حتى لا تموت تونس قبل 2019

بقلم: منير الشرفي
الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في تونس أشبه ما يكون بحالة المُصاب بمرض عضال

لا يُشفى منه إلا بعمليّة جراحية صعبة ومُوجعة. وإذا رفض الأطبّاء إجراء تلك العملية بتعلّة أنهم يخشون أن يتّهمهم المريض بأنهم تسبّبوا له في أوجاع، فإنهم يُخلّون بواجبهم المهني والأخلاقي.
الماسكون اليوم بالسلطة يرفضون القيام بالإجراءات الضرورية لإنقاذ البلاد من الموت، لا لشيء سوى أنهم يُفكّرون في انتخابات 2019 أكثر من مصلحة البلاد. فمن يتجرّأ على العملية الجراحية الموجعة سيخسر مساندة جزء من حلفائه الذين سيتضرّرون من تلك الإجراءات، كما أنه يعتقد أن شعبيّته ستقلّ بسبب الأوجاع التي سيحدثها، ويخسر بالتالي حظوظه في مستقبل سياسي لشخصه.

فالبلاد لا يمكن إنقاذها إلا بالتطبيق الآلي والصارم للقانون وبصمّ الآذان أمام كل من يبحث عن المصالح الآنية على حساب المصالح الحياتية للوطن وللمواطنين على المدى الآجل.
فهل يُوجد من هو قادر على إدانة المخططين لاغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي ولطفي نقض، وعلى تفشّي الإرهاب في تونس وإرسال شبابنا إلى القتال في سوريا وليبيا ؟
وهل يُوجد من يُعاقب كل من تسبّب في تعطيل الانتاج في الفوسفاط والبترول وما إلى ذلك من المواد الحياتية للاقتصاد التونسي ؟

ومن يمكن له إيقاف نزيف العملة الصعبة بما لا يُفيد الوطن في شيء مثل استيراد المواد التي لا فائدة منها سوى إرضاء دول صديقة لأحد الأحزاب (تركيا مثالا)، أو المليارات التي تًصرف بالعملة الصعبة في العمرة والحج، أو لاستيراد الخرفان في عيد الأضحى ؟

وهل من يجرؤ على بيع المؤسسات العمومية الخاسرة والتي تُكلّف ميزانية الدولة مبالغ خيالية لا طائل من ورائها، وعلى مراجعة جذرية لصندوق الدعم الذي يستفيد منه السواح والأثرياء ؟
طبعا لا أحد من بين من يمسكون اليوم بالسلطة، وكلّهم يُغمضون أعينهم أمام مرض تونس القاتل من أجل كرسي سنة 2019.

طموح رئيس الحكومة الحالي والعديد من رؤساء الأحزاب مشروع. إلا أنه يحدّ من صراحتهم أو من برامجهم لدرجة تمنعهم من التوصيف الحقيقي والواقعي للداء وللدواء. كما أن الحكومة الحالية لا تقدر على اتخاذ الإجراءات اللازمة لحل المعضلات بشكل جذري وحازم بالنظر إلى التكبيل الذي أصاب أياديها والذي فرضه حزبان لا همّ لهما غير السلطة. كل هذا يجعل من تونس كتلك السفينة التي تشقّ أعاصير هوجاء في أعماق المحيطات دون ربّان.

ورغم أن الدستور الجديد لا يمنح رئيس الجمهورية سلطات تُذكر، ويُعطي لرئيس الحكومة أربعة أخماس السلطة التنفيذية، إلا أن شخصية الرئيس قائد السبسي وطبيعة علاقته «الأبوية» مع رئيس الحكومة تجعل منه الشخص الوحيد، في السلطة الحالية، القادر على القيام بالجراحة الموجعة لإنقاذ الجسم التونسي المعتلّ والمنهك. إجراءات تُحسب له بعد عقود عديدة. ألم يقم بورقيبة، المثل الأعلى لقائد السبسي بإجراءات لاشعبية في حينها، مثل مجلة الأحوال الشخصية، والتي يُقدّرها اليوم التونسيون حق قدرها بعد عدّة عقود من إصدارها ؟

بعد انقضاء ثلثي عهدته الرئاسية، وهي فترة قضاها في مسايرة التقاء «الخطين المتوازيين»، يمكن لرئيس الجمهورية انقاذ خمسيّته بالعمل على انقاذ البلاد ولو جزئيّا. والعائق الوحيد في ذلك هو أن يضع شخصه في نفس خانة الطامحين لقرطاج سنة 2019، ليبقى على نفس الربوة.
وإن كانت النيّة تلك فهي الطامّة الكبرى، إذ لا أدري إن كانت تونس تتحمّل وضعها الكارثي الحالي إلى نهاية سنة 2019.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499