Print this page

في المعرض الوطني للكتاب التونسي: كتب في الأكياس... وقراءة مؤجلة!

«أحب الكتاب لأن حياة واحدة لا تكفيني»

هكذا قال عباس محمود العقاد، مُختزلا في عبارة واحدة غواية القراءة وما تمنحه الكتب من حيوات لا نعيشها بحساب السنوات. في المعرض الوطني للكتاب التونسي، تبدو الحكاية أكبر من مجرد لقاء بين ناشر وقارئ. إنها فسيفساء من الوجوه والاهتمامات والعادات، وفيها من المفارقات ما يكفي لكتابة قصة أخرى موازية لروايات الكتب المعروضة.

امتد المعرض الوطني للكتاب التونسي  - في دورته  الثامنة التي انتهت يوم أمس -  على فضاءين متجاورين، خيمة ورواق. لكل منهما ملامحه وتفاصيله وحركته الخاصة.  وبين الخيمة والرواق، توزعت خطوات الزائرين وأسئلتهم، وتشكلت حركة المعرض بين من يقصد جناحا بعينه، ومن يطلب عنوانا محددا، ومن يترك نفسه لمصادفات التجوال.

أمة تشتري الكتب.. فهل تقرأ؟

في أروقة المعرض، لكل زائر طقوسه الخاصة. هناك من يدخل وفي جيبه قائمة عناوين محددة، فيتنقل بين الأجنحة بثقة من يعرف وجهته. وهناك من يترك نفسه لإغراء الأغلفة والعناوين، فيخرج بكتب لم يكن ينوي شراءها أصلا. وهناك صنف آخر يمثله الزائر الذي يتفحص الأسعار  ويقارن بين دور النشر ويسأل عن التخفيضات...  وهناك من يقلّب الكتاب من أوله إلى آخره، قبل أن يعيده إلى الرف برفق وكأنه يعتذر له عن عجز ميزانيته عن تبني هذه الصداقة الجديدة.

أما عشاق الرواية والشعر والفكر، فيجدون أنفسهم أمام امتحان عسير. إنها عناوين كثيرة، وكتب تناديهم من كل جانب.. أما محفظة النقود فلا تشاطرهم الحماسة ذاتها. وقد يغادر الزائر المعرض بكتاب أو اثنين أو ما استطاع إليه  سبيلا، تاركا خلفه قائمة طويلة من الأمنيات الأدبية. وربما وعدا بالعودة في العام المقبل  حين تتحسن الظروف المالية  أو حين تنخفض أسعار الكتب  أو حين يقرّر الناشرون أن يرحموا جيوب القرّاء!

وبين شهوة الاقتناء ومتعة القراءة، يظل السؤال الفيصل قائما: هل نشتري الكتب لأننا نقرأ، أم لأننا نريد أن نطمئن إلى أننا ما زلنا أمة "إقرأ"؟

الكتاب يبحث عن قارئ ...  والقارئ يبحث عن الوقت

في مشهد مألوف يتكرر في معارض الكتب، كثيرا ما يخرج الزائر محمّلا بإصدارات اختارها بعناية أو ربما اختارته هي بأغلفتها وعناوينها والجائزة التي تحصلت عليها... لكن حين تغادر الكتب المعارض  هل  تقرأ أم  ترمى على الرف ؟ هل تجد طريقها معبّدة إلى القراءة  أم تنتهي في مكتبة المنزل مصطفّة جنبا إلى جنب مع كتب أخرى تنتظر دورها منذ أشهر... وربما سنوات؟

ومن  المفارقات في علاقة القارئ والمطالعة أنه  قد يكون اقتناء الكتاب أسهل من العثور على الوقت لقراءته. فأمام غزو شاشات الهواتف وإيقاع الحياة السريع، قد يشتري بعض القراء الكتب  لكن مطالعتها قد تُؤجل إلى عطلة قادمة أو مساء أكثر هدوءا... أو إلى أجل غير مسمى.

هل نحب القراءة أم نحب صورتنا كقرّاء؟

بعد أن يلملم  المعرض الوطني للكتاب التونسي  خيمته وأجنحة رواقه، وبعيدا عن تقييم المبيعات ونسب الإقبال  ومدى رضاء دور النشر... يبقى السؤال الأعمق يتردد في الأرجاء عن طبيعة العلاقة التي نسجها التونسي مع الكتاب. فهل أصبح المعرض موعدا سنويا لترويج الكتاب التونسي ودعم قطاع النشر وتشجيع القراء على المطالعة ، أم مناسبة ثقافية للعرض  والتقاط الصور والاطلاع على جديد دور النشر دون تغيير ملموس؟

قد لا يقدّم المعرض إجابات جاهزة عن هذه الأسئلة، لكنه يمنحنا فرصة لمراقبة علاقتنا بالقراءة من مسافة قريبة. فبين من يبحث عن كتاب يغيّر نظرته إلى العالم، ومن يبحث عن  كتب كهدية مثالية، ومن يشتري كتابا ويؤجل قراءته إلى حين او بعد حين... تبدأ في البيوت الأسئلة الأصعب أو التحدي الأهم في أن يتحول الكتاب من غنيمة اقتناء إلى متعة قراءة، ومن ضيف جديد على الرفوف إلى رفيق لا نملّ العودة إليه. وكما  يقول أمين معلوف: «هناك سحر الكتب، وهناك سحر الحديث عنها».

مؤطر:

الأطفال.. قرّاء في رحلة استكشافية

كتب شاعر الخضراء أبو القاسم الشابي «لله ما أحلى الطفولة»، وللأطفال حضورهم الخاص في أروقة المعرض بتوقيع البراءة والبهجة والفضول. لقد تحولت الرحلات المدرسية إلى فرصة لاكتشاف عالم الكتاب خارج جدران الفصول الدراسية. وربما يكون المعرض أول لقاء للطفل مع الكتاب. ومن هناك،  تغرس بذرة أولى لقارئ الغد أو لكاتب الغد.

تمنحك هذه الوجوه الصغيرة وهي تتنقل بين الأجنحة بحبور الفراشات، جرعة من الأمل في أن تظل للكتاب مكانة وقيمة لدى جيل تحاصره الشاشات من كل الجهات. فربما لا يتذكر بعضهم أسماء دور النشر التي زاروها، لكنهم قد يتذكرون جيدا ذلك الكتاب الذي لفت انتباههم أو القصة التي أرادوا اصطحابها معهم إلى البيت. ومن هذه التفاصيل الصغيرة، تنبثق علاقة طويلة بالمطالعة تُولد في لحظة اكتشاف عفوية  لمعرض الكتاب.

المشاركة في هذا المقال