الخبير الاقتصادي الهاشمي علية لــ «المغرب»: القطاع البنكي يعيش في وضع حرج.. وعلى الحكومة المقبلة تحمل مسؤولياتها لإنقاذ القطاع

يعاني القطاع البنكي من عدة إكراهات في الفترة الحالية، وهومايفرض عليه التطور وإعادة النظر في النموذج الاقتصادي الخاص لديه،

فالقطاع الذي يهدف إلى تحصيل أرباح به مخاوف كثيرة اليوم؛ إذ بعد أن كان من بين القطاعات المشغلة في القطاع الخاص، تراجع دوره في المرحلة الراهنة بشكل أصبح فيه يمثل عبءا على الدورة الاقتصادية وفقا لرأي الخبير الاقتصادي الهاشمي علية.

• كيف تقيمون واقع القطاع البنكي ؟
يعيش القطاع في وضع حرج ،حيث يمر عدد من البنوك بظروف مالية صعبة تبعث على القلق ،وعلى الرغم من تدخلات الدولة لمنع إفلاس أي بنك، فإن الخطر قائم وهذا الخطر كبير على المنظومة لاسيما على مستوى البنوك العمومية والتي يفترض أن تقوم بدورها في دفع الاقتصاد الوطني، غير أنها أصبحت تمثل عبءا وثقلا على الدولة وعلى الاقتصاد وهو ما يمثل خطرا كبير لان القطاع البنكي يجب أن يقوم بدوره المتعلق بجمع الادخار لتوجيهه إلى تمويل الاستثمار والمشاريع والقطاعات الإنتاجية، كما أن عمليات التمويل التي تقوم بها البنوك ضعيفة وبتكلفة باهضة مقارنة بدول أخرى وهو ما اثر سلبا على نسق عمليات التمويل والاستثمار تباعا.

• هل تعتبرأن أزمة القطاع البنكي ظرفية ؟
لاترتبط أزمة القطاع البنكي بالإشكالات الظرفية فقط، فجزء من الأزمة ظرفي و شق أخر منه هيكلي، ففي ما يتعلق بالأزمة الظرفية فهي متعلقة بالسياسة الظرفية التي اتخذها البنك المركزي والتي تستهدف الضغط على التضخم ووضع حد لارتفاع الأسعار، حيث قام البنك المركزي بالترفيع في نسبة الفائدة والتقليص من السيولة كما قام البنك بالضغط على القروض الموجهة للاستهلاك وتدخل البنك في التقليص من القروض التي تمنح للدولة ومؤسساتها بما يجعل السيولة المتوفرة تتجه إجمالا نحو الاستثمار غير أن الترفيع في نسب الفائدة تسبب في غلاء تكاليف القروض مما إنجر عنه تراجع في نسب الاستثمار.
أما بالنسبة للأزمة الهيكلية للقطاع البنكي فهي تتلخص أساسا في الكثرة العددية للمؤسسات القطاع البنكي، حيث يتعدى عدد المؤسسات البنكية العشرين وفي مقابل ذلك هي مؤسسات صغيرة من حيث الحجم ورأس المال، حيث أن أكثر من 20 مؤسسة بنكية في السوق التونسية سوق حجمها ضئيل وفي المقابل نجد أن مستوى الإيداعات يشهد تقلصا بإستمرار مدفوعا بالتكاليف الباهضة لعمليات الإيداع إلى جانب ارتفاع الجباية ،فضلا عن مخاوف الحرفاء من إمكانية إفلاس البنوك ولذلك يجد الحريف نفسه مضطرا إلى الادخار في قنوات أخرى، كما أنه لا بد من الإشارة إلى أن ارتفاع أسعار العقارات تسبب في تقلص إسناد القروض المعدة للإسكان.
إن المشكل الذي يعيشه القطاع البنكي جزء من الأزمة التي يعرفها الاقتصاد الوطني، فجل القطاعات تعيش على وقع أزمة بشقيها الظرفي والهيكلي والتي لن يقع الخروج منها إلا بتجاوز الأزمة السياسية، حيث من المستحيل أن ينمو الاقتصاد الوطني تحت غطاء النظام السياسي الحالي.
كما تشكو البنوك العمومية من الإشكال ذاته من ضعف رأس المال، مازاد من سوء وضعية البنوك العمومية القروض غير المستخلصة التي أسندتها وتسندها إلى مختلف المؤسسات عمومية كانت أو خاصة، على غرار الشركات السياحية أو المؤسسات العمومية مثل ديوان الحبوب أو الشركة التونسية للكهرباء والغاز وتجد البنوك العمومية نفسها مضطرة إلى إعادة إسناد القروض لخلاص القروض السابقة غير أن المؤسسات وبالعجز الهيكلي الذي تعاني منه تجد صعوبة في خلاص ديونها خاصة في ظل تواصل ارتفاع نسب الفائدة، بحيث يزداد العبء على كلتا المؤسستين الدائن والمقرض.

• هل يعني ذلك أن البنوك اليوم في حاجة إلى الاندماج؟
أكيد، فمن الضروري تبني آلية الاندماج لتقوية البنوك، كما أنه لا بد من تسهيل عمليات الاندماج والتخلي عن العراقيل التي تكبل محرك الاقتصاد الوطني خاصة بالنسبة لمؤسسات الأوفشور مع البنوك المقيمة بما من شأنه أن يقوي رأس المال للمؤسسة البنكية، ويعد التقليص في عدد البنوك إلى 10 فقط من الآليات إلي ستسهل عمليات الاندماج كما أن لا بد من الدفع نحو إلتحام البنوك بشركات التأمين لتكوين بنوك لديها رأس مال مهم وموارد بشرية بكفاءة عالية.
كما أن القطاع البنكي بات اليوم عاجزا عن المخاطرة خاصة مع الباعثين الشبان، حيث أدى عزوف البنوك عن اخذ المجازفة على الدخول في مشاريع جديدة إلى هجرة أصحاب المشاريع وإستثماراتهم خارج البلاد وهي صورة سيئة مقارنة بالأهداف التي تطمح إليها الحكومة في برامجها.

• إلى جانب الاندماج،ماهي مختلف عناصر الإصلاح؟
إن الحديث عن إصلاح القطاع البنكي يشترط منهجية دقيقة يمكن من خلالها التوصل إلى حلول للخروج من الأزمة الاقتصادية وتباعا إنعاش مختلف القطاعات المريضة، وتتصل هذه المنهجية أساسا وبدرجة أولى بهوية الشخص الذي يعتزم الإصلاح وبدرجة ثانية كيفية الإصلاح فماذا سنصلح؟ ومن الضروري في هذا الصدد تغيير المنوال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الذي انخرم ولم يعد متماشيا مع متطلبات المجتمع التونسي والعصر ومعطيات الاقتصاد المحيط بنا.
وهناك جزم بأن القطاع البنكي متعطش للإصلاح لكن الحكومات هي المسؤولة عن تأخر عملية الإصلاح وعليها أن تفهم مسار الإصلاح.

• هل تعتقد أن الحكومة المقبلة ستكون قادرة على الإصلاح ؟
نعتقد أنه خلال الخمس سنوات المقبلة لن تكون هناك حكومة قادرة على إصلاح الاقتصاد ومن ضمنه القطاع البنكي في حال تواصل ارتباط مرور القوانين بالمحاصصة الحزبية

• فمالحل إذا ؟
من أجل ضمان تنفيذ الإصلاحات اللازمة في القطاع الاقتصادي ومختلف مكوناته، نقترح أن يتحصل رئيس الحكومة بعد تكوينها إعطاؤها على صلاحيات لإجراء إصلاحات اقتصادية دون الرجوع إلى البرلمان مع الحفاظ على مبدإ المراقبة، فالقطاع البنكي اليوم في حاجة إلى مراجعة للقوانين المنظمة له ومراجعة القوانين تتطلب حزاما سياسيا قويا أي توفر أغلبية برلمانية متماسكة تكون قادرة على تمرير القوانين وهو أمر أشبه بالمستحيل في ظل المعطيات الحالية، في المقابل لن تكون الحكومة القادمة قادرة على إصلاح الوضع الاقتصادي في حال تواصل ارتباط مرور القوانين بالمحاصصة الحزبية.

• إذا فشلت الحكومة في الإصلاح ،هل يمكن للقطاع البنكي أن يقود بنفسه سفينة الإصلاح ؟
من الصعب على القطاع البنكي أن يقود عملية الإصلاح بنفسه ، وذلك لضيق هامش التحرك وتبعا للترسانة القانونية التي تكبل القطاع ولذلك نتشبث بدور النظام السياسي في العمل الاقتصادي ،فمن الضروري إصلاح النظام السياسي الذي يعرقل تطور الاقتصاد و المنظومة البنكية.

• ما موقفكم من خوصصة البنوك العمومية ؟
تعد الخوصصة من الخيارات الناجعة لتطوير القطاع البنكي، فقد ثبت أن تجربة الخوصصة تؤدي إلى تطوير المؤسسات و نمو خدماتها ونجاعتها،فالخوصصة ضرورية لكل قطاع إذا ما كانت له رغبة في التقدم والازدهار .
أهم مايمكن قوله أن القطاع البنكي ككل القطاعات يشكو من هيكلة اقتصادية سياسية اجتماعية فاشلة تم وضعها قبل الاستقلال ولكنها لم تعد صالحة وهي من الأسباب الرئيسية التي ولدت الثورة، الأمر الذي يستدعي الثورة على هذا المنوال التقليدي وإصلاح جهاز الدولة السياسي والتخلي عن البيروقراطية التي شلت جميع القطاعات و تباعا لذلك يجب إعادة الاعتبار لمكانة القطاع البنكي والمالي في الحياة السياسية وضمن السياسة الوطنية للبلاد بشكل يمكن أن يعيد التعافي إلى الاقتصاد الوطني ودون ذلك سيبقى الاقتصاد الوطني وتعافيه من عدمه مجرد توقعات هشة وغير واقعية.

• وفقا للأرقام المسجلة حاليا حول النمو والاستثمار، ماهي توقعاتكم للمرحلة المقبلة ؟
إن المناخ الاقتصادي العام لايشير إلى حدوث تحسن، مما أدى إلى هروب المستثمرين إلى الخارج بسبب الثقل الجبائي الذي يعد من ارفع المستويات في العالم ، كما أن التسهيلات المحدثة على مستوى قانون الاستثمار الجديد في أجزاء كثيرة منها صعبة التحقق بالنظر إلى الوضع الحالي للقطاع البنكي ،وبجل هذه العناصر تصبح نسب النمو المتوقعة خلال العام الحالي وحتى السنوات المقبلة مستحيلة، فنسبة النمو هشة وفي طريقها نحو الأسوإ، حتى أن نسبة الاستثمار بالدينار الجاري أقل من الاستثمارات المسجلة سنة 2008 معتبرا أن إصلاح قانون الاستثمار كان توجها خاطئا لأنه كان جيدا وكان قابلا لمزيد التحسن وليس للهدم كليا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا