براءة الطفولة ونقاوة المحيط

كم نحتاج إلى كتابة بسيطة حكيمة في صفحة بيضاء ناصعة، تبقي الأثر وتحسن الجوهر قبل المظهر.

سيبقى الخلل قائما في تعاطينا مع المسألة البيئية ما دمنا نتحرك من أجل الآن، ونسعى للتدارك والتحسين والتجميل وترتيب حال راهن يبدو للعيان، وما خفي كان أعظم.
البيئة، مقدس متصل بحقوق أجيال ومقدرات أمم وشعوب، لا يمكن فيها اعتماد التجارب والأعمال السطحية والاستعراضية بدعوى لزوم ما يلزم.
وهناك في رأيي خطآن قاتلان يضربان مقاربات البيئة عندنا ويشلان حركتها ويضرمان فيها نيرانا قاتلة..

النظر للبيئة بعين قاصرة جزئية على أنها نفايات ونظافة، والسعي للتحرك العاجل والتدخل العرضي، والارتجال والعمل بلا تخطيط منهجي، ولا استمرارية، وبدون رؤية.
ولعل أبرز ترجمة لهذا القصور إغفال الأجيال القادمة في منهج الإشراك والتغيير الذهني والفكري وعدم برمجة خطة مناسبة للتربية وتنشئة جيل المستقبل على ضوابط احترام البيئة ومكوناتها وشروط توازنها وديمومتها.

فلا أفق لأي برنامج ولا مستقبل لأية سياسة ولا نجاح لمقاربة لا تتضمن حلقة مهمة لتنشئة الطفولة وتوعية الصغار وتهيئة الشباب عبر آليات التدريس والتدريب والتنشيط البيئي العملي لتمثل المفاهيم وتبني الممارسات الصديقة للبيئة و من ثم اعتماد السلوك القويم والرشيد منذ الصغر عن وعي وقناعة ومعرفة.
فالطفل اليوم، هو الحل والأمل، والمدخل لبداية تجاوز مسببات المعضلة.

تقول الباحثة سلوى كرم إن «الطفل هو مستقبل الأوطان، لذلك يجب تربيته تربية سليمة صحيحة خالية من كل العاهات الجسدية والنفسية والانفعالية، من الطبيعي ان يكون دور المرأة أساسياً في هذا المجال، ومن الطبيعي ان تعود التنشئة البيئية أساساً لنظرة وطنية صادقة، نريدها منطلقا لوطن يبنى على القيم والأخلاق.

وتضيف :«ان الأسرة، كمجتمع صغير، عبارة عن وحدة حيّة، ديناميكية، لها وظيفة تهدف نحو الطفل، نموّاً اجتماعيا وسلوكيا، عن طريق التفاعل العائلي الذي يقوم بدور هام في تكوين شخصيته وتوجيه سلوكه. ففي رحاب العائلة التي يسودها الوفاق والتعاون ينمو الطفل نمواً صحيحاً، سليماً، ويعيش في جنباتها المراهق حياة هادئة متّزنة، طالما تعتبر الأسرة الخلية الأساسية التي تؤثر أكبر تأثير على حياة الطفل والمراهق على السواء، لأنها تعدّه للحياة الاجتماعية وتخلق في نفسه الثقة والتماسك والاتزان، وتحدّ من انحرافاته وانزلاقه في مهاوي الغرائز الحيوانية والشهوات الجنسية الجامحة. يرى علماء النفس والاجتماع والتربية ضرورة الاهتمام بالطفل منذ ولادته ومراقبة عملية نموّه والتغيرات الانشائية البنائية التي تسير به الى الأمام حتى يكتمل نضجه.

ويتضمن النمو نواحي عديدة. فهناك نمو يتصل بالنواحي الجسمية، ونمو يتعلق بالنواحي العقلية والعرفانية، ونمو يتصل بالنواحي الانفعالية، إضافة الى النمو الذي ينسجم مع الدوافع والاتجاهات والسلوك. وهذه النواحي تعمل كوحدة متماسكة يؤثر كل منها في الآخر. فالنمو العقلي والانفعالي مثلا يتأثران الى حدّ بعيد بالنمو الجسمي، وان الاضطراب أو النقص أو الشذوذ في أي ناحية من نواحي النمو، يؤدي الى اضطراب في التكوين العام للطفل، فلأساليب التربية الخاطئة تأثير بعيد المدى على نشوء الطفل والمراهق وتكيّفها. وتلعب الوسيلة التي يتربّى بها الطفل في سنواته الأولى دورا مهمّا في التأثير على تكوينه النفسي والاجتماعي أو بعبارة أعم، على تكوين شخصيته. فإن كانت هذه الطريقة أو أسلوب التربية تقوم على اثارة مشاعر الخوف وانعدام الأمن في نفوس الأطفال الصغار في مواقف متعددة، متكررة، ترتَّب عن ذلك تعرّضهم للاضطراب النفسي والتأخر في نواحي النمو المختلفة والذي يؤثر دون شك، في صحتهم النفسية وفي مستقبل حياتهم، ومن أهم الاسباب المؤدية الى هذا الاضطراب هو الحرمان».
وعلى هذا الأساس يقام اليوم بدار الثقافة رواد منتدى للطفولة والبيئة بتنظيم من شبكة جمعيات البيئة فايقين لبيئتنا، يدرس سبل تطوير مقاربة جديدة للتنشئة البيئة ومعالجة قضايا البيئة استراتيجيا بالاعتماد على التربية.

ومعلوم أن التربية البيئية تسعى إلى تطوير عالم سكانه أكثر إحساسًا واهتمامًا بالبيئة ومشكلاتها، ويمتلكون المعارف والمهارات والدوافع والالتزام بالعمل فرادى وجماعات لحل المشكلات القائمة ومنع ظهور مشكلات جديدة ، وهنا تظهر حتمية التربية البيئية لتعاظم تأثير الإنسان فى بيئته فى مرحلة التقدم التكنولوجي ، مما أدى إلى ظهور العديد من المشكلات البيئية التى تهدد الإنسان أولا ثم البيئة التى يعيش فيها ومن أمثلة هذه المشكلات: التلوث، والاستنزاف والتصحر واختلال التوازن الطبيعي و أن الوسيلة الرئيسة الفعالة لتنمية الوعى البيئي لدى الانسان، وإكسابه القيم البيئية ، والسلوك البيئي السليم هو إدخال التربية البيئية ضمن برامج التعليم العام (المدرسة والجامعة)، وأهمية توعية جميع أفراد الشعوب في جميع الأعمار توعية بيئية مستمرة وإعادة النظر في المناهج بصورة عامة من خلال وسائل الاعلام والاتصال بأنواعها المختلفة.

 لمّا كانت الأسرة المسؤول الأول والمباشر في عملية التنشئة الاجتماعية فهي ملزمة بتلقين أفرادها القيم ومعايير السلوك والاتجاهات المرغوب فيها، ومن خلال التواتر الزمني والسيرورة في التنشئة الاجتماعية تظهر نتائج هذه العمليات عن طريق اتباع طرق وقواعد عامة ثابتة لا يمكن للفرد البالغ أن ينساها فقد نشأ وكبرت معه تلازمه عبر مراحل نموّه، إن ثمار السلوك التي نراها في أبنائنا لا يمكن أن تأتي دون أن تكون موجودة لدى الأباء وفي هذه الحالة تلعب المرجعية الأبوية التي ترعرعوا عليها دورا بالغ الأهمية في زرعها لدى أبنائهم، فكما يقول المثل الشائع «فاقد الشيء لا يعطيه» فكذلك الآباء كيف يمكن أن يمدوا التنشئة الاجتماعية للأبناء تحفز وتنادي بإدراك واعتبار أهمية البيئة بالنسبة لهم دون أن يملكوا رأس المال الثقافي فدون أن نخوض في هذه المسألة والتي تمثل إشكالية أخرى نركز على المهام التربوية للأباء في تنشئة أبنائهم، فهذه العمليات (التنشئة الاجتماعية)تكون باستمرار ويومية فهي تتأثر بأحداث تستقطبها من الرأي العام ومن الأخبار الوطنية قادرة على أن تشكل لها أي الوالدة فكرة واضحة حول أهمية البيئة لهم ولأبنائهم.

فالأسرة الواعية تستغل هذه الأحداث لتدعم بها طرق تنشئتها الاجتماعية حيث ينصح المربون المختصون في التربية «أن تتجه التربية في نبيئة المنزل، وجهة طبيعية مؤداها توثيق الصلة بين الطفل والطبيعة» ، قصد تقوية روح المشاهدة والملاحظة عند الطفل فهي تشغل هذه العلاقة في ترويض أبنائها في حب بيئتهم والمحافظة عليها وتنمي فيهم الشعور بما تؤول إليه البيئة، إذا غفلوا عن العناية بها، وما يصيبهم من جراء هذا الاهمال لها، تأصيل القيم البيئية في الفرد ليس وليد محاضرة تسمع أو مقالة تقرأ أو دروس تعليمية مبرمجة في المدارس، ولكن هذه القيمة نعيشها يوميا وذلك عن طريق التطيق الفعلي والممارسة، فاستدراك الطفل منذ صغر بأن له دور يقوم به تجاه نجاله-داخلي أوخارجي- فهي تشعره بانه له عمل منذ حداثة سنه، فيبدأ الإدراك على مستواه العقلي بأنه يحي في بيئته التي يجب أن يحافظ عليها، لا من مبدأ الامتلاك ولكن من مبدأ العيش فيها، وأنه عنصر لا يتجزأ منها. لأن هذا الاشتراك في حقيقة الأمر تدريب ومهارة وإسهام في إعداد الرأي واتخاذ القرار مستقبلا من مبدأ الفعالية الاجتماعية، وبناءا عليه فإن الثقافة البيئية التي تتجسد من خلال التربية البيئية شأنها في ذلك شأن أي نوع من التربية يجب أن يحقق أهدافا يمكن تصنيعها في ثلاثة أبعاد

هي البعد الإدراكي: ويضم المعلومات التي ينبغي أن يعرفها الأفراد والجماعات نحو بيئتهم البيوفيزيقية، وكل ما تحتويه من موارد وما تتعرض له من مشكلات
والبعد المهاري : ويشمل المهارات التي ينبغي أن يكتسبها الأفراد والجماعات ليتمكنوا من التعامل الفعال مع بيئتهم.
والبعد الانفعالي: ويختص بالاتجاهات والاهتمامات و أوجه التقدير التي ينبغي أن يكتسبها الأفراد والجماعات لترشيد سلوكهم إزاء بيئتهم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا