Print this page

مهرجان دوز الدولي للشعر الشعبي: ذاكرة الصحراء وقوافيها التي لا تذروها الرمال

في عمق الجنوب التونسي تحفظ  الرمال خطى

الإبل وحداء حادي العيس وحكايات الأجداد ومرويات العشاق والفرسان والرحّالة...  كلها  صور ومناخات وحكايات خاصة ينقلها ويوثقها الشعر الشعبي بوصفه أكثر من قول موزون وكلام مقفّى. فحين ينشد الشاعر الشعبي، ترقص الحروف على إيقاع الوجدان، وتبوح القوافي بأسرار الزمان ما بين بيت يوقظ الحنين، وبيت يداوي الأنين، وبيت يسكن القلب فلا يغادره مع السنين.

طالما كان الشعر ديوان العرب، ولايزال ومرآة تعكس تحولات المجتمع وأحلامه وانكساراته. وفي دوز، المدينة التي لا تنفصل صورتها عن الصحراء وتراثها الشفوي، يجد هذا الشعر منبرا ومصدحا للاحتفاء والتجدد. فمن خلال مهرجان دوز الدولي للشعر الشعبي يتحدى هذا الفن النسيان والاضمحلال والغياب.

الشعر الشعبي... التاريخ الذي كتبته الحناجر

في دوز لا تمرّ القصيدة كعابر سبيل ولا ينتهي أثرها بانتهاء الإنشاد ... ففي حناجر الشعراء تولد حياة جديدة لكلمات البادية. في دورته العاشرة، التي انتظمت من 30 أكتوبر إلى 1 نوفمبر 2026، جدّد مهرجان دوز الدولي للشعر الشعبي موعده مع هذا الفن العريق، مستقطبا أصواتا شعرية من تجارب وبلدان مختلفة، في محاولة لنقل القصيدة من فضائها المحلي إلى أفق عربي أرحب. وإن تتعدد اللهجات وتختلف الثقافات، فالشعر الشعبي لا يلغي وحدة الإحساس الإنساني.

ولم تكتفِ الدورة العاشرة بالاحتفاء بالموروث والتراث الشفوي، إنما  فتحت نافذة على أسئلة الحاضر من خلال ندوة فكرية حملت عنوان «الذكاء الاصطناعي والإبداع الإنساني: الحدود والآفاق». وكان طرح المسألة في مهرجان يحتفي بالشعر الشعبي مهما  لمساءلة الآلة التي قد تحاكي القصيدة، وقد تستنسخ أوزانها وصورها وقوافيها لكنها أبدا لن تمتلك روح الشاعر ولا قلقه ولا أرقه في نظم الشعر.

إلى جانب السهرات الفنية واللقاءات الشعرية والمسابقة الدولية التي منحت المهرجان بعدا عربيا، وجعلت من دوز مساحة للتعارف بين تجارب تتباعد جغرافيا وتلتقي في حب الكلمة، كان من بين الفقرات التي راهن عليها المهرجان مسابقة «الشاعر الصغير» حتى لا تنسى الأجيال الجديدة هذا الموروث العريق ولا تندثر مواهبه وتتلاشى ملكة قوله...

وفي ختام الدورة، كان «القلم الذهبي»  من نصيب الشاعر رضا عبد اللطيف، فيما نالت الشاعرة الجزائرية كوثر فراحتية «القلم الفضي»، وحصل الطاهر لطوفة على «القلم البرونزي»، بينما آلت الجائزة الرابعة إلى محمد ضو بن عمر.

ولعل الرهان الحقيقي لمهرجان دوز يتمثل في صون هذا الإرث من النسيان، وتحريره من خطر التحول إلى فولكلور موسمي. فالشعر الشعبي يستحق أن يُوثّق ويُدرس وتُجمع نصوصه، وأن يجد شعراؤه فضاءات للنشر وللتعريف بتجاربهم حتى لا تضيع قصائد كاملة ويتبخر سحر البيان والكلام برحيل أصحابه.

من العكاظيات القديمة إلى مهرجان دولي

لم تأتِ علاقة دوز بالشعر من فراغ. ففي هذه الربوع، التي ارتبطت تاريخيا بثقافة البدو والترحال والفروسية يمثل الشعر الشعبي جزءا من الحياة الاجتماعية  يتردد في المجالس والمناسبات والأعراس ويُستدعى في لحظات الفرح والحزن والمفاخرة. وقد عُرفت الجهة بأسماء شعرية تركت بصمتها في الذاكرة الشعبية، من بينها بلقاسم عبد اللطيف ومحمد المرزوقي ومحمد بلطيف، وغيرهم ممن جعلوا من الكلمة سجلا لتجارب الناس وتحولات المكان.

في ظل هذا المناخ الثقافي تشكلت الحاجة إلى فضاء يجمع الشعراء ويمنح هذا اللون الأدبي مكانته. فكانت العكاظيات الشعرية التي ارتبطت بفعاليات مهرجان دوز الدولي للصحراء، إحدى المحطات التي كشفت عن شغف أهالي المنطقة بالشعر وموهبة إلقائه.  وبعدها  تبلورت تجربة مهرجان دوز الدولي للشعر الشعبي باعتباره تظاهرة مستقلة تعنى بهذا الموروث وتعمل على توسيع دائرة حضوره وصوته.

وبعد مسار من التعثر، تأسست جمعية مهرجان دوز الدولي للشعر الشعبي «شموع»، برئاسة عز الدين بالطيب في سنة 2024 ، لتتولى الإشراف على تنظيم التظاهرة والعمل على استمراريتها وتطوير أهدافها.

ولعل الشعر الشعبي الذي ظل طويلا أسير المشافهة والمجالس يحتاج اليوم إلى التوثيق والخروج من حدود التداول المحلي إلى فضاء البحث والنشر والتواصل بين التجارب العربية.

إذا كان التاريخ الرسمي يحتفظ بأسماء الحكام والمعارك والتحولات الكبرى، فإن الشعر الشعبي يحتفظ بما قد تغفله الوثائق من تفاصيل الحياة  والخرافات والأساطير وسير الملاحم والأبطال وقصص الحب والسلطة والحرية...وتنبع خصوصية هذا الشعر من لغته القريبة من الناس، ومن قدرته على تحويل التجربة الفردية إلى ذاكرة جماعية. فقد تروي القوافي  حكاية قرية بأكملها، وقد تستعيد ملامح زمن طويل،  وقد تترجم مسار ا نحت الكيان.. في دوز ، لا يمثل الشعر الشعبي ذاكرة الصحراء فحسب، إنما ذاكرة المكان والزمان والإنسان في تحد لغياهب النسيان.

المشاركة في هذا المقال