Print this page

زلزال المليار ونصف في أمريكا يعصف بعمالقة الذكاء الاصطناعي: هل هي معركة القرن الثقافية؟

هناك من يقضي سنوات من عمره في كتابة رواية

أو كتاب، ثم تكتشف أن كلماتك أصبحت جزءا من ذاكرة آلة عملاقة تتحدث بطلاقة، وتجيب عن ملايين الأسئلة، وتحقق لشركات التكنولوجيا أرباحا بمليارات الدولارات.

تخوض الإنسانية اليوم أعتى معاركها  بين  مجد الماضي و"استنساخ" المستقبل.  تتجاوز مسألة استخدام نصوص المبدعين او قرصنتها  لتغذية نماذج الذكاء الاصطناعي مجرد نزاع قانوني حول "حقوق الملكية الفكرية"، لتشكل زلزالا عاصفا يهدد الإبداع الإنساني.             

في اخر التطورات، قد يتعين على عملاق التكنولوجيا الأمريكي أنثروبيك دفع أكثر من 1.5 مليار دولار أمريكي كتسوية لاستخدامه كتبا في تدريب برامج الدردشة الآلية الخاصة به، حيث سيدفع العملاق التكنولوجي 3000 دولار أمريكي عن كل كتاب مقرصن جراء تحميله وتخزينه بشكل غير قانوني أثناء تطوير برنامج "كلود"، في واحدة من أكبر التسويات لحقوق النشر في تاريخ الولايات المتحدة.

في منتصف القرن الماضي، أعلن الناقد الفرنسي رولان بارت "موت المؤلف" ليعطي القارئ حرية تأويل النص وإحياء المعنى. غير أن ما نعيشه اليوم ليس موتا مجازيا للمؤلف على يد القارئ،  انما هو "مصادرة رقمية" لحصيلة الفكر البشري.

فعندما تُشحن مئات الآلاف من الكتب في جوف النماذج اللغوية الضخمة، فإن العملية تتجاوز نطاق الأرشفة أو الاستشهاد الأدبي. إنها عملية تفكيك لغوي شاملة حيث يُجرّد النص من سياقه الإنساني وعاطفة كاتبه ومعاناته الوجودية، ليُختزل في  خوارزميات تقدم "معرفة بلا روح".

اليوم، في الولايات المتحدة، حيث تدور أبرز المعارك القضائية في هذا الملف، أصبحت قاعات المحاكم ساحة مواجهة بين رؤيتين متناقضتين، الأولى ترى أن تدريب الذكاء الاصطناعي على الكتب والأعمال الإبداعية يدخل ضمن حدود الاستخدام المشروع للتعلم والتطوير، والثانية تعتبره استغلالا واسع النطاق لجهد المؤلفين وحقوقهم الفكرية. لكن السؤال الأكبر والأعمق هو مصير الإبداع البشري نفسه.

عندما تدخل الروايات والقصائد والمقالات إلى النماذج اللغوية العملاقة، فإنها لا تُقرأ كما يقرأها البشر. لا أحد هناك يتأثر بمشهد حزين، أو يتوقف أمام جملة بديعة، أو يعيش صراع الشخصيات. النصوص تتحول إلى أنماط رياضية وإشارات رقمية وعلاقات إحصائية، بينما تختفي خلفها التجارب الإنسانية التي منحتها الحياة.

إذا كانت الخوارزميات تستطيع محاكاة أسلوب ألبير كامو أو بلاغة نجيب محفوظ أو فلسفة أمبرتو إيكو... فما الذي سيبقى للمؤلف البشري سوى أن يكون الحارس الأخير على "المعنى" في عالم يتقن كل شيء إلا الشعور؟

فالآلات يمكنها أن تكتب عن الحب، لكنها لا تعيش شغفه،  ويمكنها أن تصف الفقد لكنها لا تعرف وجعه. وقد تنتج نصا يشبه ما كتبه نجيب محفوظ أو ألبير كامو أو أمبرتو إيكو  لكنها لا تستطيع أن تصف الأزقة التي مشى فيها محفوظ  أو عبثية الوجود التي أقلقت كامو  أو الرحلة الفكرية التي رسمت عالم إيكو.

قد تتمكن الخوارزميات من كتابة النصوص بسرعة تفوق البشر آلاف المرات، وقد تصبح قادرة على محاكاة أكثر الأساليب الأدبية تعقيدا. لكن ما لا يمكن برمجته أو استنساخه هو تلك الشرارة الغامضة التي تجعل إنسانا يكتب لأنه يحب أو يحلم أو يتألم أو يخشى النسيان.

المشاركة في هذا المقال