في انتظارانتخابات تشريعية قريبة : سسياسيونا المقبلون وضرورات الاقتصاد الأخضر

في خضم موجة الحرارة الشديدة التي تعرفها فرنسا وباريس خاصة هذه الصائفة نظم البرلمان الفرنسي لقاء حواريا مع الناشطة السويدية

الشابة 16 ربيعا (Greta Thunberg) والتي أصبحت في اشهر قليلة «ايقونة» عالمية في مجال محاربة التغيرات المناخية وذلك بعد اعتصامها الشهير العام الماضي امام مقر البرلمان السويدي مطالبة نواب شعبها بالتحرك الإيجابي …

جاء هذا اللقاء معها بعد كلمة مماثلة القتها Greta قبل مدة امام البرلمان الأوروبي ذكرت فيه السياسيين بلغة سلسة بضرورة الانصات الى تحذيرات العلماء بخصوص خطورة الوضع المناخي العالمي ودعتهم الى التحرك من اجل تجنب الكارثة .

في الولايات المتحدة الامريكية هناك جدل هذه الايام في الراي العام حول مدى جدوى انتخاب رئيس دولة لا يعترف بوجود تغييرات مناخية (جسدها بالانسحاب من اتفاقية باريس) في حين يعاني المواطن الامريكي واقعيا من تبعات هذه التغيرات (الجفاف وحرائق الغابات في ولاية كاليفورنيا مثلا )
جسدت هذا المواقف مرة أخرى تقاطع المشكل البيئي الكوني مع عالم السياسة المغلق عادة على نفسه في وقت نشهد هذه الأيام في تونس تقديم الأحزاب والمستقلين لقائمات مرشحيها للانتخابات التشريعية القريبة .
نعلم انه في نظام برلماني فان الفائز في الانتخابات التشريعية هو من سيقوم برسم التوجهات الكبرى للبلاد للسنوات الخمس المقبلة ولكن على أي أساس وعلى ضوء أي فهم للواقع ?

في أوروبا يتعاظم يوما بعد يوم الوعي لدى الطبقة السياسية بالصبغة الاستعجالية للتحرك من اجل الحد من اثار التغيرات المناخية وحتى من اجل وقف استعمال مواد كيميائية في الفلاحة وقد أظهرت نتائج انتخابات أعضاء البرلمان الأوروبي الأخيرة ان القوة السياسية الثالثة في فرنسا أصبحت «حزب الخضر» ولكن قراءة اكثر عمقا للنتائج سوف توضح لنا انه لوتحالفت جل الحركات اليسارية الفرنسية ذات التوجه البيئي مثل حركة «جون لوك ميلانشان « و»بونوا هامون « لتحصلت على الصدارة .

كما نتذكر الجدل الكبيرالذي وقع في فرنسا أيضا حول ضرورة منع استعمال المبيد الكيميائي «القليفوسات» في مجال الفلاحة بعد تاكيدات علمية حول ضرره على صحة الناس .

ورغم هذا الوعي الأوروبي فان هامش التحرك الفعال في الواقع بقي دون المامول وهذا ما دفع مثلا وزير البيئة والانتقال الايكولوجي الفرنسي « نيكولا هيلو» الى الاستقالة وما صاحب ذلك من جدل حول مدى قدرة السياسي على التغيير في ظل تعاظم نفوذ لوبيات اقتصاد البترول والصناعات الكيميائية .
ولكن ما هو حظنا نحن في تونس من هذا الجدل الحاصل في الخارج ?

اكاد اجزم «لاشيء» على الأقل على المستوى السياسي .

فعند تدشين احدى محطات الطاقات النظيفة (الشمس) علق المسؤول حينها على ان هذا التوجه جاء نتيجة تراجع انتاجنا من الطاقات التقليدية ونفهم من هذا نقصا في الوعي بدقة المرحلة الكونية التي يمر بها كوكب الأرض ومتطلباتها الشاملة .
ولكن لماذا هناك مشكل بيئي كوني ?

اكيد انكم لاحظتم ان بلادنا مرت طيلة 3سنوات متتالية بفترة جفاف تجسدت في انخفاض منسوب مياه اغلب سدودنا وهدد بأزمة مائية حادة شعر بها المواطن العادي بفضل الانقطاعات المتكررة للماء الصالح للشراب عن المنازل ثم تلا هذه السنوات العجاف سنة تميز فيها نزول الامطار بفياضانات كبيرة وغير مالوفة مثل فيضانات مدينة نابل .
علميا تفسرهذه الاحداث المناخية على انها جزء من الاختلال المناخي الذي يعيشه كوكب الأرض برمته والذي منه مثلا موجة الحرارة الشديدة التي عرفتها فرنسا في النصف الأول من شهر جويلية الحالي والجفاف الحاد الذي أصبحت تعاني منه استراليا و…

يقول العلماء ان هذه الاختلالات ستتعاظم في المستقبل لتصبح كثير من الأراضي غير صالحة للزراعة لنقص المياه وستغمر مياه البحر مناطق ساحلية كثيرة وستظهر امراض جديدة في مناطق لم تعهدها ناتجة عن «جراثيم « تنمو في درجات حرارة معينة وستجف كثير من البحيرات والمناطق الرطبة التي كان وجودها سبب عيش ملايين من البشر وستنقرض كثير من النباتات والحيوانات واثار أخرى كثيرة يمكن التكهن بها وأخرى لا يمكن توقعها وهذا سوف يمثل تهديدا جديا لمستقبل وجود الانسان في مناطق كثيرة من العالم .

على ان مشكل التغيرات المناخية ليس المشكل البيئي الوحيد الذي تعاني منه البشرية و استطيع ان اضيف مثلا مشكل التلوث الناتج عن المواد الكيميائية الكثيرة التي «غزت « حياتنا والتي لوثت الهواء والمياه والتربة ومنها المواد الخطيرة المستعملة في الفلاحة او أيضا البلاستيك.
ودون تهويل نستطيع القول اننا في تونس جزء من كوكب يعيش ازمة وجود او فناء ولذلك تتالت في السنوات الأخيرة دعوات العلماء والناشطين البيئين والكتاب وحتى بعض السياسيين الى ضرورة التحرك العاجل من اجل انقاذ المجتمع البشري من اكبر مشكل وجود تعرفه .

والتحرك طبعا هو بالتخلي عن نمط الإنتاج والحياة القديم القائم على حرق النفط والغازوالفحم وذلك لا يكون الا بمقاربة جديدة للاقتصاد والحياة تقوم على مبداي «النقاء» والاستدامة.
ولكن اسال مرة أخرى اين نحن من هذا الجدل العالمي الذي يهمنا جدا ?

بعد شهرين تقريبا سوف ننتخب سلطتنا التشريعية والتنفيذية فهل لدينا وعي بأزمة الوجود هذه والتحديات التي تواجهها تونس في السنوات المقبلة ?

هل من المرشحين في القائمات الانتخابية من لديه الاطلاع الكافي والرؤية الشاملة لما يحدث في العالم والوعي بان المطلوب واللازم هو تنمية جديدة ذات صبغة بيئية (اقتصاد اخضر) خاصة ونحن في تونس نتوفر على البدائل الطبيعية اللازمة للتغيير ففي سنة واحدة وبفضل مشروع جريء للطاقة الشمسية تمكنت ولاية توزر من الاكتفاء الذاتي من الطاقة الكهربائية النظيفة ?

ورغم جدية الخطوة التي ننتظر ان تتدعم وتتعزز في المستقبل فان للدولة كذلك مشاريع بحث عن الطاقات التقليدية (نفط و غاز) في باطن الأرض رغم ان توصيات مجموعة علماء الأمم المتحدة حول المناخ GIECهي ضرورة بدء التخلي التدريجي عن هذه المصادر للطاقة.
هل من المسجلين في القائمات الانتخابية من يؤمن بفلاحة جديدة ايكولوجية تقطع مع الوسائل الكيميائية التي اثبت العلم خطورتها الكبيرة على صحة الناس ?

هل من الذين ينوون ان يصبحوا وزراء وكتاب دولة في الأشهر القليلة المقبلة تصور لصناعة وطنية جديدة غير ملوثة ومتناسقة مع الاحتياجات الأساسية للتونسي وللبيئة المحيطة بالمصنع ?
هل من المرشحين البارزين لمنصب رئيس الحكومة تصور متكامل لنشاط اقتصادي تونسي بديل مستدام وشامل ويستجيب لمتطلبات المرحلة القادمة ?

قالت الناشطة السويدية في حديثها امام البرلمان الفرنسي انه الى اليوم لا يوجد بلد واحد استجاب بالكامل لمتطلبات المرحلة .
أتمنى ان تكون تونس , البلد الصغير والمؤهل اكثر من غيره لان تنجح فيه تجربة الانتقال الايكولوجي اول بلد يصدر هذه التجربة الى العلم باسره …

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية