بعد قرار حكومي صادم يجيز تعليب الاسمنت في أكياس بلاستيكية: لا لسياسات الموت

دعا الفنان مارسيل خليفة قبل سنوات الى ولاية داخلية قصد تكريمه وعند وصوله سألته الصحافة عن انطباعاته وهو يزور تونس

بعد سنوات من الغياب فأجاب إجابة فاجأت الجميع : «تألمت وأنا في الطريق لرؤية الأكياس البلاستيكية في كل مكان حتى على أغصان الأشجار» …
كان مقالي في الأسبوع الماضي تفاعلا مع تشكيل الحكومة الجديدة وضرورة بداية إدخال سياسات اقتصادية جديدة (سميتها سياسات الحياة) بدل السياسات الكلاسيكية التي تقوم على منطق واحد وهو النجاعة الاقتصادية للمؤسسة و التي خلفت مشاكل كبيرة ومنها التلوث العارم الذي اثر سلبيا على صحة الناس وبالتالي على نوعية حياتهم .
ولم أكن أعلم أن جدلا سيقوم في الأسبوع الموالي ضد قرار لحكومة تصريف الأعمال وسيقدم لي مثالا ملموسا وواضحا لتفسير وجهة نظري و بصفة جلية.
بدأت القصة بقرار لحكومة تصريف الأعمال صدر بالرائد الرسمي يتيح لصناعي الاسمنت التعليب في أكياس بلاستيكية .
كان الخبر صادما لا فقط للايكولوجيين ولكن أيضا للإعلاميين وحتى للناس العاديين. أولا لأن الكل يعلم حجم استهلاكنا من الاسمنت وبالتالي حجم الأكياس التي سترمى في الطبيعة وثانيا لان الحكومة السابقة أقرت الاستغناء عن استعمال الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد في المساحات التجارية الكبرى والصيدليات ستليها خطوة ثانية وهي منع تصنيع وتداول هذه الأكياس على التراب التونسي بداية من السنة المقبلة وقد كان هذا القرار تلبية لنداءات عديدة بعد أن أصبحت نفايات هذه الأكياس تشاهد في كل مكان من شوارع المدن إلى الحقول الفلاحية و مجاري الأودية وحتى الغابات البعيدة وما لتأثير المواد الكيميائية المستعملة لتصنيع هده الأكياس على الصحة العامة خاصة وان مادة البلاستيك تتفتت ولكنها لا تتحلل يعني أنها تبقى محافظة على تركيبتها الكيميائية لمئات السنين وهو ما يجعلها سهلة الدخول في الدورة الغذائية للإنسان .
ورغم أننا كنا نرى أن قرار الحكومة السابقة كان متأخرا لان دولا افريقية أخرى سبقتنا إلى ذك ( مثل رواندا ) ولكننا رحبنا به على أمل أن تلي هذه الخطوة خطوات أخرى لمزيد الحد من تداول هذه المادة الخطيرة .
ولهذه الأسباب أثار قرار الحكومة الأخير تساؤلات كثيرة وأصبحت المسالة بمثابة قضية رأي عام وبقينا ننتظر رد وزير الصناعة الذي يبدو انه صاحب المبادرة والمدافع الوحيد عنها ولكن تبريراته لم تكن مقنعة بالمرة لعدة أسباب :
قال الوزير انه لتقليص كلفة الإنتاج كان هناك طريقان : الأول هو استبدال الطاقة المستعملة وهي النفط بطاقة متجددة (الشمس) وقال انه اعد لذلك دراسة في الغرض ولكنه أكد انه لا يعلم إن كان هذا الخيار سيطبق أم لا .
الطريق الثاني هو استبدال جزء من الأكياس الورقية بأخرى بلاستيكية .
الملاحظة الأولى هي أن الوزير لم يبد متحمسا كثيرا لخيار الطاقة المتجددة رغم أن هذا الخيار الايكولوجي ليست له فائدة مادية فقط للمؤسسة بل كذلك فائدة اعتبارية وهي تجنب حرق أطنان كثيرة من النفط كل سنة وبالتالي عدم إطلاق كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون في الجو المسبب للاحتباس الحراري وتجنب تلوث الهواء خاصة وان قطاع إنتاج الاسمنت من القطاعات الكبيرة المستهلكة للنفط.
قدم الوزير حلا ممتازا يجمع بين النجاعة الاقتصادية وتجنب تلوث المحيط ويمكن ان يدخل في خانة ما أسميته في مقالي السابق ب «سياسات الحياة» ولكنه اختار أن يدافع عن الحل الثاني الذي صنفته ضمن خانة « السياسات الكلاسيكية « حتى لا أقول عبارة أكثر صدقا وهي «سياسات الموت».
دافع الوزير عن الأكياس البلاستيكية وقال إن تركيبتها غير سامة Polypropyléne) (وان رسكلتها سهلة وأنها تجنب تلف الاسمنت وبأن سعر كلفة الاسمنت التونسي أكبر من تكلفة نظيره التركي وهذا ما منعنا من التصدير إلى الشقيقة ليبيا وختم كلامه بعبارة «لا بد من تحرير الطاقات».
وللرد لا بد من ذكر حقائق علمية أخرى أولها انه لتصنيع هذه الأكياس يتم حرق البترول وما يعنيه ذلك من احتباس حراري (بصمة كربونية عالية وتلوث للهواء كما أن مادة polypropyléne هي مادة كيميائية سريعة التلف عند تعرضها للبرودة او للحرارة وهذا ما يجعلها سريعة التسرب إلى الدورة الغذائية كما أن رسكلة هذه الأكياس تكون صعبة عندما تكون بها آثار طباعة .
ولنلخص نستطيع أن نقول انه بالنسبة للبلاستيك ليس هناك نوع سيء وآخر جيد مادامت التركيبة كيميائية وأيضا لأنها تلقى في الطبيعة بأعداد مهولة .
وللحديث عن «أهوال» البلاستيك نستطيع أن نكتب مجلدات ولكني سأكتفي بذكر بعض الأمثلة القليلة فعلى مدى ستة أشهر قامت مهمة علمية فرنسية على متن سفينة شراعية اسمها TARA (كان لي شرف التعرف على فريقها) كان هدفها اخذ عينات من مياه البحر المتوسط لأخذ فكرة عن مدى تلوثها بمادة البلاستيك فوجدت أن بحرنا هو أكثر البحار تلوثا بهذه المادة وان هذه الأخيرة مفتتة إلى أجزاء صغيرة ولكنها محافظة على تركيبتها الكيميائية وهو ما يجعل تناولها من قبل الأسماك والأحياء البحرية سهلا مما يعني وصولها إلى أجسادنا .
ونظرا لخطورة الحقائق التي توصلت إليها المهمة فقد قامت وبالاشتراك مع ثلاث جمعيات عالمية بتنظيم ندوة في مدينة موناكو كان عنوانها «البلاستيك في المتوسط بعد التشخيص ماهي الحلول» قدم خلالها كثير من الخبراء والعلماء توصيات كان من أهمها الحد من تصنيع وتداول هذه المادة في حياتنا اليومية لان تداعياتها خطيرة على الصحة العامة .
استطيع أن أضيف مثالا آخر صادما وهو من برنامج قدم على إحدى القنوات التلفزية الفرنسية اهتم بمادة البلاستيك إذ قام الفريق بعدة تجارب عشوائية منها اخذ عينات لدماء بعض المارة من عدة مدن وتحليلها فوجدوا أن كل التحاليل تحتوي على الأقل على مكون من المكونات الكيميائية للبلاستيك مثل Bisphénol A .
كما قام الفريق بأخذ عينات عشوائية من رمال عدة شواطئ فوجدوا أن كل الشواطئ تحتوي على البلاستيك في أحجام صغيرة وغير مرئية.
تثبت هذه الأمثلة القليلة شيئا واحدا وهو تغلغل وجود البلاستيك في كل مكان من البر إلى البحر إلى أجسادنا وغالبا في أحجام غير مرئية وان لهذا كله انعكاسات سيئة ومعروفة على نوعية صحة البشر وخاصة تفشي الأمراض الخبيثة.
ولهذه الأسباب وغيرها فإن قرار تعليب الاسمنت في أكياس بلاستيكية قرار غير مسؤول وأكثر من هذا يعبر عن عقلية لم تعد تتماشى وخصوصية العشريات الأخيرة التي تتميز باستفحال التلوث وأثار التغيرات المناخية وتردي الصحة العامة إلى غير ذلك من نتائج سياسة ما عبر عنه الوزير بـ «يجب تحرير الطاقات».
إن «تحرير الطاقات» في العرف الاقتصادي الكلاسيكي يعني ببساطة «حرية فعل كل شيء من أجل أن يربح صاحب المؤسسة مزيدا من المال حتى ولو كان ذلك سيسبب وبالتدريج قتل الإنسان وكل أشكال الحياة على كوكب الأرض» .
ولهذه الأسباب وغيرها فقد كنت اكرر في كثير من مقالاتي إننا في مفترق طرق نحتاج فيه إلى مفكرين أكثر من التقنيين الذين مازالوا لم يفهموا جيدا أهوال الواقع الجديد ومتطلباته...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا