رغم تحسن الوضعية المائية: العطش يتمكن من عدة مناطق في البلاد ويولد حالة من الاحتقان في صفوف المواطنين..

تحولت معضلة انقطاع الماء الصالح للشراب إلى معاناة دائمة تزداد حدة مع ارتفاع درجات الحرارة، حيث انقطعت المياه في أغلب الولايات التونسية

مما ولد حالة من الاحتقان وموجة من الاحتجاجات في صفوف المواطنين منها التي نفذت أمام الإدارات الجهوية للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه أوفي الطرقات العمومية مع إشعال العجلات المطاطية وغلق الطرقات احتجاجا على عدم تزويدهم بالماء.
مازالت صور الفيضانات التي جدت في ولاية نابل عالقة في الذاكرة ،القتلى والعائلات المشردة والقطيع الذي غرق والمزارع الغارقة، كانت مصيبة حلت بالولاية في سبتمبر المنقضي نتيجة تهاطل لكميات هائلة من الأمطار وهي ليست الولاية الوحيدة التي شهدت نزول كميات مهمة من الأمطار، وتواصل نزول الأمطار بشكل أخرج تونس من سنوات الجفاف التي عاشتها بعد تحسن مخزون السدود وكانت تبريرات الحكومة آنذاك تتلخص في كلمتين «التقلبات المناخية».

بعد فيضانات نابل والتي جاءت في بداية موسم الأمطار، تواصل نزول الأمطار بكميات هامة و في فترات متفاوتة إلى غاية شهر فيفري حيث ازدادت موجات البرد مما أدى إلى ارتفاع حاجة المواطنين إلى الغاز المنزلي للتدفئة غير أن الإمدادات كانت ضعيفة وكان رد المسؤولين أن موجة البرد هي التي أججت ارتفاع الطلب الذي نجم عنه نقص في السوق، ليكون المناخ سبب الأزمة، وبالأمس القريب شهدت 20 ولاية اضطرابا وانقطاعا في التزود بالمياه مخلفا بذلك موجة من الاحتجاجات ليكون رد الرئيس المدير العام لشركة إستغلال وتوزيع المياه مصباح الهلالي في حديث له مع التلفزة الوطنية أن تسجيل معدلات حرارة مرتفعة واستثنائية تزامن مع عيد الأضحى مما تسبب في ارتفاع الطلب حيث ارتفع الطلب في ولاية تونس بنسبة 24 في المائة وبنزرت 19 في المائة وسليانة 13 في المائة وهو الرد ذاته يتواتر كلما شهد الماء الصالح للشراب إنقطاعا.

يبدو أن تحمل المسؤولية لا يجب أن يمس المؤسسات المسؤولة عن الازمة ليلقي العبء على الطبيعة بدرجة أولى والمواطن بدرجة ثانية وعلى الرغم من امتلاء السدود بنسبة تجاوزت 80 % ورغم الاستعدادات التي تقول سلطة الإشراف أنها اتخذتها وآخرها البلاغ الصادر يوم 8 أوت «نظرا لتوقّع تزايد استهلاك المياه خلال عيد الأضحى المبارك والذي يتزامن هذه السنة مع الارتفاع الغير مسبوق لدرجات الحرارة ولضمان استمرارية التزود بالماء الصالح للشرب، انعقدت لجنة اليقظة والمتابعة بوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري تجنيد فرق الاستمرار بمختلف الولايات للتدخل العاجل بمختلف أقاليم الشركة الوطنية للاستغلال وتوزيع المياه والبالغ عددها 38 وبالمندوبيات الجهوية للتنمية الفلاحية وتوفير كلّ الإمكانيات المادية والبشرية من قطع غيار وفرق تدخل ووضع الصهاريج المجرورة للتدخل عند الاقتضاء لتزويد المواجل والفساقي الجماعية علما وأنه تمّ تسجيل ارتفاع في الطلب على المياه بنسبة 32 % يوم 26 جوان 2019 وبنسبة 20 % يوم 06 أوت الجاري».
وعلى الرغم من تحذيرات المعهد الوطني للرصد الجوي من ارتفاع درجات الحرارة ،فإن الاستعدادات بقيت ضعيفة وقد إعتبر منسّق المرصد التونسي للمياه علاء المرزوقي في تصريح لـ«المغرب» أن الإشكال لا يتعلق أساسا بتوفر المياه ،فالمعضلة الأساسية متعلقة بإهتراء الشبكات من خزانات وأنابيب والتي باتت غير قادرة على استيعاب حجم الاستهلاك المتزايد إلى جانب ضعف الاستثمارات المخصصة لها.

وأضاف مرزوقي أن مسألة مياه الشرب لا تحضى بالأولوية اللازمة لدى وزارة الإشراف بإعتبار إن 80 % من المياه المتوفرة تخصصها الوزارة للفلاحة، كما أن إشكالية الانقطاع ليست وليدة اليوم،فجميع الفصول وجميع المناطق باتت تعيش على وقع الاضطرابات في توزيع المياه ،هذا إلى جانب تواصل الانقطاعات لأكثر من أسبوع .
وقد طالت الانقطاعات عديد المناطق في تونس الكبرى بحيث لم يعد الأمر مرتبطا فقط بالمناطق الداخلية أو الريفية .

سداسية أولى بعنوان «حقي في الماء حقي في الحياة »
وفي تقرير المنتدى الاقتصادي والاجتماعي للسداسية الاولى، مثل العطش سببا لأغلــب تحــركات شــهر مــاي حيــث شــهدت العديــد مــن المناطــق تحــركات واســعة رفضــا للعطــش مــن ذلــك إطــلاق حملــة «قفصــة عطشــانة» والتــي تحولــت إلى حركـة احتجاجيـة نفذهـا نشـطاء ومواطنـون أمام مقـر الولايـة طلبـا لكـف العطـش علـى مناطـق عديـدة فـي الجهـة وأبرزهـا مناطـق الحـوض المنجمـي.

ويفـوق معـدل انقطـاع ميـاه الشـرب فـي الكثيـر مـن المناطـق الأسـبوع او أكثـر وذكر نص التقرير أن الشـركة الوطنيـة لاسـتغلال وتوزيـع الميـاه تشير في تقريرها لسنة 2017 إن نسبة الربط في الشبكة قد بلغت 84.5 في المائة و ان نسبة التزود تقدر ب97.9 في المائة إلا أن تحركات المحتجين ضد العطش وفقا للخارطة المرصودة تؤكد أن المحتجين ليسوا فقط 2.1 في المائة الذين لا تشملهم خدمات الصوناد وليسوا فقط ال15.5 في المائة الذين لا يتمتعون بالربط بشبكة المياه بل إن الكثير من المحتجين هم من حرفاء الصوناد في المناطق الداخلية والريفية والذين يعانون من إنقطاع المياه دون سابق إعلام .
وعرّج التقرير على بعض أسباب أزمة العطش والتي من بينها قطـع التيـار الكهربائـي علـى الجمعيـات المائيـة لعـدم ايفائهـا بديونها لشـركة الكهرباء والغاز الى جانب غيـاب سياسـة مائيـة للدولـة وحسـب مؤشــرات البنيــة التحتيــة للمعهــد الوطنــي للاحصــاء لســنة 2014 نجــد ان نســبة ربــط المسـاكن بشـبكات الماء الصالح للشـراب 1،87 % وان نسـبة التزويد بالماء الصالح للشـراب فهي %98.2 أما نسبة ربط المساكن بشبكات التطهير فنجدها %86.4.

وقد امتدت أزمة المياه إلى غاية شهر جويلية وهو شهر احتجاجات العطش والمطالبة بوضع حد للانقطاعات المتكررة لمياه الشرب، حيث كانت التحركات الاجتماعية التي اثث تقريبا كامل شهر جويلية. وتباينت التحركات بين الوقفات الاحتجاجية وقطع الطريق والعرائض ووصلت التصعيد في التحركات إلى حد العنف حيث عاشت عدد من المناطق والقرى حالات من الاحتقان والفوضى وعدم الرضا كان من أبرزها وأكثرها وقعا ما وقع في مدينة جلمة من سيدي بوزيد حيث قام المحتجون بتهشيم جزء من قناة نقل الماء الرئيسية للماء.
وتجدر الإشارة إلى تواصل تحسن المخزون العام للسدود لاسيما سد سيدي سالم و الذي تبلغ نسبة إمتلائه 86 في المائة بتاريخ 8 أوت الجاري.

تونس تحت وطأة التغييرات المناخية
حسب دراسة أعدتها وزارة البيئة والتنمية المستديمة سنة 2012، حول التأقلم مع التغيرات المناخية بتونس، فإن التقديـرات تشـير إلـى أنـه فـي أفـق سـنوات 2030 و2050 ستشـهد دول البحـر الأبيض المتوسـط ارتفـاعا فـي معـدل درجـات الحـرارة . كمـا ستشـهد إنخفاضـا فـي التسـاقطات وخاصـة تذبذبـا فـي المنـاخ وهـو مـا يتعيـن مزيـد التعمـق فـي دراسـة ظاهـرة التغيـرات المناخيـة وانعكاسـاتها علـى البيئـة والتنميـة .
وستشهد تونس تقلصا في معدلات الأمطار السنوية سنة 2020 بـ 5 % في الشمال و8 % في الوطن القبلي والشمال الشرقي و10 % في أقصى الجنوب وفي سنة 2050 سيبلغ التقلص 10 % بالشمال الغربي و30 % بأقصى الجنوب.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية