تربة الخصب..مهد البناء

لا يعلم الكثيرون أن للحياة والتنمية والاقتصاد مرتكزات وموارد اساسية في مقدمتها الهواء والماء والتربة، ويمثل تقليص اي منها واستنزافه أو تدمير تركيبته وتوازنه والحد من تجدده أحد أسباب التدهور والنهاية الوشيكة المحدقة بأنظمة الكون وفي مقدمتها البشر.


لم يكن على الخبراء البيئيين ارتقاب مواعيد مؤتمرات وقمم عالمية على غرار مؤتمر ريو1992 لإدراك أهمية التربة ورسم الخطط والبرامج الكفيلة بضمان حمايتها وديمومتها.

قد عرفت البرامج الوطنية في مجالات حماية المياه والتربة تجارب عريقة في حماية المنظومات ورصد مقدرات البلاد وتشخيص مخزونها من الأراضي واتخاذ التدابير الفنية لضمان صونها وتثمينها.

تمثل مدونة الأستاذ عمر مطيمط الثرية من مقالات علمية، ومن أطلس التربة للبلاد التونسية، وأخيرا، التربة في اختبار الاستدامة من التدبير للحوكمة، خزانا من الشواهد والمعلومات ومرايا لزخم المشاريع والمخططات والتدخلات التي أنجزت على امتداد عقود في سبيل حماية الأراضي واستصلاحها ومقاومة ما يهددها من انجراف، ويرسم الخبير مطيمط في عمله الأخير رؤية واضحة موثقة بالرسوم والخرائط لما يتعلق بالمجال من حيث أهميته ومجالات تدخله وآثاره، وما أنجز في الفترات السابقة، والمخاطر والاشكالات المتعددة.

ويمثل العمل الجديد كسبا مهما في ظل ندرة المختصين في علم التربة ويعدون على أصابع يد واحدة وهو لبنة جديدة في صرح المكتبة البيئية والعلمية المتخصصة في هذا المجال العلمي الدقيق.

يطرح العمل الجديد أسئلة مهمة تتصل بواقع السياسة الوطنية في مجال التصرف وحوكمة التربة من مختلف الزوايا وباتصال بسياقات التنمية الزراعية المستدامة والفلاحة البيولوجية ومتجهات تحقيق الاكتفاء الغذائي

كما يحيل لضرورة بعث بنوك معطيات وشبكات معلومات وموارد حول أهل الاختصاص وأصحاب الفكر والخبرة والمعارف الثمينة والنادرة قصد تيسير التواصل معها والاستفادة من مخزونها وقيمها المضافة.

يطرح حتمية توفير قدر أدنى من الاحتفاء بهؤلاء الخبراء وتثمين محصول عطائهم ومسار تحصيلهم المعرفي وبرامجهم المهنية والاكاديمية ومنتجاتهم العلمية في تأطير الباحثين وغيرها من حلقات نشاطهم قبل الاحالة على شرف المهنة ، وضمان الاستفادة من ثرائهم العلمي والفني الميداني في رسم الخطط الاستراتيجية وتعديل المسار وضبط ملامح البرامج الوطنية القطاعية الهامة.

كما يفرض مأسسة تلقف أعمالهم ومؤلفاتهم وتيسير سبل توثيقها ونشرها وترويجها ضمانا لاستثمار بنات أفكارهم ومخرجات رحلاتهم الطويلة بين الدراسة والتدريس والعمل والبحث والتكوين المستمر

إن اعتماد مقاربتنا المأمولة في مجالات الفلاحة والبيئة واستدامة التنمية بكافة أوجهها تتطلب شروطا من بينها أخذ وجهات نظر الخبراء المتخصصين في فروع البيئة وروافدها من المساهمين في بناء السياسات والاستراتيجيات الوطنية في المجال في عقود بناء دولة تونس الوطنية.

ففي بلادنا مئات من أمثال عمر مطيمط وعبد العزيز موقو وعامر الحرشاني والمهيري والجبالي والنابلي ..يملكون ارصدة لا تقل قيمة عن مخزون البنك المركزي، غير أنهم لا يتألقون كما يتوهج لا يترددون في تلبية الدعوة بالحضور والإثراء والإفادة.

أمثال هؤلاء الرواد بما أوتوا من معارف وخبرات وخصال متفردون وهم أشبه بعناصر غنية مخصبة و مغذية لتربة الفكر والتخطيط الاستراتيجي والبناء الراسخ لمنظومتنا البيئية والتنموية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا