Print this page

مدير المعرض الوطني للكتاب التونسي توفيق قريرة لـ "المغرب": «الورق لا يموت... ومن يحب الكتاب فليساهم في بقائه حيا»

في مكتبه، لا يبدو توفيق قريرة من أولئك الذين تغريهم

الكراسي المريحة. يقولها ببساطة  وصراحة: "لا أرتاح إلى الكراسي الوثيرة". تبدو هذه الجملة عابرة، لكنها ربما تختصر شيئا من شخصيته، رجل لا يحب الاستكانة، ولا يطمئن إلى الأفكار حين تتحول إلى مسلّمات. وحين يتحدث، سرعان ما تتجلى فصاحة الكاتب المختبئ خلف وجاهة المسؤول. فهو يختار عباراته بعناية، ويبني جمله كما لو أنه يكتبها ولا يرتجلها ردا على أسئلة الحوار... هذا الحوار.

في قلب المشهد الأدبي، يجد الأستاذ الجامعي توفيق قريرة نفسه أمام أكثر من رهان، مديرا للمعرض الوطني الكتاب التونسي ومديرا لمعهد تونس للترجمة في آن واحد. ما بين معرض يعود، وكتاب يقاوم، وقارئ يتغير، وصناعة نشر تبحث عن مخرج ... يتحدث توفيق قريرة عن جديد المعرض، وجوائزه، وبرنامجه الثقافي، وعن أزمات النشر والتوزيع... قبل أن يقودنا الحديث إلى معهد تونس للترجمة، حيث يحمل مشروعا يتجاوز نقل كتب العالم إلى العربية، نحو طموح آخر ألا وهو أن تجد الثقافة التونسية طريقها إلى العالم.

* العودة بعد انقطاع سنتين يرتفع معها سقف التطلعات وانتظارات الكُتاب والناشرين والقراء على حد سواء... ما الذي أعددتموه من مستحدثات وتجديد في هذه الدورة؟

بصفة عامة، تتأرجح المعارض الدولية دائما بين الثابت والجديد في سياق التطوير المستمر للقطاع الثقافي. بالنسبة للركائز الثابتة التي نحرص على تطويرها، فهي المحطات الناجحة القائمة على عرض الكتاب والتعريف بالناشر والكاتب التونسي. إنها فرصة حصرية للمبدع المحلي، ومن هذا المنطلق حرصت وزارة الثقافة على تخصيص معرض وطني تُفرد فيه مساحة كاملة للناشر والكتاب التونسي، وهو مكسب سنواصل ترسيخه.

أما ما أعدنا النظر فيه لتطويره، فهو تجويد آليات العرض، فنحن نسعى إلى الارتقاء بطريقة تقديم الكتاب بما يليق بقيمته الفكرية، فالكتاب يحمل بين دفتيه عصارة فكر صاحبه، ويجب أن يُعرض في واجهة جاذبة تشد القارئ. وفي هذا الإطار، قررنا القطع مع عرض لا يقيم اعتبارا لجمال الواجهاتو أوصينا بترك عرض الألعاب التي تشتت اهتمام الطف بالكتاب، لنوجّه تركيزه كاملا نحو الكتاب أولا وأخيرا.

كما نعمل على إتاحة قائمة ببليوغرافية شاملة للكتب المعروضة قبل انطلاق المعرض، لتستطيع المؤسسات والأفراد تحديد اقتناءاتها بدقة.

وعلى مستوى الجوائز، آثرنا تقديم موعد الإعلان عنها لتكون في افتتاح التظاهرة بدلا من منتصفها أو نهايتها، لأن الاحتفاء بالمبدع والعمل الفائز في البداية ينعكس مباشرة على شهرة الكاتب وحركة المبيعات وانتشار الكتاب.

*هذا يعود بنا إلى فترة الغياب.. فهل كانت هاتان السنتان فرصة لإعادة الهيكلة والعودة أفضل وأقوى، أم كانت مجرد فترة لتجاوز عقبات بيروقراطية ولوجستية؟

لم يكن الأمر تعطيلا بيروقراطيا بالمعنى الإداري، بل كان تأجيلا حواريا  مرده التوافق على موعد  يلائمأجندة الناشرين وارتباطهم بالمعارض الدولية الأخرى. فنحن نفضل تسمية ذلك مفاوضات وتقريبا لوجهات النظر، فالأرضية المشتركة والتفاهم يسوّغان أي تأخير. لم تكن لدى الوزارة أو الإدارة أية نية لإلغاء المعرض، بل استثمرنا تلك الفترة في توسيع أبواب الحوار والاستماع بانتباهللناشرين والأدباء، باعتبارهم عماد هذه التظاهرة.

* بالحديث عن الجوائز، غالبا ما يرافق الإعلان عن المتوّجين جدل واحتجاج حول المعايير والمقاييس. هل تمتلك جوائز هذه الدورة الصرامة النقدية الكافية لتفنيد كل الاتهامات بوجود شبهات ؟

نحن لا نسعى إلى إسكات الأصوات المحتجة،  فالنقد ظاهرة صحية وعلامة حيوية ثقافية. لكننا نطمح إلى نقد موضوعي متين، لا نقد دافعه مرارة عدم الفوز وإثارة اللغط. لقد اعتمدنا لجان تحكيم على درجة عالية من الموضوعية. ولذلك فإنّ اللجان هذه الدورة تتمتع بدرجة كبيرة من السرية، حتى إن هيئة المعرض نفسها لا تعرف أعضاءها، وأنا أعرفها فقط بحكم مسؤوليتي. وهذا ليس تشكيكا في هيئة المعرض، وإنما هو إجراء لدرء الشبهات وترك اللجان تعمل بمنتهى الحرية والاستقلالية.

*وماذا عن المعايير التي على أساسها  تمّ إعداد البرنامج الثقافي والندوات الفكرية؟ هل سنشهد خروجا عن الأشكال التقليدية للندوات والاقتراب أكثر من أسئلة المشهد الثقافي الراهن،؟

بالتأكيد. لقد واصلنا اعتماد مبادرة "الولاية الضيف "، فبعد ولاية صفاقس في دورة سابقة، نحتفي هذا العام بولاية نابل. وبدلا من إلقاء محاضرات عابرة تذهب أدراج الرياح، قررنا توثيق شهادات حية عن أعلام الولاية في الفكر والأدب في كتب ورقية يبقى أثرها ولا يندثر. كما يتضمن البرنامج الثقافي لقاءات وحوارات تشيّد جسور التواشج بين الكتاب وبقية الفنون كالمسرح والسينما والفنون التشكيلية، ليكون الكتاب التونسي معينا  رافدا للثقافة بمختلف أبعادها.

* تتنوع شعارات الدورات وتتغيّر العناوين، لكن البنية التحتية لصناعة النشر تراوح مكانها. ما الذي سيقدمه المعرض حتى لا يتحول إلى سوق موسمية تنتهي بانتهاء أيامه؟

شعار هذا العام هو "اقرأ..  الحياة تشرق" ويحمل دعوة صريحة  للقراءة بعمق. فإن تقرأ.. فكيف تقرأ؟ هل تقرأ على السطوح أم في العمق؟فالقراءة السطحية تبقيك على السطح، بينما الغوص في العمق يكشف لك عن حياة تشرق بالمعرفة.  بالمناسبة، تشير تقارير الاتحاد الدولي للناشرين إلى احتلال تونس مراتب متقدمة عربيا وإفريقيا في عدد الكتب المنشورة سنويا، مما يؤكد أن سوق الكتاب لدينا أوسع مما نتخيل وأفضل مما نرى  في نطاقنا المحلي.

*يخوض الكتاب الورقي اليوم رهانا مصيريا أمام هيمنة الفضاءات الرقمية والوسائط الحديثة. بصفتك في موقع المسؤولية والتخطيط، كيف تقرأ واقع الكتاب التونسي اليوم؟

 

إنّ القول بـ "احتضار الورق" هو تشخيص بصيرته قاصرة. فالورق لا يموت، بل يتغير موقعه في المعادلة الإدراكية للقارئ. الرهان اليوم ليس خوض معركة ضد التكنولوجيا، بل الاستفادة منها لخدمة الكتاب. إنّ الكتاب التونسي يمتلك عمقا معرفيا وتنوعا إبداعيا لافتا، لكنه يعاني من أزمات هيكلية تتعلق بالتوزيع والتسويق في الوصول إلى القارئ. دورنا في المعرض الوطنيللكتاب التونسي لا يقتصر على إقامة احتفالية سنوية، بل يكمن في خلق بيئة اقتصادية وثقافية مستدامة تجعل القراءة فعلَ حياة واستثمارا في الوعي الجمعي.

أما فيما يتعلق بأزمة النشر، فأنا ضد خطاب الأزمة الذي يكتفي بالتذمر دون تقديم حلول. المشكلة الحقيقية تكمن في أننا في مرحلة انتقالية يعيشها القارئ بين سحر الورق وتدفّق الكتاب الإلكتروني المجاني. وهنا نحذّر من قراصنة الكتب لأنّ الإقبال على الكتاب الورقي أو الرقمي المقرصن يصيب الكاتب وصناعة النشر فيمقتل.فمن يحب الكتاب فليساهم في بقائه حيا: ان يدفع ثمنه.

لابد أيضا من لفت الانتباه إلى أنّ الساحة تشهد تساهلا إبداعيا، إذ يكفي أن ينشر أحدهم نصا على المنصات الرقمية فيجد التشجيع الافتراضي وينطلق المتابعون لصفحته "يجمجمون" له  حتى يظن أنه صار أديبا.  لذا يجب الاستثمار مبكرا في "الطفل المبدع" عبر الورشات التأطيرية منذ الصغر.

*الكتاب التونسي يصل اليوم إلى القائمات القصيرة لكبرى الجوائز العربية. هل يكفي وجود الكاتب البارع، أم أن النجاح  يحتاج أيضا إلى دار نشر تجيد التسويق؟

طبعا وصول الكتاب التونسي إلى القائمات القصيرة لكبرى الجوائز العربية هو اعتراف بقيمة المدونة التونسية في السرد أو في غيره. الترشح إلى هذه الجوائز يقتضي عملا يمتلك قدرا من جزالة الأسلوب وقوة السرد والفكر. كما أن وجود دار نشر ذكية في خطتها الترويجية يمكن أن يساعد في التعريف بالكتاب وتسويقه.

وهذا حدث صحي للأدب التونسي. لدينا صناعة نشر جيدة وأقلام رائعة والجوائز لها مقاييس معروفة.  أما إدراك هذه المقاييس، وما إذا كانت إبداعية خالصة أو تتداخل معها عوامل أخرى، فذلك أمر آخر.

*الترجمة ليست مجرد نقل لغوي معجمي، بل هي فعل نقد وتأويل ومغامرة معرفية. ما هي الخريطة الفكرية التي يتحرك وفقها معهد تونس للترجمة في اختيار النصوص؟

الترجمة هي اختراق للحدود واستضافة للآخر في لغتنا. نبتعد في المعهد عن العشوائية. فلدينا إستراتيجية قائمة على رد الاعتبار للنصوص المفصلية في الفلسفة، والعلوم الإنسانية، والأدب الرفيع، والنصوص التي لم تنل حظها من النقل إلى العربية، بالتوازي مع ترجمة المنجز الفكري والثقافي التونسي إلى اللغات الحية.

*ينتج معهد تونس للترجمة أعمالا نوعية، لكنها كثيرا ما تصطدم ببطء التوزيع وضعف التسويق مقارنة بدور النشر الخاصة. أين يكمن الخلل، وهل من حل؟

يقوم المعهد بالترجمة بدقة متناهية وتخضع النصوص لشرط الأمانة والحرفية العالية، حتى صار اسمه علامة فارقة عبر الحدود، تبحث عنها دور النشر العالمية.كما حدث مؤخرا مع دار نشر إيطالية سلمت المعهد عملًا لترجمته إلى العربية، فأنجزه في وقت وجيز وبأفضل صورة ممكنة. غير أن هذه الأعمال النوعية، بمجرد خروجها من المطابع، تصطدم بواقع مغاير تماما، إذ يخبو حضورها تحت بطء التوزيع وضعف التسويق مقارنة بدور النشر الخاصة.

لا يكمن الخلل هنا في جودة المادة المترجمة، بل في طبيعة المؤسسة ورهاناتها. فالمعهد ليس دار نشر بالمعنى التقليدي، وبالتالي لا يدخل في مسار التوزيع التجاري المتعارف عليه لدى دور النشر الخاصة، ولا يُدار بمنطق الربح المالي.

*هل يقتصر دور معهد تونس للترجمة على نقل الكتب بين اللغات، وما أبرز أنشطتكم وإصداراتكم الأخرى؟

لا ينحصر دورنا في معهد تونس للترجمة في مجرد النقل التقني للكتب من لغة إلى أخرى، بل نعمل على جعل الترجمة فعلا حيا وجزءا أصيلا من المشهد الثقافي. وإلى جانب لقاءات "أربعاء التراجيم" هنا بمعهد الترجمة، نحن ننتج مجلة "عيون الألسن"، إلى جانب إصدارات متنوعة تُعنى بقضايا اللغة والمعرفة ونظريات الترجمة، ونولي اهتماما خاصا للناشئة من خلال إطلاق مشاريع موجهة للأطفال. ففي بادرة أولى من نوعها، أصدر معهد تونس للترجمة مجلّة علمية مُوجّهة للأطفال، تحمل عنوان "أوميقاف" وتصدُر بثلاث لغات (العربية والفرنسية والانقليزية).

*ألا ترون أن تراجم معهد تونس للترجمة تعاني أحيانا من قطيعة بين ما يُكتب محليا وما يُستورد معرفيا عبر الترجمة، بسبب تجنبكم للمستجدات الأكثر تداولا؟

نحن لا نحتكم في خياراتنا إلى "الموضة" السائدة ولا لنظام الصخب الرائج. فإثارة كتاب ما لضجيج واسع لا تعني بالضرورة توافقه مع المعايير العلمية التي تحتكم إليها لجاننا المختصة، والتي تضع في أولوية مهامها الحفاظ على الهوية الثقافية. إننا نتحرك في فلك الرصانة والأمانة المعرفية، بعيدا عن الاستجابة للرغبات العابرة التي قد يثبت الزمن قيمتها أو يفندها.

وهذا لا يعني إطلاقا انغلاقنا عن قامات الفكر العالمي. فقد حاولنا مرارا طرق أبواب كبار المفكرين وترجمة أعمالهم، غير أننا نصطدم أحيانا بسبق مؤسسات أخرى لترجمتها، أو باتساع إمكانياتها المالية مقارنة بما نملكه.
*لو طُلب منك اختيار عنوان واحد من مكتبة المعهد، فأي كتاب من بين هذه الذخائر ترى أنه الأثمن سحرا والأعمق أثرا على رفوف معهد تونس للترجمة؟

يمتلك المعهد رصيدا يضم أكثر من 180 كتابا، ومن الصعب جدا عليّ المفاضلة بينها، فهي عند مثل الأبناء. لكن ما أستطيع تأكيده هو أننا نمتلك زادا معرفيا هائلا يتضمن أعمالا ذات صيت واسع وقيمة علمية كبيرة.

لقد نجح المعهد في إنتاج مؤلفات ومشاريع فارقة في مجالات اللسانيات والنقد والفكر والدين، إضافة إلى مشاريع موسوعية ضخمة وأخرى تستهدف ترسيخ المفاهيم الكونية في مختلف العلوم على غرار ترجمة موسوعة الإسلام أو ما يعرف بــ "دائرة المعارف الإسلامية - مختارات". كما كان المعهد قد وقّع اتفاقية مع مؤسسة Encyclopædia Universalis لتعريب معجمين أساسيين من الموسوعة ونشرهما، هما "معجم الأفكار" و"معجم المفاهيم". وقريبا سيصدر هذا المشروع بعد أن استغرق وقتا أطول في الإنجاز نظرا لحرصنا الشديد على خضوعه لأعلى درجات التدقيق والمراجعة قبل النشر في الأشهر القليلة المقبلة.

*ما الكتاب الذي تتمنى شخصيا أن تتم ترجمته في عهدك؟ وما البصمة التي يريد أن يتركها توفيق قريرة في إدارة معهد تونس للترجمة؟
المعهد يترجم الكتب، لكن هناك أيضا مثقفون ومفكرون كبار حول العالم ينتجون مقالات ودراسات مهمة ومفصلية تستحق الترجمة. وطموحي  أيضا أن يشرع المعهد في ترجمة الآثار التونسية المرجعية في النقد والفلسفة ومختلف العلوم والفنون، لأن لدينا إنتاجا فكريا تونسيا يستحق أن يصل إلى لغات أخرى. كما لدي مشروع أطمح إلى إنجازه، وهو "موسوعة معهد تونس للترجمة"، وهو مشروع لا يزال في طور التصور. أعتقد أنّ دور المعهد لا ينبغي أن يقتصر على نقل المعرفة من الخارج إلى الداخل، بل يجب أن يساهم أيضًا في نقل الفكر والثقافة التونسيين إلى الخارج.

*ختاما، ما هي الرسالة التي تريد إيصالها للقراء وللأدباء وكل المبدعين من خلال موقعك مديرا لمعرض الكتاب التونسي ومعهد الترجمة؟

رسالتي هي أن الثقافة ليست ترفا هامشيا أو مجرد أنشطة موسمية، بل هي خط الدفاع الأول عن الهوية والوعي التنويري. للمبدع أقول: واصل المغامرة ولا تتنازل عن جودة النص وعمقه. وللقارئ أقول: الكتاب هو المساحة الوحيدة التي نملك فيها حرية التفكير دون قيود. نحن هنا لنبني الجسور، ونراهن على أن تونس كانت وستظل منارة للتفكير والفكر.

«نعيش أزمة في الكتابة أكثر مما نعيش أزمة في الكتاب»

«يكفي أن "يُجمجم" لك العشرات على فيسبوك حتى تتوهم أنك أصبحت أديبا»

لا نطارد «الموضة» الثقافية.. الرصانة المعرفية فوق منطق الصخب

«موسوعة معهد تونس للترجمة».. مشروع يتجاوز نقل المعرفة إلى صناعة المرجع

المشاركة في هذا المقال