لا أمل في البطل.. الحوكمة البيئية هي الحل

في غياب المواطنة والحوكمة تتقلص حظوظ نجاح وديمومة أي مشروع بيئي.

وفي ظل سطحية المقاربات، وانبتاتها وعدم رسوخها في الأرض والتربة المحلية، تعمر التجارب قصيرا وتمضي المنجزات كأوهام بعد أن تبخرت مع الأيام ويذهب بريق ماكياجها الاستعراضي ومداها النزوي الظرفي.
من المؤلم حقا أننا نهوى الصيحات والتقليعات ونتعامل مع كثير من المشاريع الكبرى المعتمدة دوليا بمنطق فيه مقدار كبير من لزوم ما يلزم، والنسخ الآلي والاتباع السطحي الأجوف.
في أحيان منفلتة نتابع أحوال من سبقنا من الدول والبلدان الشقيقة فنرى عجبا، ونبصر في نجاحات رواندا والمغرب مثلا في مجالي البيئة والطاقة النظيفة مآثر ومفاخر تخلف عندنا اسئلة عالقة حارقة..
ومن المفارقات أننا نملك في سيرورة بناء منظومتنا ومؤسساتنا ومقاربات السياسة القطاعية المعتمدة ما يشي بمنجز استثنائي مبهر يقطع دابر التلوث ويبني نموذجا في الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة يحسن كل مؤشرات جودة الحياة ويسرع نسق اندراج اقتصادنا ومجتمعنا ومدننا في مدار الاستدامة.
البرامج والمشاريع والعناوين والمؤسسات والخطط والمبادرات(اول وزارة بيئة في العالم العربي) ورصيد الكفاءات البشرية ذات الصيت العالمي(أول مديرة للصندوق الأخضر للمناخ تونسية) والقوانين التشريعات والأطر المنسجمة مع التعهدات الدولية و..
غير أن الواقع يؤكد أن مستوى التطبيق ودرجة التمثل والتبني العام للمسألة البيئية ما يزال محدودا، والكثيرون يعتبرون البيئة نفايات ونظافة واختصاص البلدية وشرطتها..
ما يزال الغالبية يعتبرون البيئة مجال ترف وساحة رفاه ثانوي وحلبة تنافس على الفساد والثراء الفاحش بالاتجار بشعارات مضخمة براقة وعناوين زائفة وكذبات متتالية من قبيل..تغير المناخ؟؟
إن العديد من الحوادث المتواترة مثل تعدد انتهاك الملك العمومي واستباحة الحدائق والمنتزهات والإلقاء العشوائي للفضلات ناهيك عن المخالفات البيئية الخطيرة وتحرك الجناة بروح من الطمأنينة لغياب الردع و العقاب.
إن الأثر الضحل لثلاثة عقود من السياسات البيئية، والنتاج الكارثي على المستوى البيئي لمنجز لم يبن مواطنا بيئيا يحفظ الملك المشترك ويصون الإرث الإيكولوجي وما تعرى خلال السنوات الأخيرة يدعو بإلحاح لإعادة طرح الأسئلة والعمل على استئناف ورشات التفكير والتخطيط والبناء.
الانتقال البيئي والتحول الطاقي وتشكيل نموذج لمجتمع ودولة بنمط تنمية واقتصاد وأمثلة تهيئة ومسار فعل فردي وجماعي مؤسسي وقطاعي متناغم يتطلب تأسيس رؤية جماعية يتبناها ويلتزم بها الجميع، وتتجه قوى الدولة والمجتمع لتكريسها وتنزيلها.
إن دروس الدول الشقيقة قبل الصديقة تحيل على قوة التزام الدولة وانخراط المجتمع في رسم الخطة وتنفيذها.
فلن يتحقق الحلم بحملة أو برامج متقطعة وتدخلات ظرفية.
ولن يبلغ المشروع مداه إذا ما استمر الكل في إلغاء السابق وتجاهل الماضي و النسخ والنسف والتكرار والعودة للنقطة الصفر.
ومما يؤسف لنكرانه وإهداره ما تمخض عن سنة 2014 من عمل جماعي شارك فيه مئات الخبراء والجامعيون والاطارات والناشطون من تقييم وبناء رؤية مستقبلية جديدة للتنمية المستدامة ضمن ملتقيات أسس التنمية المستدامة التي اقترحها ونسقها الخبير ورجل الدولة منير مجدوب، ورغم صياغتها النهائية وتوفرها في شكل وثيقة مرجعية بادر خلفه بتجاهلها وانطلقت من دوافع غريبة رحلة عبث وعمل عشوائي وحملات استعراضية غريبة بكلفة مهولة دون أي أثر يذكر ولا متابعة أو محاسبة.
إن الإقلاع البيئي لا يتطلب فقط إعلان وايا لا حتى بعث هياكل ببنايات ضخمة ذات إيجار بالمليارات.
والانطلاق الفعلي لا يحتاج إلى مجرد انتساب لفريق افتتاح ينفي السابقين ويعلن في حضرة أساتذته..هاأنذا..
آن الأوان لتتحول البيئة إلى مشروع دولة ومجتمع.
وتوجب تنشيط مختلف مؤسسات المجتمع للتنشئة على المواطنة البيئية واشتغال خلايا التربية والاتصال في سبيل تخريج جيل مدرك للواجب ومستبطن للثقافة المدنية ومهيأ للفعل والتحرك في اتجاه الحفاظ على المشترك وتنمية الأرصدة البيئية والتنموية وتعزيزها لا نهبها واستغلالها للصالح الفردي الضيق.
وتحتم توفير ما غاب من حلقات وأهمها استكمال هيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة.
واعتماد استقلالية الهيكل البيئي واعتباره سياديا أفقيا ولا يرجع بالنظر إلا لرئاسة الحكومة.
إن الجميع مطالبون بالتجند في سبيل خدمة المتجه المشترك بحماس أكبر من اللهفة على تلبية المطالب الشخصية والمصالح الفردية.
لا مفر من إطلاق مشروع جامع يتوازى فيه الحراك في القمة والقاعدة وتتفاعل الكتل وتتلاقى القوى والقدرات من أجل إطلاق مبادرة كبرى للإصلاح والتغيير والانتقال البيئي الشامل.
ولا بد من تركيز جهد أساسي على التربية والتنشئة ففي بلادنا، نفذت خلال ثلاث عقود برامج مهمة في هذا السياق قادتها الوكالة الوطنية لحماية المحيط ووزارة البيئة ووزارة التربية وجمعيات وهياكل محلية ودولية، غير أن الواقع اليوم يؤكد أن أثر تلك البرامج والمبادرات، بما فيها لنموذج التحسيسي «لبيب» محدود وباهت.
أين الخلل؟
لا شك أن الأسرة والمدرسة يتحملان مسؤولية أولية وحاسمة في تنشئة الجيل وبناء الوعي وتهيئة الضمير البيئي الجمعي، قبل تدخل بقية العناصر والمؤثرات بما فيها المحيط المجتمعي أو البيئة الثالثة وخاصة وسائل الإعلام.
وهنا، وتفاديا للإسقاط والارتجال، يتوجب التركيز على بناء منظومة متكاملة للتنشئة على المواطنة البيئية تقوم على دراسة تشخيصية متخصصة تأخذ في الاعتبار السياق المجتمعي والثقافي المحلي، والإشكاليات الملحوظة وكذلك التجارب السابقة.
مجال كبير للعمل والمبادرة والتعاون لإعادة البناء والتأسيس برؤية منهجية واضحة وبإرادة والتزام قويين بأهمية البداية من الجذور، بالتربية والتنشئة، وبدونها، تظل الأعمال المنجزة، حرثا في البحر ، وحملات ظرفية وتدخلات سطحية لا فائدة ترجى من ورائها غير التسويق والاستعراض.
ولعل من أولويات العمل التربوي تشريك الفاعلين وفي مقدمتهم المربين، وكذلك الأطفال والتلاميذ باعتبارهما فاعلا لا عونا متلقيا، ومجرد هدف يتلقى المواد والرسائل والمضامين.
الوعي والحس المدني البيئي، والواعزالمواطني هو الحل، في غيابه لا أفق للجهد ولا ديمومة للتدخلات..
ستبني وغيرك يهدم..
ستحاول، وسواك يفسد، وتستقيم وآخر يهزأ ويجرم(في حق البيئة، المشترك)
ستنظم حملات كلفتها مليارات، ويعود السيد المواطن والسيد كل الناس، ويقوم في غياب الرقيب بحركته السهل المعتادة، يبصق، وينفث، ويلفظ ويتخلص من قاذوراته في كل مكان..
مصبات عشوائية ونقاط سوداء، اعتداء على المساحات البيضاء، استباحة للملك العمومي البحري والغابي..
خطة عاجلة للتأسيس والبناء..مكن؟
طبعا، الأمل باق ما دامت الحياة..
في بيئتنا مجال كبير للفعل والإصلاح وإعادة التأسيس والبناء..ولكن..بشروط..
المقاربة بوعي وتخطيط منهجي، بعيدا عن منطق رد الفعل وشغل المطافىء.. والحملات وسد الثقوب..
عدم قصر البيئة وظلمها باعتبارها تنظيفا وماكياجا..البيئة أوسع وأكبر، والمؤسف أن تبتلى بمسؤول أول يراها، قطاعا، أو يعتبرها نظافة ورفع فضلات، على أهميته..ودقة الدور الذي تقوده البلديات والوكالة الوطنية للتصرف في النفايات..
والنظر لكافة مؤشرات البيئة مقدرات ومخزونا ومشاكل وتحديات ومخاطر..
البيئة بمنظوماتها الصحراوية والغابية والجبلية والجزرية والبيولوجية الجينية وآفاق حمايتها وتثمينها
ليست المسألة مهمة إدارة بهيكل بيئي ولا حتى وزارة، إنه مشغل أفقي كبير، كما البيئة، لا تقبل حصرها بهيكل قطاعي.
الحوكمة البيئية المطلوبة مساهمة فعلية واعية من الجميع في بناء السياسة واتخاذ القرار وتنفيذه
البيئة أمانة، نستلفها من أحفادنا، ليس من حقنا التسويف والارتجال.
رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة.
لا بد من طرح القضية كمسألة وطنية وأولوية هامة، والانكباب عليها ضمن حراك مجتمعي ورهان دولة ترنو لرسم ملامح مشروع يتضمن بناء نمط من البيئة والحياة والتنمية يحترم مقومات التوازن والاستدامة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا