الكرونا وماذا بعد ؟؟: هل تستسلم القوى الفاعلة لشبح الوباء وتنتظر المعجزة؟ أم تستعد لاقتصاد ما بعد العودة ؟

طغت اخبار فيروس الكوفيد 19 على جميع الاهتمامات وتصدرت العناوين الكبيرة في وسائل الاعلام على اختلاف اصنافها وغيرت

مجرى تفكير واستراتيجية العالم بأكمله من دول فقيرة ودول غنية، وأصبحت كبرى شركات العالم رهينة انتهاء هذا الوباء او التوصل الى الحلول نهائية، وكانت تونس سباقة في اتخاذ التراتيب اللازمة للتوقي من خطر الانتشار وتداعياته على المجتمع وهو ما تطلب مجهودات مضاعفة من الحكومة التي تشتت تفكيرها وغرقت في الاجراءات والمراسيم والقوانين المتعلقة بالأزمة الصحية قبل الشروع في تنفيذ برنامجها الاقتصادي الذي مازالت ملامحه لم تتشكل بعد ذلك وسط تخوفات من سيناريوهات متعددة و بمديونية تزداد حدتها يوما بعد يوم ودبلوماسية اقتصادية خفت ضوؤها، ومواقف مشككة لصندوق النقد الدولي، تطرح العديد من التساؤلات ابرزها الكرونا وماذا بعد؟
واجهت حكومة الفخفاخ منذ توليها سدة الحكم خطرا جسيما وعدوا خفيا لم تكن مستعدة لوجستيا ولا معنويا لمجابهته حيث وجدت نفسها مجبرة على محاربته بوسائلها التقليدية فارهقها ذلك وغير مسار واستراتيجية عملها في وقت كان من المفروض ان يخصص لبرامج اقتصادية جديدة وتسريع نسق الاستثمارات العمومية وتعبئة موارد اضافية في ارضية اقتصادية اغرقتها حجم الديون الذي يفوق 4 مليار دولار ويتوجب على الدولة سداده مع نهاية 2020. الكرونا وماذا بعد؟ هل تستلم القوى الفاعلة لشبح المرض والموت وتنتظر معجزة للتخفيف من حدة الانعكاسات -على الاقل- الاقتصادية ام تتعايش مع المصيبة ويعود الحديث وبنسق سريع على طاولة القرارات وتفتح ملفات الاستثمارات وإنقاذ الاقتصاد الوطني ؟ الكرونا وماذا بعد؟

شرعت حكومة الفخفاخ منذ اعطائها شارة الانطلاق في اعداد خطة عمل مبنية على عدة نقاط اساسية ، وهي مقاومة الجريمة والعبث بالقانون، ومقاومة غلاء الأسعار والغشّ وتوفير متطلبات العيش الكريم والتصدي للمحتكرين، وإنعاش الاقتصاد وتشجيع الاستثمار وحماية المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وتفكيك منظومة الفساد، لكنها واجهت فيروسا اثر سلبا على تقدم برامجها وسير نشاطها وعلى طريقة إيجاد اليات لتنفيذ هذه النقاط المطروحة ضمن الاولويات، . اتخذت المسائل منعرجا اخر وتعثرت بفعل الازمة فزاد التضخم ارتفاعا ليبلغ 6.2 % وتراجعت الاستثمارات الخارجية خلال الثلاثية الاولى من سنة 2020 وحسب آخر المؤشرات لتبلغ 24 % وبلغت المديونية اعلى مستوياتها وازداد الخوف من صعوبة تعبئة اﻟﻤﻮارد المالية الضرورية ﻟﻠﺪوﻟﺔ ، وبرزت تحديات كبيرة تتصدرها المحافظة على قيمة العملة الوطنية والحد من نسبة التضخُّم المستورد، والاهتمام بملف الحوض المنجمي والفسفاط الذي مازال عالقا بين الاستحقاقات والقررارات ، بالاضافة الى العديد من المسائل الشغلية العالقة وما تتضمنه من عقود واليات هشة بما فيها عمال الحضائر والأساتذة والمعلمين النواب، وغيرها من الملفات الحارقة والتي لا يطغى أحدها على الآخر ؟

اليوم وبالنظر الى كل السيناريوات المطروحة والنتائج التي تحققت في بداية السنة الحالية والتي كانت جل مؤشراتها سالبة اصبح من الضروري تغيير الخطة واعتماد استراتيجية جديدة توجه بالأساس الى تغير «اللوجسيال» كمصطلع اقتصادي جديد والعمل على تنفيذ الاستثمارات العمومية العالقة وبرمجة اخرى جديدة واتخاذ اجراءات حاسمة وعاجلة لملف الفسفاط وتهيئة عودة جديدة الى الاسواق العالمية حال الانتهاء من كابوس الكوفيد 19 من خلال القوانين والاتفاقايات الجديدة بناء على ما سيتم الاتفاق حوله بين جميع الاطراف حتى ينتهي هذا الإرث الثقيل الذي عجزت كل الحكومات التي تعاقبت على سدة الحكم على ايجاد حل له.

بالاضافة الى كل المسائل العالقة والملفات المتعثرة بدت الدبلوماسية الاقتصادية في شكلها العام غير واضحة وغير مبنية على اهداف واقعية ومتينة ولم تعتمد خطة تسند تحركها خارج البلاد وتعطي اكلها في كل ما يتعلق بالعلاقات الدولية الاقتصادية اللاحقة التي يمكن ان تساعد البلاد في تشكيل ملامح دولة جديدة تقوم على اساسيات الانتشار الدبلوماسي الموجه بباروماتر اقتصادي بحت، و اكتساب الثقة الدولية للعمل على تعبئة الموارد المالية. وهذه المرحلة الحالية التي تمر بها البلاد -على اعتبار انها مرحلة الركود او التراجع في جزء منه- هي الفرصة الوحيدة لاعادة تنظيم الافكار من جديد وبناء استراجية تقطع مع مفهوم التقليد والممارسات السياسية التي تستقطب الاهتمام بالمجاملة وتغيرها الى الاستحقاق بالاهمية، وتوجيه التفكير الى مصادر جديدة للتمويل.

ولئن أثرت جائحة كوفيد 19 على كل المؤشرات الاقتصادية في جميع القطاعات وساهمت في تراجع كبير لجميع الاستثمارات ومن بينها السياحة التي سجلت عائداتها تراجعا بنسبة 22 %، والاستثمارات الخارجة التي سجلت تراجعا بـ 24.1 % والطاقة والخدمات الذي تراجع سلبا بـ 65 % فانه بات من الضروري تغيير خطة العمل لتجنب خسائر اقتصادية أكثر من شأنها ان تتحول الى احتجاجات اجتماعية واحتقان سيعمق الأزمة والتفكير في البدائل الاقتصادية واعتبار كوفيد 19 عنصرا من عناصر الازمة وليس الازمة الحقيقية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا