تغير المناخ وحرائق.. كوكب

تسارعت وتيرة الحرائق المتواترة في شتى أنحاء اووربا وبقاع أخرى من بينها تونس، وحسب ما يؤكد ذلك خبراء بعض من تداعيات تغير المناخ مظهراته الصارخة والمدمرة.

اكتشف علماء جامعة كولورادو الأمريكية، أن زيادة حرائق الغابات ناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة ليلا.
وتشير مجلة EurekAlert، إلى أنه اتضح لعلماء جامعة كولورادو، أن تكرر الليالي الحارة والجافة بسبب التغيرات المناخية، أدى إلى ازدياد عدد حرائق الغابات في الليل.
وحلل الباحثون البيانات التي حصلوا عليها من الأقمار الصناعية عن 81 ألف حريق، من أجل احتساب مؤشر نقص ضغط البخار (VPD) الذي يعتبر العامل الرئيسي المسبب لنشوب الحرائق. لأن هذا المؤشر يبين الفرق بين الضغط النظري للبخار في الهواء المشبع (رطوبة 100 بالمئة) والضغط الفعلي لبخار الماء في الهواء عند نفس درجة الحرارة. فعندما يكون النقص كبيرا، يمتص الهواء نسبة عالية من رطوبة التربة والنباتات، وعندما يكون صغيرا ، يصبح الهواء رطبا وباردا.

وعند مكافحة الحرائق يأخذ الخبراء قيمة مؤشر VPD الليلية بالاعتبار، لأن قيمته العالية تساعد على الاشتعال. وقد اكتشف الباحثون أنه بسبب التغيرات المناخية خلال أعوام 1979 - 2020 زاد في غرب الولايات المتحدة، عدد الليالي الخطرة بمقدار 11 ليلة إضافية، أي أن نسبة الزيادة في عدد الليالي الخطرة تعادل 45 %. مع العلم أنه قبل 40 عاما كانت الليالي أكثر رطوبة، ما سهل عمل فرق الإطفاء، لأن الليالي الحارة كانت نادرة.

واكتشف الباحثون أيضا، أنه في جميع أنحاء العالم ارتفع عدد الحرائق الليلية بنسبة 7.2 بالمئة خلال أعوام 2003-2020. أما في غرب الولايات المتحدة فارتفع بنسبة 28 بالمئة.

ويعتبر أكثر المتضررين من هذه الحرائق هي أشجار الغابات دائمة الخضرة وذات الأوراق العريضة والشجيرات والمروج الخضراء. كما أن معدل ارتفاع درجات الحرارة ليلا الناجم عن التغيرات المناخية أعلى مما في النهار، ما يزيد من خطر نشوب الحرائق في الليل.
وقد كان الخبراء حذروا قبل شهور من ارتفاع عدد حرائق الغابات بنسبة 50 % مع نهاية القرن
وتغير المناخ يزيد دون شك من مخاطر ظروف مناخية أكثر سخونة وجفافا ومن المحتمل أن تؤجج حرائق الغابات.
ويتوقع تقرير صدر حديثا أن يؤدي تغير المناخ، وتغير استخدام الأراضي، إلى زيادة تواتر حرائق الغابات وشدتها، مع زيادة عالمية في الحرائق الشديدة بنسبة تصل إلى 14 في المائة بحلول عام 2030، و30 % مع نهاية عام 2050 و50 % بحلول عام 2100.

هذا ما ورد في تقرير جديد لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، وGrid-Arendal وهو مركز اتصالات بيئية غير ربحي.

ووجد تقرير الانتشار كالنار في الهشيم: التهديد المتزايد بحرائق غير عادية للمناظر الطبيعية خطرا متزايدا حتى بالنسبة للقطب الشمالي ومناطق أخرى لم تتأثر من قبل بحرائق الغابات.
ودعا إلى إحداث تغيير جذري في الإنفاق الحكومي على حرائق الغابات، وتحويل استثماراتها من رد الفعل والاستجابة إلى الوقاية والتأهب.
ويدعو التقرير الحكومات إلى اعتماد «صيغة جاهزة للتعامل مع الحرائق» مع تخصيص ثلثي الإنفاق للتخطيط والوقاية والتأهب والتعافي، وثلث يتبقى للاستجابة.
في الوقت الحالي، تتلقى الاستجابات المباشرة لحرائق الغابات عادة أكثر من نصف النفقات ذات الصلة، بينما يتلقى التخطيط والوقاية أقل من واحد في المائة.
وأشارت المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، إنغر أندرسون إلى أنه غالبا ما تضع ردود فعل الحكومة الحالية على حرائق الغابات الأموال في المكان الخطأ.
وقالت» يحتاج عمّال خدمات الطوارئ ورجال الإطفاء على الخطوط الأمامية الذين يخاطرون بحياتهم لمكافحة حرائق الغابات إلى الدعم. علينا تقليل مخاطر حرائق الغابات الشديدة من خلال الاستعداد بشكل أفضل: الاستثمار أكثر في الحد من مخاطر الحرائق والعمل مع المجتمعات المحلية، وتعزيز الالتزام العالمي لمكافحة تغير المناخ».

يزيد تغير المناخ من مخاطر حدوث الجفاف والسخونة مما يؤدي إلى نشوب الحرائق
تأثير الحرائق على البشر والحيوانات
وتؤثر حرائق الغابات بشكل غير متناسب على أفقر دول العالم. مع تأثير يمتد لأيام وأسابيع وحتى سنوات بعد أن تهدأ النيران، وتعرقل التقدم نحو أهـداف التنمية المستدامة وتعمّق التفاوتات الاجتماعية.
وتتأثر صحة الناس بشكل مباشر من خلال استنشاق دخان حرائق الغابات، مما يتسبب في حدوث تأثيرات على الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية ويضاعف الآثار الصحية للفئات الأكثر ضعفا.
يمكن أن تكون التكاليف الاقتصادية لإعادة البناء بعد اندلاع حرائق الغابات في المناطق بعيدة عن متناول البلدان منخفضة الدخل.
تتدهور حالة أحواض المياه بسبب ملوثات حرائق الغابات، كما يمكن أن تؤدي إلى تآكل التربة مما يسبب المزيد من المشاكل للممرات المائية.
غالبا ما تكون النفايات المتبقية شديدة التلوث وتتطلب التخلص المناسب منها.

ونادرا ما تنجو الحياة البرية وموائلها الطبيعية من حرائق الغابات، مما يتسبب بانقراض بعض أنواع الحيوانات والنباتات. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك، حرائق الغابات الأسترالية عام 2020، والتي تشير التقديرات إلى أنها قضت على المليارات من الحيوانات الأليفة والبرية.

حرائق الغابات وتغير المناخ
تصاعد أعمدة الدخان من حرائق الغابات في كولورادو، الولايات المتحدة.
تتفاقم حرائق الغابات وتغير المناخ بشكل متبادل. إذ تزداد حرائق الغابات سوءا بسبب تغير المناخ عبر زيادة الجفاف وارتفاع سخونة الهواء وانخفاض الرطوبة النسبية والبرق والرياح القوية، مما يؤدي إلى مواسم حرائق أطول أكثر سخونة وجفافا.
وفي الوقت نفسه، يزداد تغير المناخ سوءا بسبب حرائق الغابات، غالبا عن طريق تدمير النظم البيئية الحساسة والغنية بالكربون مثل أراضي الخث والأراضي المطيرة. وهذا يحوّل المناظر الطبيعية إلى علبة قدْح، مما يجعل من الصعب وقف ارتفاع درجات الحرارة.

ما الذي يمكن فعله
لمنع الحرائق، يدعو معدّو التقرير إلى مزيج من البيانات وأنظمة الرصد المستندة إلى العلم مع المعرفة الأصلية، وإلى تعاون إقليمي ودولي أقوى.
ويشير التقرير إلى الحاجة إلى فهم أفضل لسلوك حرائق الغابات. ويتطلب تحقيق واستدامة إدارة الأراضي والحرائق التكيفية مجموعة من السياسات، وإطارا قانونيا وحوافز تشجع على الاستخدام المناسب للأراضي والنيران.
وتعدّ استعادة النظم البيئية وسيلة مهمة للتخفيف من مخاطر حرائق الغابات قبل حدوثها وإعادة البناء بشكل أفضل في أعقابها. واستعادة الأراضي الرطبة وإعادة إدخال الأنواع مثل القنادس، واستعادة الأراضي الخثية، والبناء بعيدا عن الغطاء النباتي والحفاظ على المناطق العازلة المفتوحة هي بعض الأمثلة على الاستثمارات الأساسية في الوقاية والتأهب والتعافي.

ويختتم التقرير بدعوة إلى معايير دولية أقوى لسلامة وصحة رجال الإطفاء وتقليل المخاطر التي يواجهونها قبل العمليات، وأثناءها وبعدها. وهذا يشمل زيادة الوعي بمخاطر استنشاق الدخان، وتزويد رجال الإطفاء بإمكانية الحصول على كمية كافية من الماء والتغذية والراحة والتعافي بين فترات العمل.
تخطّط السلطات التونسية هذا العام لحماية أكبر قدر ممكن من الغطاء النباتي، بعدما تسبّبت حرائق العام الماضي في إتلاف ألفَي هكتار من الغابات، الأمر الذي يستلزم سنوات لإعادة إنباتها.
وتمثّل الحرائق الصيفية وفق تقرير لايمان حامدي في العربي الخطر الأكبر الذي يهدّد الغطاء النباتي والمحاصيل الزراعية في تونس، لا سيّما أنّ التشخيص الذي تعدّه مصالح الغابات لم يكشف بعد الأسباب الحقيقية لاندلاع الحرائق التي تُقيَّد 90 في المائة منها ضدّ مجهول.
ويير مسؤول غابي إنّ «القرائن تؤكّد أنّ الحرائق التي تنشب في غابات تونس تحدث بفعل فاعل، أي أنّها مفتعلة، غير أنّه لا يُصار إلى التعرّف إلى مقترفيها، وبالتالي تُنسَب إلى مجهولين في 90 في المائة منها».
ويضيف كعيلان أنّ «الحرائق قد تكون ناجمة عن سوء تقدير أو إهمال في معظم الأحيان، غير أنّها تخلّف خسائر كبيرة في الغطاء النباتي، خصوصاً على الشريط الغربي الحدودي مع الجزائر».

ويشدّد كعيلان على أنّ «التدخّل السريع من قبل المصالح الغابية هو السلاح الأنجع للحدّ من الخسائر»، فيما أشار إلى أنّ «هذا التدخّل لا يكون متاحاً في بعض الأحيان في المناطق العسكرية المغلقة، الأمر الذي يزيد من خطر انتشار النيران وتوسّعها لتطاول مساحات شاسعة».
ويلفت إلى أنّ «نوعية الغطاء النباتي التونسي المؤلّف من أشجار الزان والصنوبر تُعَدّ سريعة الاشتعال، وهو ما يجعل الخسائر كبيرة».
وفي سياق متصل، يؤكّد كعيلان أنّ «حملة التشجير الوطنية التي انطلقت في شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حقّقت نتائج جيّدة من خلال زرع 2.2 مليون شتلة»، مشيراً إلى أنّ «الجهد سوف يستمرّ من أجل تجديد الغطاء النباتي التالف من جرّاء النيران التي تهدّد كذلك المحاصيل الزراعية».

ويوضح كعيلان أنّ «290 حريقاً سُجّلت في المناطق الغابية، وحرّاس الغابات هم السلاح الأوّل لحراسة تلك المناطق، خصوصاً أنّهم الأدرى بشعابها ومسالك التدخّل السريع فيها عند نشوب النيران».

وتسعى السلطات هذا العام، بحسب الاستراتيجية الوطنية للتوقّي من الحرائق، إلى دعم الحراسة عند حدود المساحات المستهدفة وتعزيز سرعة التدخّل عبر أعوان الغابات في مرحلة أولى. وبحسب ما تشير إليه الأرقام الوطنية، فإنّ معدّل التدخّل لإطفاء الحرائق يُسجَّل في حدود 15 دقيقة، غير أنّ السلطات تعمل على تقليصه عبر زيادة فاعلية حرّاس الغابات وسرعة التنسيق مع قاعة العمليات المركزية والنقطة الأولى لوسائل الدفاع المدني.

وتشارك أكثر من 600 منظمة مدنية في الجهود الوطنية الخاصة بالتشجير، عبر اتفاقيات موقّعة بينها وبين مصالح وزارة الزراعة التي توفّر الشتول والمساعدة اللوجستية.

ويقول زموري شريف، الناشط في جمعية «سولى قرين»، التي تساهم في الحملة الوطنية للتشجير، إنّ «الجمعية نجحت خلال موسمَين في غرس نحو نصف مليون شجرة، على الرغم من تقطّع الحملات نتيجة الأزمة الصحية الناجمة عن وباء كورونا». ويضيف لـ»العربي الجديد» أنّ «الجمعية نجحت في حشد 600 متطوّع، شاركوا في حملات التشجير بمعدّل 100 مشارك في كلّ عملية».

لكنّ شريف يرى أنّ «الأرقام المحققة ما زالت بعيدة عن الأهداف المرسومة، أي غرس 12 مليون شجرة، بمعدّل شجرة واحدة لكلّ تونسي»، مشدّداً على أنّ «التحدي البيئي كبير جداً في ظلّ تصاعد الحرائق ومخاطر التغيّر المناخي التي تؤثّر بشكل مباشر على حياة المواطنين ومَواطن الرزق في المناطق الغابية».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا