في العرض الأوّل لمشهدية «الهنك» لحافظ زليط: رموز فنيّة عن الشخصية التونسية بين تجلّيات الجسد والمظهر

يقدّم مساء اليوم السبت 30 ديسمبر الجاري بفضاء الريو بالعاصمة العرض الاول لمشهدية «الهنك»وهي عمل كوريغرافي كبير من انتاج شركة الحافظ لإنتاج الفنون الدراميّة و التنشيط وفي اخراج وكوريغرافيا لحافظ الزليط وفي تصميم للرقصات الشعبية من طرف خيرة عبيد الله وكوريغرافيا الراقصة

المقيمة بباريس سعديّة الصوايحي أما تصميم الملابس فهو بامضاء زينة شعبان وفي تصميم الماكياج محمـد التومي وبالنسبة الى السينوغرافيا والاضاءة فكانت بامضاء طه حراث.

قام بتمثيل هذه المشهدية كل من الممثّلة وأستاذة المسرح جليلة بن يحي الى جانب آداء الأدوار والرقصات من قبل مريم قلوز،ناجية التريكي، سلمى لجنف، فايزة القاسمي، سرور سوير،حسنة الجويني، راوية مرزوق، سلمى بوحجبة، صفاء بوغانمي، نجوى ميلاد، محـمد المالكي، مليك السديري، هيثم بوغانمي، نصر الدين العبيدي، محـمد علي منصور، محـمد الجلاصي، مروان الكعبي، محـمد علي عون وبـلال الدقي وقام بالعزف الموسيقي كل من أكرم الغضاب، محمود الحبيب، وائل الخضراوي، رضا الترخاني، الناصر المرساوي، محـمد كمال البجاوي، جمال الطرودي، محمـد الهنتاش، علي السياري، بلقاسم قمعون وبلقاسم بلقايد.

حين تختزل الشخصية التونسية في رقصة
وعرض «الهنك» هو اختزال فني راق لجملة من الرموز الدالة على الشخصية التونسية من حيث تجليات الجسد والمظهر وهو امتداد الماضي في الحاضر الذي يفتح على المستقبل دون قطيعة هو كذلك وقفة على فن اللغبابي وزينة وعزيزة والكافيشانطة وهم رجال و نساء عاشوا وأسسوا مهنة كانت ولا تزال تبعث في نفوس الناس ترقيصا واهتزازا حتى بلوغ الوجد.

وتنطلق هذه المشهدية من الخطوات التونسية للرقص الشعبي كبداية تأسيس كتابة كوريغرافية متقدمة لمحاورة الآخر في حركات اعتدنا أن نراها في إطار ومع لباس محدّد من المخزون الثقافي للفلكلور التونسي لتأخذنا هذه الحركات إلى عالم من الإيحاءات والحوارات الجسدية كلغة للرقص المعاصر تتخللها حوارات مع الإيقاعات الحيّة على خشبة المسرح وبذلك يؤمّن عرض «الهنك» التواصل بين الرقص والموسيقى والفيديو لتتلاقى جميعها وليكمّل أحدها الآخر ولتصل إلى مرتبة التكامل الرائع.
هم ثلاثة وأربعون حاضرا في العرض جميعهم في وضع الوقوف من بداية الاحتفال إلى آخره بما فيهم 21 راقصا، 11 عازفا و 10 تقنيين لصياغة المشاهد البصرية و اقامة الاحتفال من عزف ورقص وتأمين صورة بصرية على الشاشة الخلفيّة تخطيط لأشكال و أجساد في لباس تونسي يوحي بحرارة الألوان و رقة في الحياكة ليكون هذا العرض حوارا أزليا بين الخطوات للرقص الشعبي و الموازين التونسية لتكون منطلقا لكتابة حديثة تستعمل فيها أدوات وقواعد الرقص الحديث كلغة لخلق مساحات حديثة تخرج من الإطار الفلكلوري إلى حداثة الحركة المعبرة والصادقة.

الجسد عنوان تأريخ ووعاء الحضارة
في هذا العرض تكون الأســـطورة اطارا و هي أسطورة مستحدثة للآلهة تآنيت كرمز للأمومة و الخصب و النماء و ازدهار الحياة لتصبح الاسطورة بذلك مصدرا للتقوى والمحبة بين القرطاجنيين و كأننا في حضرة طقوس تعبدية لولادة حدث درامي يطغى عليه الاهتمام و الخشوع وفيه اجتماع للذكر و المديح في حلقة مرتبة صفوفا تفتح و تختم بترقيص و اهتزاز حتى بلوغ الوجد لتكون مدخلا تستهل به الخرافة ولولوج العرض الرئيسي على إيقاع جوقة موسيقية فيها قرع على الجلد و اللوح حتى القدح ثم سكون.
فالتعامل مع الأسطورة في هذا العمل كان مهما وعميقا للتعبير على مستوى المعاني و الجماليات ضمن عمل متكامل تعامل مع الرقص التونسي في تلمّس لأبعاده الفلسفية والقيميّة في مستوى المعاني والجماليات. فبأيّ لغة سنتحدث و بأيّ صورة يخلق مخرج العمل لعبة بصريّة و شعريّة مكثّفة يختلط فيها المنطوق الحركي بالمسموع والمرئي في تعبير عن عالم رّمزي للحركة.

وعموما فان العمل المشار إليه هو مشهديّة كوريغرافية راقصة تسعى الى أن تكون فرجة حيّة و مباشرة تعتمد لغة الإيقاعات البدوية و التعابير الطقسيّة الراقصة عبر فرجة أصيلة في مفرداتها وهي أقرب للعروض الإغريقية لما تتسم به من حميميّة و تشاركيّة مع المتقبّل بأسلوب معاصر يعتمد كل مؤثرات الفرجة، فالرقص والموسيقى و الشعر والصورة كمحامل أساسية للعرض.

ولأن للجوقة دورا أساسيّا في التراجيديا القديمة أعتمدت كعنصر أساسي من عناصر بناء العرض وفي تأكيد لدور الجوقة في هذا المشروع لقيمتها الفرجوية في تكثيف الحالات التعبيرية في مستوى الرّقص و في مستوى الموسيقى فالجوقة الراقصة في هذا العمل تشمل بعض الممثلين بهدف إضفاء جوّ من الاحتفالية على العرض للتعبير على بعض الأحداث الأساسية كمشهد بوسعدية عند بداية العرض أو مشهد الفروسية مع بلوغ العرض إلى رقصة الفرسان كما يمكن أن تختزل الجوقة بعض المعاني والأحداث عند العبور من الواقعي إلى السّحري و الغرائبي كمشهد رقصة المعبد وتحوّله إلى معالم التصوف باعتبار حاجة كامل العرض وبصفة دائمة إلى الحركة و الإشارة وأما على مستوى مرجعيات الرقصات فإنها اعتمدت على القاموس المحلي لبعض الرّقصات التقليدية المحلية والصوفي من جهة و أيضا الرقص المعاصر من جهة أخرى.

وأما الجوقة الموسيقية والمجسّمة من خلال عبيد غبنتن و طبال قرقنة فهي مجموعة موسيقية أساسية في العرض تجمع بالأساس الآلات الإيقاعية ولأن العمل يتطلّب حضورا حيا و مباشرا للجوقة فان هذه الاخيرة انقسمت إلى نمطين مختلفتين وهما «عبيد غبنتن»و هي مجموعة موسيقية من زنوج الجنوب اشتهرت بنمطها الغنائي و الموسيقي من ذوي البشرة السمراء وهم يوقعون العرض من البداية و» طبال قرقنة «باعتبار أن الطبل والزّكرة هما رمز للبهجة و الفرح عند أهل البادية والأرياف في جميع أنحاء البلاد، فالزّامر بالزكرة وأقرانه الـ6 بالطبول يتبخترون خلال العرض وكأنّهم في موكب قدسي يشتركون في حركة جماعيّة مع الرّاقصين يوقعون بها العرض إلى نهايته و يؤثثون مناخاته الاحتفالية المختلفة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا