ما لم يُعتمد برنامج قوي وموثوق للإصلاح يحظى بتأييد واسع النطاق: صندوق النقد الدولي يحذر من وصول المديونية في تونس إلى مستوى غير مستدام

• تنفيذ خارطة طريق لاستهداف التضخم وتجنب التمويل النقدي للميزانية
• إصلاح آلية تعديل أسعار المحروقات • إجراء زيادة في تعريفة الغاز والكهرباء

قال صندوق النقد الدولي في بيان صحفي إثر اختتام المجلس التنفيذي لمشاورات المادة الرابعة لعام 2021 مع تونس أن الأولوية العاجلة تتمثل في إنقاذ الأرواح والأرزاق وتحقيق الاستقرار الاقتصادي إلى حين انحسار الجائحة وشدد على ضرورة أن ترتكز السياسة الاقتصادية على استعادة الاستدامة المالية وبقاء الدين في حدود يمكن الاستمرار في تحملها، وتشجيع النمو الشامل.
أصدر صندوق النقد الدولي في تقرير خاص بتونس عقب إصداره للبيان الذي يتنزل في إطار تطبيق المادة الرابعة من اتفاقية تأسيس صندوق النقد الدولي التي تنص على إجراء مناقشات ثنائية مع البلدان الأعضاء تتم في العادة على أساس سنوي. ويقوم فريق من خبراء الصندوق بزيارة البلد العضو، وجمع المعلومات الاقتصادية والمالية اللازمة، وإجراء مناقشات مع المسؤولين الرسميين حول التطورات والسياسات الاقتصادية في هذا البلد. وبعد العودة إلى مقر الصندوق، يُعِد الخبراء تقريرا يشكل أساسا لمناقشات المجلس التنفيذي في هذا الخصوص و قد أكد فيه أن إستقرار الاقتصادي يعد ضمن أولوية العمل بالنسبة لتونس وقد إقترح فريق خبراء صندوق النقد الدولي لمواجهة التحديات مواجهة التحديات العاجلة باستهداف عجز مالي قدره 6.7 % من إجمالي الناتج المحلي في عام 2021 الأمر الذي سيؤدي إلى تحسين نسبة العجز (باستثناء المنح) بنحو 4.8 في المائة من إجمالي الناتج المحلي .
وقصد تحقيق ذلك جدد صندوق النقد الدولي توصياته بشأن خفض كلفة الأجور ودعم الطاقة مع إعطاء الأولوية للإنفاق العاجل المتعلق بالصحة وحماية الفئات الضعيفة، ففي ما يتعلق بكلفة الاجور ،فإن المؤسسة الدولية تدعو إلى تخفيض في كلفتها إلى 16.8 % من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي (مقابل خط الأساس للموظفين البالغ 17.5 %) أي مع وجود هامش توظيف في القطاعات ذات الأولوية مثل الصحة.
كما يمكن للسلطات الإعلان مسبقا عن قواعد محددة مثل تجميد الترقيات لمدة عام واحد ، وإيقاف التوظيف لأسباب اجتماعية وسياسية بحتة علاوة على التوقف إحداث أي هيئات عامة جديدة بهدف خفض كتلة الأجور ، لأن أي إحداث جديد من شأنه أن يعني التزامات طارئة أعلى للحكومة ويضعف المزيد من الاختلالات المالية.
وفي ما يتعلق بمسألة دعم الطاقة، فقد ذكر الصندوق أن ميزانية 2021 تتوقع انخفاضًا في دعم الطاقة إلى 0.3 % من إجمالي الناتج المحلي، مع اقتصار تغييرات الأسعار الشهرية على 2 % بموجب آلية التعديل التلقائي لأسعار المحروقات. ويرى الصندوق ان أسعار النفط ستتجاوز 45 دولارًا للبرميل الذي تم إدراجه في قانون المالية 2021 و لذلك ينصح صندوق النقد الدولي بإصلاح آلية التعديل لأصناف الوقود الثلاثة عن طريق السماح للأسعار في المضخة بالتحرك بشكل وثيق مع أسعار الاستيراد وتوسيع نطاق تعديلات أسعار الشهرية و في السياق الإصلاح للشركة التونسية للكهرباء والغاز دعا السلطات التونسية إلى النظر في إجراء زيادة في تعريفة الكهرباء والغاز مع الحفاظ على التعريفات الاجتماعية للأسر الفقيرة.
كما دعا صندوق النقد الدولي السلطات التونسية إلى ضرورة زيادة الإنفاق الاجتماعي وتسريع العمل لتحسين استهداف التحويلات الاجتماعية بالإضافة إلى مراقبة التحويلات إلى الشركات المملوكة للدولة عن كثب وربطها بتحسينات الأداء ، ودعا السلطات إلى تعزيز عدالة النظام الضريبي وجعله أكثر دعما للنمو ،فضلا عن اتخاذ إجراءات لتسوية المتأخرات المتراكمة في نظام الضمان الاجتماعي.
وفي ما يتعلق بالتمويل، فقد رأى الصندوق أنه بالنظر إلى المخاوف المتعلقة بالقدرة على تحمل الديون، ينبغي على السلطات أن تسعى للحصول على تمويل خارجي بشروط ميسرة وطويل الأجل ، مع تمديد موعد استحقاق تمويل السوق.
كما حث خبراء الصندوق السلطات على تجنب تكرار التمويل النقدي للميزانية وتشجيعها على إعداد تدابير طارئة (زيادة الإيرادات الإضافية أو خفض الإنفاق) ، في حالة نقص التمويل المتاح ويبدو أن الصندوق يعتبر في تمشي لجوء البنك المركزي إلى تمويل الميزانية يهدد الاقتصاد ويحرم القطاع الخاص من السيولة و قد أكد الصندوق على ضرورة أن تركز السياسة النقدية على التضخم عن طريق توجيه أسعار الفائدة قصيرة الأجل، مع الحفاظ على مرونة سعر الصرف.
كما شدد الصندوق على ضرورة تنفيذ إصلاحات واسعة النطاق للمؤسسات العمومية بغية تخفيض التزاماتها الاحتمالية. وحث السلطات على اعتماد خطة للحد من مخاطر هذه المؤسسات على المالية العمومية والنظام المالي، وتعزيز الحوكمة المؤسسية، وتحسين إعداد التقارير المالية والشفافية.
وتعد توصيات الصندوق النقد الدولي والتقييم الصادر يوم الجمعة عموما ليست بالجديد غير أن المؤسسة الدولية نبهت بشكل لافت إلى مسالة المديونية ،حيث قال صندوق النقد الدولي أن الدين العام التونسي  من الأرجح  أن يبلغ مستوى غير مستدام ما لم يُعتمَد برنامج قوي وموثوق للإصلاح يحظى بتأييد واسع النطاق.
وقد فسر الرئيس السابق للجمعية التونسية المهنية للبنوك أحمد كرم في تصريح ل» المغرب» أن بلوغ المديونية مستوى غير مستدام يعني بأن إمكانية سداد القروض يصبح صعبا أمام المستوى العالي للدين بالعملة الصعبة وذلك مقارنة بالإمكانات المتوفرة والتي تدهورت جراء التراجع الكبير للصادرات وتدحرج عائدات القطاع السياحي، بحيث تصبح جدولة الديون أمر لا مناص منه خاصة إذا لم يتم إدخال الإصلاحات الضرورية لدفع الادخار والاستثمار.
وتجدر الإشارة إلى نسبة الدين الخارجي من إجمالي الناتج المحلي قد ارتفعت إلى 97.4 % في 2018 وانخفضت إلى 92.8 % في عام 2019. ويعزى التحسن في عام 2019 إلى ارتفاع قيمة العملة (الذي بدأ في فيفري 2019 واستمر على مدار عام 2020) ويقدر الدين الخارجي بنحو 94.7 % من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020 ، 74 % منه متوسط إلى طويل الأجل و 80٪ دين خارجي عام،كما صعد إجمالي دين الحكومة المركزي الى 87.6 % من إجمالي الناتج المحلي .
و أشار صندوق النقد إلى أن ملف الدين الخارجي لتونس يتميز بمتوسط سعر فائدة منخفض و حصة كبيرة من الديون الميسرة وهو ما يجعل من الدين الخارجي قوي نسبيا في مواجهة معظم الصدمات بإستثناء الانخفاض في سعر الصرف ، حيث سيؤدي الانخفاض الحاد في سعر الصرف الحقيقي - الذي تم توقعه من خلال انخفاض قيمته لمرة واحدة بنسبة 30 في المائة في السنة الثانية من التوقعات - إلى زيادة الدين الخارجي بشكل حاد (إلى حوالي 152 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2021) وسيظل مرتفعاً طوال فترة التوقع.
الاستدامة المالية هي قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية الحالية والمستقبلية
وتعتبر الاستدامة المالية هي قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية الحالية والمستقبلية، من دون الحاجة إلى إعادة الجدولة الديون و تعتمد منهجية صندوق النقد الدولي في تعريف الاستدامة المالية على تثبيت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي عند مستوى معين، أو تحديد نسبة معينة من الناتج المحلي الإجمالي يتم استهدافها لهذه النسبة( وبحيث يتم صياغة الإصلاحات المالية بما يساعد على بلوغ هذه النسبة )لكنه ترك الباب مفتوحاً وبحيث تعتبر فرضية يبنى عليه توقع المستقبل في ظل سياسات يتوافق عليها لمدة معينة، عادة خمس سنوات و في هذه الحالة تعتبتبر السياسات المالية مستدامةً إذا استطاعت تحقيق الاستقرار في نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي أو خفضه.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا