«خلي السلاحف تعيش»

بينما يهجر الآلاف مواطنهم برا وبحرا وجوا و«حرقة»، تواصل السلاحف البحرية رحلاتها الفطرية الروتينية في سبيل التكاثر والتعشيش والبقاء.

حاولت في الأيام الأخيرة بالبحث عن معطيات متصلة بالملك العمومي البحري، تبينت بالخصوص تشتتها وتفرقها بين القبائل، كما حاولت تتبع بعض من ملامح جهد مؤسساتنا البحثية والمراكز الإقليمية في رصد وتتبع وإنتاج المعلومات عن حال السلاحف ومواقع وجودها وتعشيشها على امتداد الشريط الساحلي.
لم تكن المهمة يسيرة ولكن تأكد مع الجهد الجبار للمركز الإقليمي للمناطق المتعة بحماية خاصة الموجود مقره ببلادنا، وجود خبراء وناشطين وجمعيات تجتهد في المجال غير أن تنسيق العمل وتوحيد النتائج وتيسير النفاذ لها مازال محتشما,
مؤشر بيئي
للسلاحف البحرية دور في البيئة، فصحة وحجم السلحفاة تكونان بمثابة مؤشر مفيد لحالة الأراضي الرطبة، التي تقع في الموائل البحرية والساحلية، كما يمكننا تعلم الكثير عن حالة البيئة على كوكب الأرض من خلال النظر إلى السلاحف البحرية.
وجدت السلاحف منذ أكثر من 100 مليون سنة، وتتواجد في المحيطات، إلا أننا نجدها تصارع من أجل البقاء على قيد الحياة نتيجة أفعال البشر، لكن ماذا يعني هذا بالنسبة للجنس البشري؟.
هناك احتمالية أن العالم الذي لا تستطيع السلاحف البحرية أن تعيش فيه لا يستطيع الإنسان أن يحيا فيه أيضًا إلا بصراع، فعلينا أن نتعلم من أخطائنا والبدء في تغيير سلوكنا، ولا يزال هناك وقت لإنقاذ السلاحف البحرية من الانقراض، فحماية أكثر الكائنات غموضًا وأعرقها على وجه الأرض قد يكون ملاذًا لإنقاذ حياة الإنسان.
التأثيرات الإيكولوجية لانقراض السلاحف البحرية
السلاحف البحرية وخاصة «الخضراء»، تعتبر إحدى الحيوانات الآكلة للأعشاب البحرية، وتحتاج الأعشاب البحرية إلى المساواة والتقليم باستمرار لتكون صحية لهم.
السلاحف البحرية والدلافين بمثابة راعٍ طبيعي لقطع ومساواة الأعشاب البحرية، وتوفر الأعشاب البحرية بيئة خصبة لتكاثر وتنمية العديد من أنواع الأسماك والمحار والقشريات، فمن دون الأعشاب البحرية، قد يختفي العديد من الأنواع البحرية التي تفيد البشر، وما يؤثر حتمًا في انخفاض مستويات السلسلة الغذائية.
باختفاء السلاحف البحرية يحدث تراجعًا خطيرًا في جميع الأنواع الأخرى، التي تعتمد على الأعشاب من أجل البقاء .
تستخدم السلاحف البحرية الكثبان الرملية للعيش ووضع البيض، وتضع نحو 100 بيضة في العش، كما تضع بين 3 و7 أعشاش خلال موسم «التعشيش الصيفي»، على سبيل المثال:
على امتداد 20 ميلًا من الشاطئ في فلوريدا على الساحل الشرقي هناك أكثر من 150.000 رطل من البيض في الرمال.
لا يفقس البيض كله، وقد لا تجد السلاحف طريقها أصلًا خارج البيض، تلك مصادر جيدة للغاية من المواد المغذية للنباتات في الكثبان الرملية، وحتى قشر البيض يشكل مصدر تغذية.
«الغطاء النباتي» في الكثبان الرملية ينمو مع وجود المغذيات من بيض السلاحف، كما أن الغطاء النباتي والكثبان إذا صحة ونمت صح النظام البيئي بأكمله.
النباتات والجذور تساعد على إبقاء وتكوين الكثبان الرملية ما يسهم في حماية الشاطئ من التآكل، وإذا انخفض معدل السلاحف انخفض عدد بيض السلاحف على الشواطئ، وقلت المغذيات للغطاء النباتي، وإذا انقرضت السلاحف البحرية، فإن كثبان النباتات تفقد مصدرًا رئيسيًا من العناصر الغذائية، وسيؤثر ذلك على نموها بالتالي ولن يكون هناك ما يكفي من غطاء نباتي يكفي للحفاظ على الكثبان الرملية، ما يؤدي إلى التعرية .
برنامج رصد السلاحف البحرية
يعتبر برنامج رصد السلاحف البحرية في كل من البحر الأحمر والبحر المتوسط من أنجح برامج الرصد، حيث يتوفر فريق متخصص يعمل في هذا المجال منذ أكثر من 5 سنوات «من أبريل إلى أغسطس كل عام»، وتم التعرف على 4 أنواع من السلاحف البحرية وهي:
السلحفاة الخضراء صقرية المنقارالنعامة للعيسوة
وتعتبر أكثر السلاحف شيوعًا في المياه المصرية هي «السلحفاة الخضراء» و»صقرية المنقار»، نظرًا لترددها على الشواطئ في أثناء فترة وضع البيض.
ويقوم فريق العمل بالتعرف على الأنواع والحصول على المعلومات من قِبل الغاطسين عن طريق الاستبيان المستمر، وأخذ القياسات المورفولوجية والعددية «الطول، الوزن، طول وعرض الدرقة»، وتواجد الحشائش والتعرف على الأعشاش القديمة والحديثة، ومسار السلاحف على الشاطئ من حيث بعده عن الشاطئ الطول والعرض والإحداثيات «أماكن التواجد على الشاطئ والجزر الساحلية والبعيدة»، ومساحة تواجدها وفحص أعشاشها وأخذ القياسات الخاصة بالبيض من حيث الطول والعرض والوزن، ونسبة فقس البيض، وقت ظهور صغار السلاحف وبعض القياسات الخاصة بها سواء من حيث الوزن والطول والعرض .
لقد رصدت أكثر من 15 منطقة لإيواء السلاحف البحرية على ساحل البحر الأحمر والجزر، مثل «جزر الزبرجد، الجفتون الصغير والكبير، السيال، وادي الجمال، ساحل أبوغصون، القلعان، حنكورات، شرم اللولي، رأس بعدادي، شرم الفكير، ووادي الجدار وفيكاري»، كما تم رصد وأخذ قياسات أكثر من 100 سلحفاة وترقيم 74 سلحفة خضراء، خلال الأعوام الثلاث الماضية
هواجس ومخاوف
:وبالعودة لتونس حيث لم تتوقف الهواجس والمخاوف على مستقبل السلاحف بالرجوع لنص مميز عن حال لاسلاحق ووجهات نظر المتدخلين والخبراء حيث دونت قبل عام مريم بصحيفة العربي الجديد..
منذ أكثر من ستّ سنوات، يحاول خبراء البيئة ومنظّمات المجتمع المدني الناشطة في مجال حماية البيئة والمحيطات، إنقاذ السلاحف البحرية التي باتت مهدّدة بالانقراض، نتيجة تلوث المحيطات ورمي المواد البلاستيكية، بالإضافة إلى الصيد العشوائي. وتفشّت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة بيع السلاحف البحرية في الأسواق، على الرغم من منع صيدها باعتبارها ثروة بحرية مُصنّفة دولياً من الأنواع المهددة بالانقراض.

في تونس، ينصّ الفصل الثالث من الباب الرابع حول حماية الأصناف المائية من القانون عدد 13 لسنة 1994، والمتعلّق بممارسة الصيد البحري، على أنّه «يتعيّن إرجاع الأصناف المائية المحجر صيدها إلى الماء فوراً أو قبل التحاق المركب بالميناء عند تعذر ذلك» فيما ينصّ الفصل 14 من القانون نفسه على أنّه «يمنع نقل الأصناف المائية المحجر صيدها وكذلك بيعها أو خزنها أو تحويلها».

وتعتبر جزيرتا قوريا الكبرى والصغرى الواقعتان على بعد 16 كم قبالة سواحل محافظة المنستير شرق تونس من المناطق الأبرز لناحية وجود أعداد كبيرة من هذه السلاحف، لا سيما ضخمة الرأس المعروفة باسم «كاريتا كاريتا» وهو ما جعل الجزيرتين محمية طبيعية للسلاحف والطيور، مع الإشارة إلى أنّ موقعهما مهم لتفقيس بيض السلاحف المهاجرة. ويعمل العديد من الشباب المتطوعين على حماية بيض السلاحف وصغارها قبل إطلاقها في البحر، في وقت تشهد العديد من الشواطئ التونسية توافد أعداد قليلة من تلك السلاحف، أو إيجادها نافقة على الشواطئ بسبب اختناقها بالبلاستيك.

ويقول عبد الرحمن السويسي، وهو متخصّص في علوم الحياة، إنّ السلاحف البحرية تُعتبر من الأصناف السمكية المهاجرة، وتعيش في معظم البحار والمحيطات. ومنذ أكثر من عشر سنوات، باتت جزيرتا قوريا تستقبلان أعداداً كبيرة منها، الأمر الذي دفع باحثين إلى وضع برنامج متابعة عملية التفقيس على شواطئ الجزيرتين، بإشراف من المعهد الوطني للعلوم البحرية والتكنولوجيا (INSTM) بالإضافة إلى وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي ومنظمات المجتمع المدني على غرار جمعية «أزرقنا الكبير» في محافظة المنستير.

يضيف أنّ «السلاحف باتت مهددّة بسبب التغيّرات المناخية التي أثرت على هجرتها الطبيعية، بالإضافة إلى التلوث وإتلاف أعشاشها على الشواطئ، والصيد العشوائي في العديد من المناطق الساحلية على الرغم من تجريم صيدها. من هنا، يعمل العديد من المتطوعين منذ سنوات على حماية بعض أعشاش السلاحف البحرية والقيام بحملات توعية في العديد من الشواطئ للمصطافين وللسياح لحماية البيض قبل التفقيس.

ناشط بجمعية أزرقنا الكبير يؤكد»غالبية المتطوعين بالجمعية يراقبون بصفة مستمرة أعشاش السلاحف لحمايتها من الإتلاف وعبث المصطافين. وبعد تفقيس البيض، ينقلون السلاحف في أوعية بلاستيكية بحذر ويطلقونها في البحر على بعد بضعة أمتار من الشواطئ حتى لا تعود إلى الشواطئ». يضيف أنّ «الجمعية تعمل بالأساس على حماية الثورة البحرية بالشراكة مع منظمات ناشطة في المجال البيئي، بالإضافة إلى الشراكة مع مؤسسات حكومية على غرار وكالة حماية الشريط الساحلي».

وبحسب الناشط في الجمعية، هناك ثلاثة أنواع من السلاحف البحرية في تونس، من بينها السلحفاة ضخمة الرأس «كاريتا كاريتا» والسلحفاة الخضراء. يضيف أنّ الجمعية تنفذ أيضاً عدّة حملات للتوعية بوجود أعشاش بيض السلاحف تحت الرمال، وكيفية الحذر من إتلافها أو دهسها من دون العلم بوجودها، لا سيما خلال فصل الصيف، خصوصاً أنّها باتت نادرة الوجود في كلّ أنحاء العالم». على صعيد آخر، يشير إلى أنّ بعض الشواطئ في تونس كانت من أهم الشواطئ التي تُهاجر إليها السلاحف على غرار خليج قابس، خصوصاً خلال فصل الشتاء لاعتباره من بين الشواطئ الدافئة التي قد تلجأ إليها السلاحف. إلّا أنّ تلوث الشاطئ بأطنان من جبس الفوسفات (مادة صناعية كيميائية) أدّى إلى نفوق العديد من الثروة السمكية، بما فيها السلحفاة البحرية. وهو ما يتم تسجيله سنوياً، لا سيما في فصل الشتاء. وعثر خلال العام الماضي على أعداد كبيرة من السلاحف النافقة في خليج قابس وشاطئ جزيرة جربة. يضيف أنّ «الجمعية تقوم أيضاً بمعاينة السلاحف النافقة لمعرفة أسباب وفاتها، ليتبين أنّ السبب الرئيسي هو التلوث ووجود معدّات صيد في أعماق البحر تعلق فيها السلاحف، بالإضافة إلى البلاستيك الذي يؤدي إلى اختناقها».

ولم تقتصر الاعتداءات على إتلاف أعشاش السلاحف على الشواطئ؛ فالصيد العرضي (يستخدم هذا المصطلح مع السمك والمخلوقات البحرية التي يجرى صيدها من دون قصد أثناء محاولة اصطياد أنواع أخرى من السمك) أدى في أحيان كثيرة إلى صيد بعض أنواع تلك السلاحف وبيعها من قبل الصيادين أو بيع لحومها. ونددت العديد من المنظمات البيئية بغياب الرقابة المستمرة على مراكب الصيد التي تعود إلى الموانئ محملة ببعض أنواع الأسماك النادرة أو تلك التي يُمنع صيدها في أوقات التفقيس والتكاثر.

وتدخلت العديد من البلديات في المناطق الساحلية لإيجاد حلول خصوصاً للصيد العشوائي للسلاحف، على غرار المجلس البلدي لمدينة المنستير الذي صادق عام 2020، على قرار يقضي بفرض عقوبة إدارية على كلّ من يخالف منع صيد السلحفاة البحرية والاتجار بها. وأكد القرار على أنّه «يعاقب بغرامة مالية قدرها ألف دينار (300 دولار) كلّ من قام بإمساك أو بيع أو نقل للسلحفاة البحرية داخل المناطق التابعة لبلدية المنستير».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا