شمس خضراء.. لأفق حياة ونماء

هل نملك الطاقة للانتقال البيئي؟

هل نعي أهمية الطاقة واستبدالها في سياق الديمومة؟
في ظل تفاقم عجز موازنة الطاقة الأولية وارتفاع أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية بالإضافة إلى تزايد المخاطر

بالتزود بالطاقة الكهربائية بحكم التعويل على مصادر جديدة للطاقة مقابل ما تزخر به البلاد التونسية من إمكانات هائلة من الطاقات المتجددة خاصة منها الطاقة الشمسية، تم خلال سنة 2015 تحيين المخطط الشمسي التونسي ووضع أهداف طموحة لإنتاج 25 ٪ من الكهرباء من الطاقات المتجددة سنة 2025 و30 ٪ سنة 2030. 
كما شهد الاستثمار في التحول إلى الطاقة النظيفة تسارعا أثناء العام الماضي، إذ ساعدت الأحداث التي وقعت نهاية العام على زيادة هذا النسق؛ على غرار الانتخابات الأميركية والتزامات كل من الصين واليابان وكوريا الجنوبية ببناء صفر الطاقة.
فقدت وتيرة مشاريع الطاقة المستدامة التي تراهن عليها تونس قوة الدفع بفعل انعكاسات وباء كورونا على الاستثمارات بشكل عام، مما جعلها تسقط في فخ التراجع، وفق أحدث تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس)، الذي أظهر مؤشره خسارة أربع نقاط قياسا بما كان عليه قبل عام.
في تونس - أحالت أزمة فايروس كورونا خطط الانتقال إلى الطاقة المتجددة في تونس إلى التوقف الإجباري نتيجة تعطل الاستثمارات وتقويض الحركة الاقتصادية نتيجة إجراءات الحظر الصحي، مما أدى إلى فقدانها وتيرة سرعتها ونسق دفعها.
وكشفت بيانات حديثة لمؤشر الانتقال الطاقي، الذي يأتي ضمن عدة تصنيفات يقوم بها المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس)، تراجع ترتيب تونس بأربع نقاط. ويقدم المؤشر مقارنة لقرابة 115 بلدا عبر أنحاء العالم في ما يتعلق بأنظمتها في مجال الطاقة ومدى جاهزيتها لتحقيق الانتقال نحو الطاقة المتجددة.
وحصلت تونس، كما جاء في (العرب) على نحو 48.2 ٪ للعــام الحـالي، مقابل 52 ٪ كانت قد سجلتها العام الماضي، الأمر الذي يعكس مدى الضغوط، التي تتعرض لها الحكومة التونسية. وتسبب الوباء في تعطيل عديد المشاريع والبرامج في كل أنحاء العالم المتضرر بهذه المشكلة، حيث أشارت عدة تقارير دولية إلى أن وتيرة تنفيذ استثمارات الطاقة المستدامة ستتأجل أو تتوقف نهائيا.
ويقول روبرتو بوكا، مسؤول الطاقة في المنتدى والمسؤول على منصة «نحت مستقبل الطاقة والمواد» إن «من الضروري استئناف العمل المشترك من أجل انتقال طاقي مجد ومدمج، وعلى معايير مختلفة لتقييم ومقارنة درجات التقدم في مختلف البلدان». ووضعت تونس خلال السنوات الأخيرة نصب عينها مشاريع الطاقة النظيفة بهدف مواجهة الطلب على الكهرباء وتقليص النفقات السنوية لاستيراد الغاز من أجل تشغيل المحطات.
تراجع تصنيف تونس في مؤشر الطاقة النظيفة الصادر عن منتدى دافوس بأربع نقاط قياسا بعام 2019.
وخلال السنوات التسع الأخيرة، شكل بند الطاقة في الميزانية السنوية صداعا مزمنا للدولة، إذ تشير الأرقام إلى أن تكاليف استيراد النفط والغاز تلتهم أكثر من 6.3 مليار دينار (2.1 مليار دولار) من مخصصات الإنفاق. وتسابق تونس الزمن لتنفيذ استراتيجية إنتاج الطاقة النظيفة، والتي تمتد حتى العام 2030 بعد أن وضعت قانونا لتنظيم نشاط القطاع وبلورة خططها عبر جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وتحفيز القطاع الخاص للدخول في هذا المجال.
وتأمل السلطات في أن يصل إنتاج البلاد من الطاقة المتجددة إلى حوالي 3800 ميغاواط بحلول عام 2030. وأعطى اكتمال المرحلة الأولى من محطات توزر للطاقة الشمسية في أغسطس الماضي، الضوء الأخضر لدخول مرحلة جديدة في سياق استراتيجية تونس الطموحة لتحقيق الاكتفاء الذاتي في توليد الكهرباء بالاعتماد على المصادر المستدامة.
وتعمل تونس حاليا على استقطاب استثمارات أجنبية لإنتاج 1900 ميغاواط من طاقة الرياح والطاقة الشمسية، وهو ما يمثل نحو 22 في المئة من إجمالي إنتاج الكهرباء.
وأطلقت السلطات قبل ست سنوات سياسة لتحقيق الانتقال الطاقي ترمي إلى التقليص بنسبة 30 في المئة في استهلاك الطاقة الأولية وبلوغ حصّة للطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء في حدود ثلاثين في المئة.
ولتنفيذ هذه الاستراتيجية تم اعتماد خارطة طريق تشمل عدة إجراءات منها إطلاق صندوق للانتقال الطاقي في عام 2014 وسن القانون الخاص بإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة في عام 2015.
وتم منذ 2016 إقرار برنامج 2020/2017 لتركيز طاقة إضافية في حدود ألف ميغاواط من الطاقات المتجددة نصفها من أشعة الشمس والنصف الآخر من الرياح تحت نظام التراخيص، وفي إطار الإنتاج الذاتي من طرف الشركة التونسية للكهرباء والغاز الحكومية.
وفي تقرير نشرته مجلة «فوربس» (forbes) الأميركية، قال الكاتب مايك سكوت إن ما يثبت ذلك هو أن الاستثمار في تحويل الطاقة قد بلغ نصف تريليون دولار لأول مرة.
ووفقا لمحللي الطاقة النظيفة التابعين لمؤسسة «بلومبيرغ إن إي إف » (Bloomberg NEF) للأبحاث، «استثمر العالم مبالغ غير مسبوقة في الأصول منخفضة الكربون العام الماضي، على غرار مصادر الطاقة المتجددة ووسائل النقل الصديقة للبيئة وتخزين الطاقة والتدفئة الكهربائية ».
وتشير المؤسسة إلى أن «العالم قد التزم استثمار مبلغ قياسي قيمته 501.3 مليار دولار لإزالة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عام 2020، متجاوزا العام السابق بنسبة 9% على الرغم من الاضطراب الاقتصادي الناجم عن جائحة (كوفيد- 19) ».
ويرتبط هذا التغيير بما شهدته الطاقة المتجددة والسيارة الكهربائية وخلية الوقود والبطارية وغيرها من المجالات من إعادة تقييم جذرية، وارتفع مؤشر وايلدر للابتكار العالمي للطاقة الجديدة، الذي يقيس أداء نحو 100 سهم في هذه القطاعات، بنسبة 142% على مدار العام، وتجاوز مؤشر بورصة نيويورك بمقدار 180 نقطة مئوية.
يوجد الآن أكثر من 10 ملايين سيارة كهربائية على الطرقات في أنحاء العالم وسيستمر اعتماد هذه التقنية عام 2021 (رويترز)
استثمارات الطاقة المتجددة
نقل الكاتب عن بلومبيرغ أن الشركات والحكومات والأسر استثمرت 303.5 مليارات دولار في زيادة القدرة على توليد الطاقة الجديدة والمتجددة عام 2020، بنسبة 2 % سنويا، بمساعدة أكبر تراكم على الإطلاق لمشروعات الطاقة الشمسية وزيادة قدرها 50 مليار دولار في مجال طاقة الرياح البحرية. كذلك أنفقت 139 مليار دولار على مجال السيارات الكهربائية وما يرتبط بها من بنية تحتية للشحن، مما أسهم في زيادة بنسبة 28 % وهو رقم قياسي جديد.
ويوجد الآن أكثر من 10 ملايين سيارة كهربائية على الطرقات في أنحاء العالم، وسيستمر اعتماد هذه التقنية عام 2021، بفضل الإعانات السخية وتشديد الاقتصاد على ترشيد استهلاك الوقود، وقواعد تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الصارمة، وعدد متزايد من المبادرات التنافسية.
وفي هذا الشأن، يقول رئيس النقل المتطور في «بلومبيرغ إن إي إف»، كولين ماكيراشر، «نتوقع بيع نحو 4.4 ملايين سيارة كهربائية للركاب (بما في ذلك بطاريات كهربائية وهجينة تعمل بالكهرباء) على صعيد العالم هذا العام، بزيادة بقرابة 60 % على عام 2020 ».
وفي ظل انتقال تركيز إزالة الكربون من مجال الطاقة إلى مجال الحرارة، ارتفعت أعداد عمليات تركيب المضخات الحرارية الموفرة للطاقة بنسبة 12 % محليا بقيمة 50.8 مليار دولار، في حين بلغ الاستثمار في تقنيات تخزين الطاقة الثابتة مثل البطاريات 3.6 مليارات دولار، وهي القيمة ذاتها التي سجلت العام الماضي، لكنها تمثل في الواقع كميّة أكبر بكثير بسبب انخفاض أسعار الوحدات.
إعلان
وبينما يسعى صناع السياسات إلى معالجة القطاعات التي يصعب تخفيف انبعاثاتها، تضاعف الاستثمار العالمي في مجال احتجاز الكربون وتخزينه 3 مرات ليبلغ 3 مليارات دولار.
ورغم انخفاض تمويل مشروعات الهيدروجين بمقدار الخُمس إلى 1.5 مليار دولار، فإنه لا يزال يمثل ثاني أعلى رقم سنوي حتى الآن، ومن المقرر أن يرتفع نسق النمو في هذا القطاع أثناء عام 2021.
وقال ألبرت تشيونغ، رئيس قسم التحليل في بلومبيرغ إن إي إف، إن العالم «حقق استثمارات بقيمة نصف تريليون دولار سنويا لإزالة انبعاثات الكربون من نظام الطاقة، كما يشهد توليد الطاقة النظيفة والنقل الكهربائي تدفقات كبيرة، لكنهما بحاجة إلى مزيد من الزيادات في الإنفاق مع انخفاض التكاليف ».
و يضيف «لا تستقطب بعض التقنيات مثل توليد الحرارة من الكهرباء وتخزين الكربون والهيدروجين سوى جزء بسيط من الاستثمار الذي ستحتاج إليه في القرن الـ20 للمساعدة على السيطرة على الانبعاثات. وفي الواقع، سنحتاج إلى تريليونات الدولارات سنويا في حال أردنا تحقيق أهداف حماية المناخ».
أصبح استخدام الطاقة المتجددة اليوم أحد المحاور الرئيسة نحو االنتقال إلى منظومة طاقة مستدامة. وقد ازداد الاهتمام بتوليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة في العالم، باعتبارها من عناصر المزيج الوطني للطاقة ً مع اعتبارها أحد الغايات الثالث للهدف السابع في معظم الدول، خاصة حول الطاقة من أهداف خطة التنمية المستدامة 2030 التي اعتمدتها األمم المتحدة في سبتمبر 2015 ،إلى جانب دورها البارز في الحفاظ على البيئة ً في الحسبان اتفاقية باريس حول تغير والحد من الانبعاثات الضارة، أخذا ُعتمدت في اجتماعات الدورة 21 لمؤتمر األمم المتحدة لألطراف، المناخ1 ( في 12 ديسمبر 2015 ) والمتضمنة إتاحة 100 ًّ مليار دولار سنويا حتى عام 2025 للدول النامية لمساعدتها في مجاالت تخفيف الانبعاثات والتأقلم مع آثار التغيرات المناخية. ملحوظا ترتب على االنتشار الواسع لتطبيقات الطاقة المتجددة انخفاضا ً من مصدري الطاقة الشمسية في تكلفة الطاقة الكهربائية المنتجة، خاصة ً على تكنولوجيا الخلايا الشمسية الفوتضوئية( وطاقة المباشرة )اعتمادا الرياح، بينما ال يزال استخدامها في مجالي إنتاج الحرارة/التدفئة أو في قطاع النقل أقل بكثير. من المتوقع بحلول عام 2022 :أن يتزايد معدل توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بحوالي الثلث، وبنسبة محدودة في قطاع إنتاج الحرارة/التدفئة، وبدرجة طفيفة في قطاع النقل البري، )2 )تشكل الزيادة في القدرات المركبة من الطاقة المتجددة في الصين والولايات المتحدة والهند مجتمعة ثلثي إجمالي السعة العالمية، )3 )تقود الدنمرك العالم في مساهمة الطاقة المتجددة في المزيج الوطني للطاقة بنسبة 70 في المائة في الكهرباء المنتجة، اعتماد العديد من الدول سياسة المناقصات التنافسية مع توقيع اتفاقيات شراء طاقة طويلة لمشروعات من سياسات تعريفة التغذية التي تحددها الحكومات. المرافق العامة، بدال ويوضح الشكل التطور القطاعي المتوقع في الطلب على الطاقة المتجددة بين 2015 – 2022
الشركات والحكومات والأسر استثمرت 303.5 مليارات دولار في زيادة القدرة على توليد الطاقة الجديدة والمتجددة عام 2020
أوروبا في الصدارة
على عكس السنوات الأخيرة، تصدرت أوروبا الاستثمارات بمبلغ 166.2 مليار دولار (بزيادة بنسبة 67 %)، بفضل ما شهدته هذه السنة من مبيعات قياسية للسيارات الكهربائية وزيادة في الاستثمار في الطاقة المتجددة منذ عام 2012.
وحققت الصين استثمارا بقيمة 134.8 مليار دولار (بانخفاض بنسبة 12 %)، وسجلت الولايات المتحدة استثمارا قدره 85.3 مليار دولار (بانخفاض بنسبة 11 %). وعلى الرغم من تضررهما من جائحة «كوفيد- 19، فإنهما ظلّتا من أكبر الأسواق الوطنية الفردية.
وفي إشارة إلى التغيير الذي سُجّل، بلغت الاستثمارات منخفضة الكربون من قبل شركات النفط والغاز 12.7 مليار دولار، في حين نمت صناديق الاستثمار المتداولة للطاقة النظيفة 10 أضعاف ما كانت عليه سابقا أثناء العام، وعلى الرغم من النمو الطفيف الذي شهده إجمالي الاستثمار في طاقة الرياح والطاقة الشمسية، فإن هذين المجالين قد سجّلا أعدادا قياسية في ظلّ تواصل انخفاض التكاليف.
وارتفع النمو في أوروبا بنسبة 52 %، في حين شهدت الصين انخفاضا بنسبة 12 %، والولايات المتحدة بنسبة 20 %، وانخفض التمويل في الهند إلى أكثر من الثلث.
وارتفع الاستثمار في المملكة المتحدة وهولندا بنسبة 177 % و221 % على التوالي بفضل دورات الاستثمار في طاقة الرياح البحرية، في حين نمت السوق الفيتنامية بنسبة 87 %.
ونما نسق الاستثمار في البرازيل بمقدار الربع، في حين أبلغت إسبانيا وفرنسا وألمانيا عن تمويل بقيمة تجاوزت 7 مليارات دولار، وشهدت كل من تايوان وأستراليا وكوريا الجنوبية وبولندا وتشيلي وتركيا والسويد تدفقات تمويلية فاقت 3 مليارات دولار.
رهان الطاقة المتجددة في تونس ضخم وكبير، في تونس، مقدرات الطاقات المتجددة بلا حد، وتجاوز طاقتها لتوفير الكهرباء 6.6 %، وفي إمكانها تيسير الانتقال البيئي والتخفيف من الكلفة الاقتصادية، وتأمين تأقلم بلادنا مع تغير المناخ.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا