Print this page

من ريف سليانة إلى جائزة "المدرسة المتميزة" في دبي "قم للمعلم"... مدرسة "سيدي عامر" تكتب أجمل دروس العطاء

ليس كل الأطفال يذهبون إلى مدارسهم بالطريقة

نفسها. هناك من يمتطون حافلة خاصة، وهناك من يحملهم أولياء أمورهم إلى عتبة الأبواب... وهناك أطفال في أرياف سليانة يبدؤون يومهم برحلة شاقة تحملها أقدامهم الصغيرة وتنحني لها ظهورهم الغضة من ثقل حمل المحفظة. وقد تكون المسافة بين بيوتهم وأقسامهم أطول من أعمارهم الصغيرة، لكنهم يمضون. كأنهم يعرفون بالفطرة أن الطريق إلى الحلم لا يكون دائما معبّدا. وكأنهم تبنوا بالغريزة قول محمود درويش:" سأقطع هذا الطَريق الطويل، وهذا الطريق الطويل، إلى آخره"...

إنها مفارقة طريفة! فالأطفال الذين يقطعون الطرق الوعرة للوصول إلى المدرسة، اجتازوا بالقراءة حدود سليانة  ليصلوا إلى دبي!

خمسون كتابا لكل طفل.. والحلم الكبير

في تلك الربوع البعيدة، تطل كـ "علم على رأسه نار" مدرسة سيدي عامر بأرياف سليانة. بعدد أقسامها الأقل من أصابع اليد الواحدة  وبإمكانات محدودة وبتجهيزات متواضعة ...  استطاعت هذه المدرسة أن تصبح حديث العالم العربي بعد فوزها بجائزة المدرسة المتميزة ضمن تحدي القراءة العربي، بعد أن قرأ كل تلميذ فيها خمسين كتابا على الأقل.

في الدورة العاشرة لتحدي القراءة العربي، شاركت المدرسة الابتدائية سيدي عامر انخراط استثنائية بلغت 100% من تلاميذها الـ 100، والذين نجحوا جميعا في قراءة وتلخيص 50 كتابا لكل تلميذ (بإجمالي 5000 كتاب) رغم الصعاب وضعف الإمكانيات في منطقتهم الريفية.

رمزي بوراوي... مدير يعلّم الأمل قبل الامتحان

انتزعت مدرسة سيدي عامر بجدارة لقب "المدرسة المتميزة" والجائزة الكبرى البالغة مليون درهم إماراتي. بعد أن  خاضت منافسة محتدمة وماراطونية تضمنت تصفيات على مستوى المعتمدية ثم الولاية والجمهورية التونسية، لتصل إلى المحفل الختامي في دبي وتتفوق بتميزها وجاهزية وفدها المكون من 10 تلاميذ والمدير رمزي البوراوي، على 138 ألف مدرسة مشاركة من مختلف أنحاء الوطن العربي والعالم..

كان النجاح الذي حققته هذه المدرسة مصدره المدير رمزي بوراوي الذي جعل من الفضاء التربوي  بيتا ثانيا وآمنا للأطفال.أما الأطفال فقد استحقوا التصفيق الحار ، وفي عيونهم ذلك البريق  الطموح الذي لا تخطئه العين وفي سلوكهم أدب وتربية وفي تعاملهم مع المعرفة اجتهاد يبعث على الإعجاب.

جائزة  لا تحجب نقائص مدارس الريف

كم هو مؤلم، وجميل في الوقت نفسه، أن نرى أطفال ريف سليانة يحققون ما حققوه رغم أن مدرستهم لا تزال تنتظر الكثير! مؤلم لأن الطريق أمامهم  وعرة ورحلة التعلم ليس مريحة وذات رفاهية. وجميل لأنهم لم ينتظروا الظروف المثالية كي يلمعوا كالنجوم  في سماء دبي.

لكن، ونحن نصفق لهم من القلب، لا يجب أن نكتفي بالتصفيق. فهل يعقل أن تسافر المدرسة إلى دبي لتعود بجائزة كبرى ، ثم تجد نفسها في اليوم التالي أمام الاحتياجات نفسها والنقائص نفسها.

إنّ من واجب وزارة التربية وسلطات الإشراف أن تلتفت إلى هذه المدرسة، وأن تجعل من تتويجها بداية لمسار حقيقي من العناية بها وبكل المدارس الريفية في المناطق  النائية التي  قد لا نعرف أسماءها والتي ربما تخفي بين أقسامها الصغيرة مواهب تنتظر فقط من يكتشفها.

أما مدرسة سيدي عامر، فقد منحتنا درسا لن ننساه. يمكن لثلاثة أو أربعة أقسام أن تتسع لأوسع الآفاق. ويمكن لكتاب صغير أن يفتح طريقا إلى دبي. ويمكن لمدير مخلص ومعلمين مؤمنين برسالتهم وأولياء صالحين أن يصنعوا من مدرسة بسيطة مدرسة متميزة .

في مدرسة سيدي عامر، عاد بيت شوقي «قم للمعلم وفّه التبجيلا» أكثر من مجرد قصيدة، صار وجها وحكاية وأثرا طيّبا. فهناك معلمون يزرعون في الأرض الصغيرة غابات من الأحلام، ويمنحون الأطفال أجنحة تحلق بهم فوق الصعاب والسحاب لتحقيق الأمنيات.

المشاركة في هذا المقال