خبراء خلال ندوة وطنية: الدعوة إلى اعتماد مقاربة تجمع بين برامج محو الأمية والتمكين الاقتصادي لفائدة المرأة الأمية في الوسط الريفي

تبلغ نسبة النساء والفتيات الأميات في الأرياف التونسية 38 ٪ وتتجاوز هذه النسبة 50 ٪ في أرياف الشمال الغربي والوسط الغربي، وهي أرقام «مفزعة»

حسب توصيف عدد من الأساتذة والخبراء في علم الاجتماع، خلال مداخلاتهم في ندوة وطنية انتظمت يوم الجمعة بالعاصمة بمناسبة الاحتفال باليوم العربي لمحو الأمية.

واعتبر الخبراء المتدخلون في هذه الندوة، أن هذه النسب تكشف مجددا عجز المؤسسات التربوية التونسية على استقطاب التلاميذ، وعجز برامج محو الأمية على إقناع العديد من الشرائح الاجتماعية على الإقبال عليها، داعين إلى تطوير برامج محو الأمية وإثرائها من خلال تضمينها لمواد تمكن هذه الشرائح لا من المعارف «الأبجدية» فقط، لكن أيضا من المهارات التي تسمح لهم بالعمل والقدرة على بعث مشاريع خاصة بهم يكونون قادرين على إدارتها.

ويتعارض انتشار ظاهرة الأمية في تونس، التي تشمل ربع النساء التونسيات في الوسطين الحضري والريفي، مع الصورة العامة للمرأة التونسية المتعلمة والتي تتصدر قائمة الدول العربية والإفريقية في عديد المجالات، فمثلا النساء الباحثات في مجال العلوم يمثلن نسبة 55 ٪ من مجموع الباحثين في تونس خلال السنة المنقضية، كما أن نسبة الإناث هي الأعلى بين طلبة الجامعات وعدد المدرسين في مختلف مراحل التعليم، مما يحيل إلى وجود عوامل وتحولات اجتماعية واقتصادية كان لها التأثير الواضح على هذه الوضعية.

ويعتبر المدير العام للمركز الوطني لتعليم الكبار هشام بن عبدة أن أهم العوامل المغذية للامية هي اللا تمدرس والانقطاع المبكر عن التعليم ذلك أن 60 ٪ من المنقطعين عن الدراسة هن من الفتيات في الأرياف، وتجاوز عدد المنقطعين بشكل مبكر عن الدراسة في تونس المائة الف تلميذ في 2018 - 2019 واغلبهم في سنوات الابتدائي، مما يكشف عن تراجع الثقة في المدرسة التونسية وفشلها في استقطاب التلاميذ.

وتتمركز أعلى نسب الأمية في صفوف النساء، حسب بن عبدة، في أرياف الشمال الغربي والوسط الغربي في ولايات القيروان والقصرين وجندوبة وباجة وسليانة وسيدي بوزيد بنسب تفوق 50 ٪ وتصل الى حدود 62 ٪ في منطقة حاسي الفريد بالقيروان.
وعلل ارتفاع نسبة الأمية في هذه الأوساط بضعف الحوافز على التعليم وندرة الفضاءات التعليمية وصعوبة التنقل إلى المدارس ومراكز محو الأمية وحتى للفضاءات الترفيهية والتثقيفية، إضافة إلى العائق الأكبر، حسب تقديره وهو العائق الثقافي الذي يقلل من أهمية تعليم المرأة وإيلاء الأهمية والأولوية للذكور والانشغال بدلا عن التعليم في العمل الفلاحي والشؤون المنزلية.

ومن جهته لفت الأستاذ والباحث الجامعي في مجال العلوم الاجتماعية العيد أولاد عبد الله إلى أن المقاربة المتبعة لوضع برامج محو الأمية والتمكين الاقتصادي للمرأة الريفية هي مقاربة «خاطئة» مبينا انه كان من الأجدر الانطلاق من تشخيص واقع هذه الشريحة وفق خصوصيات الجهة التي تعيش فيها والبحث عن الآليات الكفيلة بجعل الاقتصاد الاجتماعي قادرا، عبر مختلف آلياته، على تمكين المرأة الريفية اقتصاديا واجتماعيا من خلال برامج لمحو الأمية تتضمن مواد مختلفة ومتطورة ولا تقتصر على تعليم القراءة والكتابة والحساب.

واعتبر أن المرأة الأمية تواجه عديد التحديات على مستوى التنشئة الاجتماعية التي قد تحد من طموحاتها على بناء القدرات وتحقيق التمكين الاقتصادي والاجتماعي لتكتفي بما وضعته لها العائلة من انتظارات لتأسيس عائلة وتكريس كل طاقاتها لخدمتها فقط، مبرزا أهمية كل الوسائل الممكنة للتمكين الاجتماعي للمرأة الريفية باعتباره يرفع من مستوى الوعي لدى المجتمع في مجال التعامل مع الأسرة وداخلها وينشر الوعي الاجتماعي حول المشكلات الأسرية قبل وقوعها على غرار القضاء على أسباب الفقر والانحراف وتذليل الصعوبات امام الزواج وغيرها.

وفي قراءة «لنتائج دراسة ميدانية لإعادة بناء منظومة تعليم الكبار: مدخل نحو ادماج المراة الريفية في منظومة التنمية المحلية»، قال الأستاذ فيصل دشيشة وهو خبير دولي في مقاربة بناء المنظومات إن «الوضعيات الهشة للمراة الريفية تحيل على تساؤلات حول مسالة المساواة الاجتماعية والاقتصادية لهذه الفئة الاجتماعية والتفكير في سبل إدماجها في التنمية المحلية من خلال برامج تساهم في تمكينها اقتصاديا واجتماعيا وتزويدها بالمهارات والمعلومات وسبل العيش المستدامة».

واستعرض الخبير في مداخلته حول هذه الدراسة التي اشرف عليها المركز الوطني لتعليم الكبار بالتعاون مع الكنفدرالية الألمانية لتعليم الكبار، بعض التجارب النموذجية لاستغلال برامج محو الأمية وتعليم الكبار لإيجاد آليات لتمكين النساء في الأرياف اقتصاديا مثل تجربة مجمع المرأة المكافحة بمنطقة الفرينين بدار شعبان الفهري بولاية نابل الذي يقدم الى جانب برامج الأبجدة (القراءة والكتابة والحساب) عديد الأنشطة التكوينية مثل تربية الدواجن والتعليب والتعقيم وصناعة «الهريسة العربي» والتكوين في ريادة الأعمال وبعث المشاريع، وكذلك ينظم مشاركة المتكونين في العديد من المعارض.

ولتسريع نسق محو الامية لدى النساء الريفيات اقترح المدير العام للمركز الوطني لتعليم الكبار بعث مراكز متنقلة لتعليم الكبار وإعداد مضامين تعليمية ومهارات تستجيب لحاجات المستفيدات من التكوين وفق خصوصيات جهاتهن مثل التكوين في تقطير النباتات وتربية الماشية وتثمين بيئة هذه الفتيات والنساء والاستثمار فيها على غرار الحلفاء في القصرين والخيزران في الشمال الغربي والسعف بالجنوب.

كما أوصى بتثمين شهادة التربية الاجتماعية في بيئة المتكونات للحصول على قروض صغرى وإمكانية بعث مشاريع فضلا عن إقرار منظومة حوافز تعزز الرغبة في التعلم والإقبال على هذه البرامج وتحول دون انقطاعهن عن الدراسة مثل الجوائز المالية الرمزية للمتفوقات وتنظيم الرحلات وتقديم مساعدات اجتماعية، والتشجيع أيضا على بعث الجمعيات المتخصصة في إطار العمل الشبكي.

وفي الإطار ذاته دعا الأستاذ العيد أولاد عبد الله إلى إيجاد فرص للتدريب والتكوين المهني للمرأة الريفية التي تقبل على برامج محو الأمية وفرص عمل عن طريق آليات إدماجية جديدة مثل الشركات التعاونية للتشغيل والحماية الاجتماعية، مقترحا إيجاد فرص للتمويل تتماشى والاحتياجات الخصوصية للمرأة وتجميع الناشطين ضمن مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وخلق فرص للتسويق التضامني.

كما بين أهمية وضع استراتيجية ثقافية لتحقيق التمكين الاجتماعي عبر برامج محو الأمية وتنشيط الوسط الريفي ونشر ثقافة إدماجية داخل الأسر من خلال الإذاعات الجهوية والقنوات التلفزية، مشددا على ضرورة وضع مقاربة مندمجة لمحو الأمية ترتكز على تشخيص الملامح والخصائص النفسية والاجتماعية للمرأة بالوسط الريفي وملاءمة البرامج والآليات مع هذه الخصوصيات واعتماد مقاربة تجمع بين التوعية والإرشاد والتمكين الاقتصادي والاجتماعي وتثمين شهادة التربية الاجتماعية في مجال التمكين.

يذكر أن نسبة الأمية في تونس قد بلغت وفق الأرقام المسجلة من طرف المعهد الوطني للإحصاء17,7 سنة 2019، ويبلغ عدد مراكز محو الأمية في كافة الجهات التونسية 999 مركزا خلال السنة الدراسية السابقة 2019/ 2020 تضم 2297 فوجا واستقبلت 22105 دارسا أكـثر من 83 ٪ منهم من الإناث.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا