الزراعة المستدامة على طريق الاكتفاء

الأرض مصدر الحياة والغذاء..وهي خزان التنوع البيولوجي وهي قاعدة الانطلاق لتحقيق الاكتفاء وتوليد مشاريع الانتقال البيئي والتنموي.

فالتنمية المستدامة زراعية بالأساس، وهي أفقية جامعة لفاعلين وطنيا ومغاربيا وإقليمياـ تلك قناعة صاحب جمعية «العزة» ودار تحمل اسمها في غار الدماء ومؤلف تجربة طريفة عنوانها الوفاء للأرض والتعلق بمواردها وقيمها والتمسك بها مهدا ومنطلقا لدورة جديدة لحياة أرقى أكثر تصالحا مع قيم العدل والديمومة ومتطلبات رغد العيش للجميع والتنمية فعل محلي، بمقاربة كونية.
من جندوبة تنطلق الملحمة عبر مشاريع محورها الفلاحة وقلبها الاتتاج الحر ومعبرها فضاء لاحتضان المبادرات والمنتاجات ووصل الفلاحين والمطرين بالمصدرين والمستهلكين
في سياق مضاد للسهل وطاحونة الشيء المعتاد يجتهد علالة الجامعي عبد الرحمان وفريق من الشباب لإنشاء ديناميكية تفكير مجدد ومبادرات مبدعة وتشريع نوافذ بوابات على الشركاء والفاعلين من الجزائر وافريقيا وحتى اليابان
قبل أسابيع زار وفد سويسري مشروع العزة، وفضاء الحر وانبهر بمبادرة حشدت عشرات الفلاحات والمنتجات وهيات لانطلاقة جبارة للفعل التنموي الجهوي على أسس متينة من الخصوصيات المميزة للجهة، الفلاحية بامتياز
بالتوازي مع إقامة الضيافة في قلب جندوبة يطور الناشط والباعث مشروعا اعقاريا وايكولوجيا يمثل فضاءا سكنيا قد يحمل ملامح مدينة ايكولوجية مندمجة في بوسالم بعيدا عن المناطق المهددة بالفيضان.
قبل أسبوعين رتب فريق من نشطاء جمعية العزة مع رئيسها زيارة وورشة تفكير وتخطيط لتعميم رؤية الجمعية وتعزيز رسوخ مقاربتها واندراجها في الحراك التنموي بجندوبة بالتعاون مع السلط والهياكل المحلية والجهوية وفي عيون الفريق لاشاب حلم موعود بترفيع نسبة إثمار أرض العزة وتنويع المنتجات وحشد أكبر قدر من الفاعلين في مبادرة جامعة تثمن المخزون الزراعي والطبيعية وتهيء لتركيز مشاريع تنموية فلاحية وسياحية وتسويقية صغرى متشابكة تولد قادحا قويا لتكريس رؤية جديدة للتنمية اللامركزية المنبثقة من المجموعات السكانية والمنطلقة من نواتات المجتمع المدني وأصحاب الرؤى والخبرة والتصورات المجددة.
الفلاحة المستدامة بحسب ريم المثلوثي الفلاحة والناشطة الجمعياتية بطبربة، عبارة عن مجموعة طرق واساليب عمل فلاحية مستوحاة من تجارب الفلاحات التقليدية حول العالم. تعتبر بداية انتشار هذه التجربة حديثة في تونس. وقد تم تبنّيها و ممارستها من طرف مجموعة من الأفراد الذي يرون أنه يجب الانتقال الى طرق انتاج فلاحي تحافظ على التربة و التنوع البيولوجي من أجل توفير غذاء سليم ومحلي للمواطنين. هي طريقة عيش مختلفة متناغمة مع المحيط و البيئة وتشمل مختلف مجالات الحياة من أكل وسكن و تجارة و انتاج و توزيع و غيرها من المجالات.
العالم يتجه نحو مسالك التوزيع القصيرة التي تقلص عدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك في عملية التوزيع. أو تلغي وظيفة الوسيط تماما. تصبح إذا العلاقة بين المنتج والمستهلك علاقة مباشرة أساسها الثقة يفرض فيها قرب المستهلك رقابة لصيقة لمدى احترام الفلاح لقواعد السلامة وعدم استعماله المواد الكيميائية. يصبح بذلك الحريف مستهلكا فاعلا و ضامنا لجودة المنتوج. تقطع مسالك التوزيع القصيرة الطريق على الوسطاء و تستغني بذلك عن شهادات المخابر المختصة المعتمدة خاصة في تونس لتقييم منتوجات الفلاحة العضوية للتصدير و التي تفرض قواعد وأساليب إنتاج معينة.
نعتمد في تونس شهادات فلاحة عضوية أجنبية مضبوطة حسب معايير ومتطلبات المستهلك الأجنبي. تستعمل هذه المعايير لتقييم المنتوج التونسي و لملائمته مع حاجيات المستهلكين في الخارج. لأن الهدف هو التصدير و ليس البيع المحلي أو لبناء ثقة المستهلك التونسي في المنتوج التونسي. مشكلنا الأساسي -وهو مشكل أمن قومي- هو تدهور صحّة التربة. المستثمرون الأجانب يقومون بكراء الأراضي فيلوّثون التربة بالمواد الكيميائية و يستغلّونها الى حد الاستنزاف بهدف التصدير. عندما نصدّر المنتوجات الفلاحية بهذه الطريقة نحن نصدر ايضا التربة والماء. ماذا سنترك لأبنائنا في المستقبل إذا؟ أليس لديهم الحق في حياة كريمة؟
توفير مورد الرزق يعني بيع منتوج معين والحصول على أجر أو مدخول. و عملية البيع وتلقي أجر مرتبطة بإنشاء مشروع. الفلاحة المستدامة هي طريقة عمل وليست مشروعا. اذا يكمن التحدي في تطويع أساليب الإنتاج هذه وتوظيفها كجزء من مشروع يصبح مع الوقت قادرا على توفير مدخول كاف للفلاح. الفلاحة المستدامة تعطينا فرصة لإنقاذ التربة وهي أساس العملية الانتاجية أي أساس مورد الرزق. ان الأرض التي يتم فيها استعمال المواد الكيميائية تتراجع خصوبتها مع مرور الوقت. في حين أن الأرض التي يتم استغلالها بطريقة مستدامة تنمو خصوبتها بنسق متصاعد. بانقاذه التربة من المواد الكيميائية ينقذ الفلاح العنصر المحوري الضامن لتركيز المشروع الكفيل بتحقيق مورد الرزق له و هو التربةخلال القمة العالمي للتنمية المستدامة 25 سبتمبر 2015، اعتمدت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لبرنامج التنمية المستدامة الجديد، الذي يتضمن مجموعة من 17 هدفا عالميا التي تتعهد الدول لتحقيقها بحلول عام 2030. أنها تغطي العديد من القضايا من قبيل القضاء على الفقر ومكافحة عدم المساواة في حماية كوكب الأرض، وذلك لضمان حصول الجميع على العيش في أمن وكرامة. هذه الأهداف هي جزء من برنامج التنمية لمساعدة الفئات الأكثر ضعفا في الأولوية.
تستند الأهداف الإنمائية المستدامة بشأن الأهداف الإنمائية للألفية في حين يجري يكون أكثر طموحا وتفصيلا. وحددت 17 هدفا عالميا تقسيمها إلى 169 «قسما» لتحقيقها خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة.
إنّ تونس تستفيد من تصميم سياسات التنمية المستدامة القائمة على خارطة الطريق لتأمين وجذب شركاء التنمية لدعم الاستثمار الأجنبي والمساعدة التقنية من وكالات الأمم المتحدة
وتتضمن خارطة الطريق للأمم المتحدة السبعة عشر هدفا التالية. في تونس، أن نصورها بطريقة مختلفة قليلا لكن تبقى هذه الأهداف على نفس المسار:
• الفقر: القضاء على الفقر بكل أشكاله وفي كل مكان. ويبدو أن الهدف صعبالتحقق حتى في البلدان المتقدمة للغاية. ولكن قد تكون صياغتها في بلدنا لهدف التخفيض في معدل الفقر. وإذا كان اليوم معدل الفقر حوالي 25 ٪ يمكن أن تستهدف 10 ٪ في السنوات الخمس عشرة المقبلة.
• الجوع: القضاء على الجوع وتأمين الأمن الغذائي، وتحسين التغذية وتعزيز الزراعة المستدامة. مقابل هذا الهدف ممكن تحقيقه في تونس. بل لعله من واجب جميع الحكومات التي من شأنها تحقيق النجاح لضمان عدم جوع أي تونسيّ أو تونسية.
• الصحة: تمكين الجميع من العيش بصحة جيدة. حققت بلادنا تقدما هائلا في مجال الصحة والنظافة للمواطنين. وقد تم القضاء على العديد من الأمراض. ولكن هذه الإجراءات يجب القيام بها في المناطق الداخلية و تحسين البنية التحتية للمستشفيات وتوظيف الموظفين الطبيين وشبه الطبيين الذين يترددون في العمل خارج المدن الساحلية الكبرى.
• التعليم: ضمان جودة التعليم والتعلم للجميع. مرة أخرى هذا هو أحد المجالات التي حققت فيه بلادنا تقدما كبيرا خلال السنوات الأولى من الاستقلال. للأسف تراجع نوعية التعليم في السنوات الأخيرة. التعليم هو بلا شك العمود الفقري لأي تطور. والاستثمار في هذا المجال هو تشجيع الشباب التونسي والتحضير لدوره كما الفنيين و المسؤولين و التنفيذيينو التقنيين والمديرين. ولكن يجب أن ندرك أنه ليس من الممكن اليوم أن يتحقق هذا الهدف لوحده. هناك حاجة إلى المساعدات الخارجية والشراكة بالتعاون في مجال التعليم. يجب علينا التعلّم من أصحاب الخبرة قي هذا المجال.
• المساواة بين الجنسين: تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين النساء والفتيات من حرياتهم. إنّ تونس في المسار الصحيح و لن تجد أي صعوبة في تحقيق هذا الهدف.
• المياه والصرف الصحي: ضمان الحصول على مياه الشرب المأمونة للجميع والصرف الصحي. بعض المشاكل في المناطق القاحلة قابلة للإصلاح . فالوضع في البلاد ليست بالكارثي.
• الطاقة: ضمان حصول الجميع على الطاقة وبأسعار معقولة. النجاح في هذا المجال هو تطوير الطاقات البديلة. فالاستثمار في مجال الطاقة الشمسية يمكن أن يحل كل مشاكلنا.
• العمل المشّرف والنمو الاقتصادي : تعزيز النمو الاقتصادي لا تزال يوفر فرص للعمل المشرّف للمواطنين وهو أحد الأهداف الأولى لثورة جانفي 2011. إنّ العمل اللائق يؤكد للإنسان كرامته. ولكن من الممكن لتحقيق ذلك مع استمرار النمو الاقتصادي. إن السياسة التي تشجع على إقامة المشاريع الصغرى والمتوسطة بسيطة وتشجيع العمل الزراعي أمر ضروري فبلادنا غنية لذا ينبغي على الأقل ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي للسكان.
• الصناعة: بناء بنية تحتية مرنة، وتشجيع التصنيع المستدام وتشجيع الابتكار. هذا الهدف يعتمد على سياسة التعليم القوية التي تشجع على التمكن من التكنولوجيا والأدوات الجديدة. وهذاالمجال يوفّر أيضا جملة من مواطن الشغل.
• عدم المساواة: تقليص الفوارق بين المناطق. فالحل يتمثل في عكس نسبة الاعتمادات بين المناطق الداخلية و المناطق الساحلية . ولكن لا يبدو أنه توجد محاولة لتطوير المناطق المحرومة فهو أمر ليس ذو أولوية.
• المدن والمجتمعات: لا يزال سكان الريف يلتحقون بالمدن حتّى شارف الريف على الفراغ نتيجة بحث الشباب عن العمل والعزم على الفرار من الريف. والهدف من ذلك هو الإدارة الصحيح للمساحات الحضرية وإنشاء مدن تتميّز بالانضباط و النظافة وإعادة تأهيل الأحياء الفقيرة ووضع سياسة الإسكان بأسعار معقولة.
• استهلاك: وجب ترشيد استهلاك الطاقة و الموارد المائية و التشجيع على رسكلة الفضلات الصناعية و المنزلية. و على هذا المستوى لايزال أمام بلادنا الكثير لفعله. و الهدف النهائي يتمثّل في الاستهلاك الرشيد للطاقة.
• تغير المناخ: اتخاذ التدابير اللازمة لمكافحة آثار تغير المناخ والكوارث الطبيعية. الآثار المدمرة كالفيضانات، وخصوصا في الشمال الغربي، ومقاومة برد الشتاء . هناك حاجة ملحة لمضاعفة الجهود من قبل الحكومة للتخفيف من عواقب مؤلمة لمواطني هذه المنطقة.
• الحياة المائية: و خاصّ في حفظ والاستغلال المستدام للبحر والموارد البحرية (الصيد) ومقاومة تلوث البحر.
• الحياة البرية: من المهم حماية الحياة البرية وإعادة استخدام النظم الإيكولوجية الأرضية. و إعادة تشجير المناطق التي تم تطهيرها ومكافحة حرائق الغابات. من ناحية أخرى، محاولة الحد من التصحر جنوب البلاد.
• السلام والعدالة: تعتبر تونس الآن ديمقراطية ناشئة. ولكن وجب مزيد الاهتمام بمجالين اثنين من الإصلاحات العاجلة؛ العدل والداخلية.
• الشراكة: كل الجهود لضمان تحقيق هذه الأهداف يكون عبثا إذا لا تحقق البلاد تكاملا كبيرا بين الشمال والجنوب وبين الجنوب والجنوب لدعم خططها التنموية.
والتنمية الزراعية المستدامة لفائدة سكان المناطق المحرومة جزء من متجهات وأهداف التنمية المستدامة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا