص في القانون وحفظ كلّ الثغرات منذ التخرج قرر ان يجمع الأموال واختار طريق المال لا المبدإ ، خان وزوّر وباع وتاجر بأثار الوطن، يقبض عليه متلبسا أثناء تسلم حقّه «ليس مالا وانما قطعة اثرية».

الثالث «البرنس»، يقول عن نفسه «جاهل ماقريتش باش نجيب العشا» ينتمي الى الطبقة الفقيرة، لم يدرس وله دماغ جد ذكية يعمل في كلّ الممنوعات والمحرمات «المهم نجيب الفلوس» يقبض عليه متلبسا في احدى عمليات بيع الأعضاء « كل شيء يباع، الضمير والحرية وحتى الإنسانية».

اما الشخصية الرابعة فالأكثر ايلاما ووجيعة لأنها الأقرب الى ملايين التونسيين، تونسي، ابن فلاح من قرية ما في هذا الوطن، درس سنوات طوال «باش نشري بلوزة زرقاء لبابا» تحصّل على شهادة الدكتوراه، فرح كثيرا لكن الفرحة لم تطل فأين التشغيل ومن سيوظّف ابن فلاح منسي، وبعد اثني عشر عاما من البطالة قرر التخلي عن المبادئ والدخول الى عالم «الميكماك» و «باع الشهادة واشرى كميونة.

اربعتهم يعكسون نماذج من المواطن التونسي، شخوص نعيشها ونعايشها يوميا، جميعهم ظالم وكلّهم مظلوم، اربعتهم خان الوطن، واربعتهم خانه الوطن، نص جد جريء وموجع كتبه سجين، نصّ يتساءل معه الممثلون على الركح، من الخائن؟ نحن ام السياسي الذي زرع فينا الخوف وحكمنا بالظلم والتمييز؟ من الذي باع الوطن؟ نحن ام رأس المال الذي سرق خيرات البلاد وباعها الى الأجنبي بثمن بخس؟ من القاتل؟ من قتل روحه؟ ام «السيستام» الذي قتل فينا الاحلام واجبر التونسي على بيع شهادته وكرامته ليؤمن قوت يومه؟ من الجاني نحن المستضعفون ام الدولة التي تحاول قتل أبنائها يوميا بقرارات ظالمة؟.
أسئلة حارقة وجهت من الممثلين لنقد السياسة والدولة والظلم، أسئلة جسدوها بألوانهم البرتقالية وسينوغرافيا مزجت اللون الأحمر و الأصفر مع مسحة من السواد والحزن وسواد حول العينين لتجسيد حكايا تسكننا ومشاعر تؤرقنا ابدع مساجين قفصة في تجسيدها.

الخضراء تونس عصية عن الخيانة
ابدع السجناء في تقديم عملهم، نص موجع وحركات متقنة وسينوغرافيا تخاطب المشاعر والفكر معا، الديكور من صنعهم كذلك كلّ تفاصيل العمل، هم يفتقدون الى الحرية ومن تلك الوجيعة قدموا عملا مسرحيا موجعا وساحرا، عمل يكشف مواطن الداء والسوء فينا، ينقد الواقع والعلاقة بين المواطن والسياسي ويكشف مدى الحبّ لتونس وللخضراء.
تتواصل الحكاية، تتواصل الأسئلة الحارقة والموجعة، ومعها نقد لاذع للجميع، ينقدون الخيانات و سياسة البيع والشراء، لكنهم يخلصون الى انّه يمكن بيع كل شيء ما عدا التاريخ والوطن.

«الرجة» عمل يرجّ الحضور ويرج الذات والروح والفكر، سؤال عن الخضراء التي تزوجت «الغول» فسد عليها وأبعد عنها أولادها «الفحولة» و بناتها «نساها رجال» ، الغول الذي ازعجه حنان الخضراء فعاقبها وابعد عنها أبناءها، تلك حقيقة تونس التي يتقاسمها أبناؤها و «بقات خضراء بين الغول وأولادها»، لكن «ثلثين من الخال حاصل» كما يقول المثل التونسي، لذلك «زعمة يتحرك حليب خضراء في المفاصل» كما يتساءل الممثلين ليجيبوا على السؤال «الخضراء نفديها بدمي» وتلك رسالة العمل فرغم بؤس السياسة وقبح رأس المال وجبروت التهميش و النسيان تظلّ الخضراء صامدة ويضلّ أبناؤها متمسكين بالأمل، فالوطن وان قسا تظلّ شرارة النور فينا تدفعنا لحمايته.
«الرجة» مسرحية من تقديم سجناء قفصة، هي رجة مسرحية وسينوغرافية تماهت فيها حركات الممثلين مع سينوغرافيا العرض والموسيقى جميع تفاصيل العمل حيكت بدقّة لتمتع جمهور قاعة ابن خلدون وسط دموع الممثلين وهم يضعون يمناهم على صدورهم ويهتفون «الخضراء نفديك بدمي».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499