في ندوة علمية دولية: «جدل السنن والبدع» بين شعريّة التجاوز وقصديّة الانتهاك

«إنّ ثنائيّة السنة والبدعة، التّي تعدّدت أسماؤها، وتلوّنت وجوهها، كانت خيطا ناظما على مرَ التاريخ ولا تزال، ضروب

من الجدل بين عقائد وأطياف وأديان وفِكَر وثقافات وفنون وقيم وسلوكات...» ضمن هذا التصوّر تندرج الندوة العلمية الدولية « جدل السنن والبدع» التي انطلقت أمس 5 ديسمبر لتتواصل إلى اليوم 6 ديسمبر 2018 بالمعهد العالي للغات بنابل الذي ينظم هذه الندوة بالاشتراك مع مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، وجمعية الدراسات الفكريّة والاجتماعيّة بتونس.

وقد جاء في الورقة العلمية للندوة ما يلي: « كون الاختلاف والتعدّد حقيقة على سبيل العيان، أمر كذّبه غالبا واقع الحال وماضيه. فانظر، شرقا وغربا، قديما وحديثا، ترَ أنّ القسم الأكبر من المجتمعات والمصنّفين والمؤرّخين والنقّاد والقائمين على المؤسّسات لم يطمئنّوا أبدا أو كبير اطمئنان إلى كلّ ما خالف السائد وجانب المألوف. فإن فعلوا، كان ذلك منهم في غالب الأحيان من باب الضرورة لا الاختيار أو كان على سبيل الفضل والمنّة لا القبول بالآخر وفكره. ومثل هذا، هو ممّا يُعري عنه استقراؤنا بعضا من تاريخ الأفكار وتشكّل المؤسّسات الدينيّة والتيّارات النقدّية والمدارس الفنيّة...
يمكن اعتبار ثنائيّة «السنن والبدع» من المفاتيح الضرورية لقراءة مختلف الإنتاجات الثقافيّة البشريّة، والخوض في وجوهها ومرجعيّاتها، وما ترتّب عنها من جهتين: جهة تبجّل ما راج فقرَ واستقر، بل اعتلى شأنُه مرّات مرتبة التقديس استصغارا لما عداه وشيطنة له وتكفيرا. وكل ذلك انتصارا «للسنة» أو الأنموذج السائد المقنّن، وحفظا للانسجام، وتكريسا للتماهي، وحفاظا على المصالح ومواقع القرار والتقنين. وجهة تؤمن بحقّ «البدعة» في أن تكون لزاما أو خيارا، وذلك كشفا لوجوه أخرى يستبطنها ما عُدً حقائق أو إثباتا للذات وللأقليّة ولحقّيهما في الاختلاف أو خروجا عن القواعد وتمرّدا على كل فكر أرثوذوكسي/ صراطي.

ووجوه الاتصال والانفصال بين السنّة والبدعة
ولئن ارتبطت ثنائيّة سنة – بدعة بالمحضن الديني، فإنّ لها في المجالات الأخرى موقعا وأيّ موقع، ذلك أنّ الأرثوذكسيّة بحكم ارتباطها بالضبط والتقنين وادّعاء الصواب تنسحب على كلّ ما فيه احتكار لرؤية أو موقف ينصّبهما صاحبهما مقياسا للتعيير والتقييم والحكم، وبالتالي لتقريب الآخر أو إقصائه.
ومن هذا المنطلق لا تقتصر مقولة السنّة والبدعة على الإطار الديني ونردفها بثنائيّات هي من قبيل التنويعات لها مثل: السائد والخارق له، والثابت والمتحوّل، والمقنّن والعفوي، والتقليد والتجديد، والاتّباع والإبداع... وغير ذلك من ثنائيّات تتّسع لمعان مهمّة من قبيل المنوال والعمدة والمعيار والنحو والنظام، يقابلها العدول والخرق والإنجاز والاستعمال والاختلاف والتفرّد واللاانتظام... رحابة هي في المواقع والتصوّرات وزوايا النظر ردّت بعض السنّة عن نهجه، وخرجت ببعض البدع عمّا وُصم به من هرطقات ونشاز وضعف وشذوذ. فإذا البدعة إبداع من لون خاص هو أدخل في باب الرفض للسالف وللأرثوذكسيّات، ولكلّ منوال مسطّر مقنّن منمذج مضبوط. وفي تراث المجتمعات قديما وحديثا، بدع/إبداعات صداها في البلاغة والنقد والفلسفة واللغة والأدب والفنّ والحضارة.

وتبحث ندوة «جدل السنن والبدع» في المحاور التالية: الأدوات المفهوميّة والمقاربات التي نقرأ في ضوئها السنّة والبدعة وما ارتبط بهما من تمثّلات، والسجال بين السنّة والبدعة في ضوء التحوّلات المعرفيّة والحضاريّة والتاريخيّة العربيّة والغربيّة، ووجوه الاتصال والانفصال بين السنّة والبدعة في مجال الإنتاجات البشريّة والخطابات اللغويّة والصورة والقيم والسلوكات، والبدعة بين شعريّة التجاوز وقصديّة الانتهاك والخرق، وخطابات السنن والبدع وتوابعها ضمن ثنائيّة الانسجام والاجتماع في مقابل الانقسام والفتنة.
وتهدي هذه الندوة العلمية ورود التكريم ووسام التقدير إلى الدكتور حمّادي صمّود أحد أعلام الجامعة التونسيّة الذي تعلّمت منه الأجيال على مقاعد الدرس، وعبر صفحات كتبه الوقوف على وجوه الحقّ في الاختلاف، وتقليب الأمور «وجها وقفا»، و»طريقا إلى الحرية».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499