مفارقة بين نمو القدرات الانتاجية للكهرباء النظيفة واستمرار التبعية للغاز المستورد، فقد ارتفع إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة بنسبة 57% مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، لتصل القدرة الإجمالية المركبة إلى 1149 ميغاواط في المقابل، لم تتجاوز مساهمة هذه المصادر 9.2% من إجمالي إنتاج الكهرباء، بينما يستحوذ الغاز الطبيعي على 90.8%.
ترافقت هذه الأرقام مع تراجع في الاستقلالية الطاقية للبلاد إلى 34%، مقابل 38% في الفترة ذاتها من العام الماضي. وتعود هذه النتيجة إلى اتساع العجز في ميزان الطاقة الأولية بنسبة 10% ليبلغ 3.1 ملايين طن مكافئ نفط، جراء انخفاض الموارد الوطنية بنسبة 8% لتستقر عند 1.6 مليون طن مكافئ نفط، مقابل ارتفاع الطلب على الطاقة الأولية بنسبة 3%.
الفجوة الهيكلية
تنعكس هذه الفجوة الهيكلية بشكل مباشر على الميزان التجاري عبر قطاع الغاز، فقد انخفض الإنتاج المحلي للغاز الطبيعي بنسبة 12% ليتراجع إلى 877 ألف طن مكافئ نفط، ما أدى إلى زيادة الواردات من الغاز الجزائري بنسبة 7% لتصل إلى 1.376 مليون طن مكافئ نفط. ووفق هذا المعطى، أصبح الغاز المستورد يغطي 61% من إجمالي احتياجات التزويد الوطني، في حين تغطي الحقول المحلية 25% فقط.
يواجه هدف رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 35% من إنتاج الكهرباء بحلول عام 2030 تحديات تتعلق بالبنية التحتية والبيئة الاستثمارية. فالجزء الأكبر من الموارد الشمسية والريحية يتركز في ولايات الجنوب والشمال الغربي، بعيدًا عن مراكز الاستهلاك الرئيسية على الشريط الساحلي، ما يفرض تحديث خطوط النقل عالية الجهد. كما تتطلب طبيعة الإنتاج المتقطع للمصادر المتجددة دمج أنظمة التخزين بواسطة البطاريات (BESS) لضمان استقرار الشبكة، وهو ما بدأ تضمينه في مناقصات المشاريع الكهروضوئية في مناطق مثل قبلي.
الجدوى الاقتصادية
تتوقف الجدوى الاقتصادية لهذا الانتقال على حجم القيمة المضافة المحلية داخل القطاع، فاقتصار المشاريع على استيراد الألواح والمعدات يحد من الأثر التنموي، بينما يتطلب خفض الفاتورة الطاقية إدماج الشركات المحلية في خدمات الهندسة والتركيب والصيانة والرقمنة، ويمتد هذا الرهان إلى خطط الاستثمار في الطاقة الخضراء والتصدير عبر مشروع الربط الكهربائي مع إيطاليا (ELMED)، حيث تتحكم كلفة التجهيزات وتطوير الشبكة في قدرة المنظومة على تحويل الإمكانات المناخية إلى خفض فعلي للعجز الطاقي والمالي.
في النهاية تكشف القراءة المتأنية للمعطيات الرسمية لسنة 2026 أن معركة التحول الطاقي في تونس لم تعد معركة حفر ونصب للألواح والمراوح بقدر ما أصبحت معركة كفاءة وتنظيم للمنظومة بأكملها.
إن تجاوز هيمنة الغاز الطبيعي والحد من نزيف الميزان التجاري يتطلبان الانتقال السريع من منطق إضافة القدرات الإنتاجية إلى تحديث الشبكة القومية وإدماج حلول التخزين، بالتوازي مع خلق قيمة مضافة محلية تضمن عدم تجديد شكل التبعية عبر الاستيراد المفرط للتكنولوجيا.
مستقبلاً، لا تتوقف نجاعة الرهان التونسي على مدى قوة الشمس أو قوة الرياح، بل على قدرة الإدارة الاقتصادية على تحويل هذه المزايا الطبيعية إلى أصل إنتاجي تنافسي. فإما أن تنجح الدولة في تسريع إصلاحات هيكل الشبكة ومناخ الاستثمار لتستعيد سيادتها المالية والطاقية، أو أن تظل هذه التحولات النظيفة مجرد مكاسب رقمية هامشية تغطي أجزاءً بسيطة من عجز هيكلي يزداد بمرور الوقت.