باب القرآن: "الفاءات" في القرآن الكريم (2)

ثمّة مقولة تقول: إن من تأمّل (الفاءات) في القرآن رأى عجباً، فما حقيقة (الفاءات) في القرآن الكريم؟ وهل حقاً تثير العجب؟ هذا ما نحاول أن نسلّط

عليه الضوء في السطور التالية، منطلقين بداية مما يذكره النحاة بخصوص حرف (الفاء).
يذكر أهل النحو أن أصول أقسام (الفاء) ثلاثة: الفاء العاطفة، والفاء الجوابية، والفاء الزائدة.
أمّا الفاء العاطفة فمعناها التعقيب، وتفيد الترتيب، تقول: قام زيد فعمرو، فدلت (الفاء) على أن قيام عمرو بعد زيد، بلا مهلة.

وقال بعض النحويين: الترتيب بـ (الفاء) على ضربين: ترتيب معنوي، وترتيب لفظي. والمراد بالترتيب المعنوي أن يكون المعطوف بها لاحقاً متصلاً، بلا مهلة. كقوله تعالى: "الذي خلقك فسواك فعدلك" الانفطار:7. والمراد بالترتيب اللفظي هو عطف مفصل على مجمل، كقوله تعالى:"ونادى نوح ربه فقال" هود: 45.والمعطوف بـ (الفاء) إما أن يكون مفرداً، أو جملة، والمفرد: إما أن يكون صفة، أو غير صفة. فإن عطفت مفرداً غير صفة، لم تدل على السببية. نحو: قام زيد فعمرو. وإن عطفت جملة، أو صفة، دلت على السببية غالباً. نحو قوله سبحانه: "فوكزه موسى فقضى عليه" القصص:15. وأمّا الفاء الجوابية: فمعناها الربط؛ لأنها تربط بين فعل الشرط وجوابه، وتلازمها السببية. وتكون جواباً لأمرين: أحدهما: الشرط بـ (إن) وأخوتها. نحو قوله سبحانه: "ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما" طه:112. والثاني: ما فيه معنى الشرط، نحو (أما). ومثاله قوله تعالى: "وأما السائل فلا تنهر" الضحى:10
فأما الفاء الزائدة فهي ضربان: أحدهما: الفاء الداخلة على خبر المبتدأ، إذا تضمن معنى الشرط. نحو: الذي يأتي فله درهم. والثاني: التي دخولها في الكلام كخروجها. وقد أنشد النحويون على زيادة (الفاء) قولَ الشاعر:

يموت أناس أو يشيب فتاهم
ويحدث ناس والصغير فيكبر

يريد: يكبر. ومعنى زيادتها: أنها غير عاملة، وأن الكلام يستغني عنها، ولا ينقص معناه بحذفها، وتزاد لإفادة التوكيد وتقوية الكلام. وثمَّ خلاف بين النحويين في اعتبار هذا القسم. قال النحاة: وقد ذُكر لـ (الفاء) أقسام أُخر، ترجع عند التحقيق إلى الأقسام الثلاثة المتقدمة.
والمفسّرون ذكروا أقساماً من (الفاءات) وردت في القرآن الكريم، لا تخرج في الجملة على ما ذكره النحويون، نذكرها تالياً، ونمثل لها:

أولاً: الفاء العاطفة: أصل (الفاء) العاطفة أن تفيد ترتيب حصول معطوفها بعد حصول المعطوف عليه. وقد تسمى فاء التعقيب. وهي كما تقدم تعطف المفرد والجملة. ومثالها في عطف المفرد، قول الباري سبحانه "فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا * فأثرن به نقعا" العاديات:2-4، عُطفت هذه الأوصاف الثلاثة الأولى بـ (الفاء)، لأن أسلوب العرب في عطف الصفات أن يكون بـ (الفاء) وهي للتعقيب، والأكثر أن تكون لتعقيب الحصول. ومثالها في عطف الجُمل قوله عز وجل: "ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين" المائدة:89، (الفاء) هنا للتعقيب. وقوله تعالى: "ولا يؤذن لهم فيعتذرون" المرسلات:36، عطفت (الفاء) الفعل (يعتذرون) على الفعل "يؤذن". وقوله سبحانه "فلما أضاءت ما حوله" البقرة:17

يتبع

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115