الغابة، نحن، صمام أماننا الحيوي

تشهد الفترة الصيفية عادة ارتفاع وتيرة استهلاك، الماء، وخاصة مع تواتر الحرائق في الغابات بفعل ارتفاع درجات الحرارة وعوامل أخرى، إلى جانب الاقبال الكثيف على الشواطىء.

وفي مختلف هذه الظواهر أثر واضح على المحيط، وضغط على الموارد البيولوجية والتوازنات الايكولوجية.
وتؤكد مختلف المقاربات التحليلية الدور الأساسي والمحوري للبشر، ومسؤولية المواطنين، في استنزاف هذه الموارد ، وإمكانات ترشيد استعمالها والمحافظة عليها.
ويشهد موفى العام الحالي محطات بيئية كونية هامة بينها مؤتمر الاتحاد الدولي لصون الطبيعة بمرسيليا، والتنوع البيولوجي بالهند، وتغير المناخ بغلاسغو البريطانية.

وتمثل هذه الاجتماعات الكبرى، التي تسبقها اجتماعات تنسيق وتمهيد، وتوازيها وتعقبها لقاءات خبراء ومنتديات فرعية، فرصا لكافة دول العالم لمزيد تنسيق جهودها وتصويب خياراتها وتحركاتها لتقليص مخاطر التدهور والتدمير المستمر للموارد والأصناف والأنظمة الايكولوجية.
واتفاقية التنوع البيولوجي هي اتفاقيّة دوليّة ترعاها الأمم المتّحدة،وهي الصك القانوني الدولي الذي يهدف إلى صون التنوع البيولوجي، وضمان الاستخدام المستدام لمكوناته والتقاسم العادل والمنصف للمنافع الناشئة عن استخدام الموارد الجينية فيه.
وقد تم التوقيع عليها سنة 1992 على هامش قمة الارض بريو دي جاينيرو بالبرازيل وذلك بعد تَزايد المَخاطر حول التنوّع الحيويّ، وازدياد حالات الانقراض للأنواع بسبب النشاطات البشريّة، ودخلت حيز سنة 1993.

وتشتمل اتفاقية التنوع البيولوجي التنوع البيولوجي على جميع المستويات: النظم الإيكولوجية والأنواع والموارد الوراثية. كما أنها تشتمل على التكنولوجيا الحيوية، من خلال ما نص عليه بروتوكول قرطاجنة للسلامة الأحيائية.
والهيئة الإدارية لاتفاقية التنوع البيولوجي هي مؤتمر الأطراف. وتجتمع هذه السلطة العليا المكونة من الحكومات (أو الأطراف) التي صادقت يقع مقرّ أمانة الاتفاقيّة في مدينة مونتريال الكنديّة، وتُساعد هذه الأمانة الحكومات في العالم على تنفيذ أهدافِ الاتفاقيّة، وتنفيذ الدّراسات المُختلفة حول التنوّع البيولوجي.

وقد أصدر الصندوق العالمي للطبيعة مؤخرا تقريرا علميا جديدا حذر فيه من حدوث أزمات بيئية مدمرة في حوض المتوسط بسبب التغيرات المناخية، وأنها ستزداد حدتها ما لم يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من تفاقمها.
وأفاد التقرير - الذي صدر يوم 8 جوان الماضي أن دول حوض المتوسط الذي يعتبر بحرا نصف مغلق ينتظرها مستقبل قاتم بسبب احتراره بنسبة 20 % زيادة على باقي مناطق العالم، بالإضافة إلى الاستغلال المفرط لموارده وأيضا تلوث مياهه.
وتشكل مساحة البحر المتوسط ما نسبته 1 % من المساحة الإجمالية لمياه كوكبنا، لكنه يحتوي على حوالي 10 % من تنوعه البيولوجي مما يجعله من بين أهم المسطحات المائية التي تعج بالحياة.
وقد دعا التقرير دول المتوسط إلى ضرورة توسيع مساحات المحميات البحرية لتصل إلى 30% من حجم مياه المتوسط بحلول عام 2030، والتصدي للصيد الجائر والمفرط، والقضاء على التلوث بأشكاله المتعددة.

الخطر القادم
وكما جاء في البيان الصادر عن الصندوق العالمي للطبيعة، فقد تطرق التقرير إلى إشكالية ارتفاع مستوى مياه البحر بسبب التغيرات المناخية، وهي إشكالية محل تهديد للكثير من المدن العالمية الساحلية.
وحسب التقرير فإن سرعة احترار منطقة حوض المتوسط ستكون السبب في ارتفاع مستوى مياهه، والذي قد يتجاوز مترا واحدا بحلول عام 2100، مما يشكل تهديدا مباشرا للسكان المجاورين للشواطئ.
كما تطرق إلى التأثير السلبي الذي سيلحق بالمجتمعات المقيمة على ضفاف المتوسط التي تعيش على موارده، حيث وجد أن نسبة كبيرة من هذه المجتمعات ستفقد مع مرور الوقت الكثير من مداخيلها إذا لم تساهم في برامج الحفاظ على هذه الموارد.
تقول هايكه فيسبر مديرة حماية البيئة البحرية بالصندوق العالمي للطبيعة، في البيان الصحفي «البحر المتوسط لم يعد كالسابق، لقد فقد الكثير من تنوعه البيولوجي، ويجب على دول المنطقة اتخاذ الإجراءات اللازمة للتعافي من هذا التهديد».
يعاني «المتوسط» من خطر الأنواع الغازية القادمة من البحر الأحمر والمحيط الهندي (غيتي إيميجز)

خطر الأنواع الغازية
كما يعاني البحر المتوسط من خطر الأنواع الغازية القادمة أساسا من البحر الأحمر والمحيط الهندي عبر قناة السويس خاصة بعدما تم توسيعها. وقد أحصى التقرير وجود حوالي ألف نوع غازي دخل حوض المتوسط، وقد يحدث أن تستقر به للأبد بالرغم من المخاطر التي قد تشكلها على الأنواع المحلية.
ومن بين هذه الأنواع نجد أسماك الأرنب التي اجتاحت شواطئ جنوب المتوسط وتسببت في تدهور حوالي 40 % من التنوع البيولوجي في بعض المناطق، خاصة في تركيا، حيث وجد التقرير أن حوالي 98 % من الأسماك العشبية التهمها سمك الأرنب.
كما حذر الصندوق العالمي للطبيعة في التقرير من خطر أسماك الأسد التي غزت مياه المتوسط بداية من التسعينيات من القرن المنصرم، حيث انتشرت في لبنان ثم اليونان وانتقلت لإيطاليا وليبيا، وهي من الأنواع الغازية المعروفة بتدمير البيئة البحرية.
ويرى معدو التقرير أن من بين الحلول الكفيلة بوضع حد لهذه الأنواع هو صيدها من أجل أكلها أو تسويقها، وهنا يلعب الصيادون دورا رئيسيا بهذه العملية لأن صيد هذه الأنواع أثبت نجاعته.
أصبحت أعداد قناديل البحر تزداد بصورة مقلقة جدا منذ عام 2003 جنوب المتوسط (بيكسابي)

انفجار أعداد قناديل البحر
وذكر التقرير أنه -بالإضافة للخطر المتزايد للأنواع الغازية- فإن مياه المتوسط تواجه أيضا خطر الوجود المفرط لقناديل البحر التي أصبح عددها يزداد بصورة مزعجة جدا منذ عام 2003.
وأوضح الخبراء أن الانفجار في عدد قناديل البحر كان بسبب ارتفاع حرارة المياه، وهي موجودة بكثرة في سواحل جنوب المتوسط، على غرار منطقة قابس بتونس، حيث أصبح وجودها مقلقا جدا للصيادين وحتى للسائحين.
وقال التقرير إنه من العوامل المهمة للحد من عدد هذه القناديل هو وقف الصيد المفرط لبعض أنواع الأسماك المعروف أنها تقتات من بيض قناديل البحر. وبالإضافة إلى ذلك، فإن القضاء على تلوث المياه يعتبر عاملا مهما للحد من تكاثر قناديل البحر لأن المياه الوسخة بيئة مفضلة لديها.
ويظل الإنسان، والمواطن،في تونس وفي العالم، أيا كان موقعه وجهته ودرجة مسؤوليته في الإفرازات والتصرفات المؤثرة في الواقع البيئي، المسؤول المباشر عن الحالة البيئية والمؤثر لفعال في اتجاهات المستقبل وسيناريوهات القادم.
تواجه الشعاب المرجانية بحوض المتوسط كما في العالم خطر الانقراض (بيكسابي)

حماية البيئة البحرية
كما دعا التقرير دول المتوسط إلى ضرورة توحيد الجهود لحماية البيئة البحرية من التدهور، خاصة فيما يتعلق بالأعشاب البحرية التي تشكل مصدر غذاء للكثير من الأنواع، بالإضافة إلى دورها الكبير في امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون.
وأكد أن هناك نوعا من هذه الأعشاب يدعى «بوسيدونيا» التي تعتبر بمثابة رئة البحر لأنها توفر الكثير من الأكسجين للأحياء المائية، وتعتبر أيضا مكانا حيويا لعيش حوالي 20 % من أسماك المتوسط.
كما تواجه الشعاب المرجانية في المتوسط، على غرار باقي المسطحات المائية في العالم، خطر الانقراض بسبب ارتفاع حرارة المياه والتلوث، حيث قدر التقرير أن حوض المتوسط فقد حتى اليوم حوالي 30 % من شعابه المرجانية.
وأضاف تقرير الصندوق العالمي للطبيعة أن من أهم الحلول الكفيلة بإعادة إحياء الشعاب المرجانية هو إنشاء المحميات البحرية بنسب تصل إلى حوالي 30 % من مياه كل دولة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا