النقدي الحذر، يتصدرها التزام البنك المركزي التونسي بالحفاظ على نسبة الفائدة في السوق النقدية (TMM) عند حدود 7.0%. وفي الوقت الذي يُنظر فيه إلى هذه السياسة النقدية بصفتها حائط صد أساسياً لكبح جماح التضخم الذي سجل 5.4% وفق أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء، وحماية القيمة الخارجية للدينار، تبدو انعكاسات هذا التوجه أكثر تعقيداً على مستوى النسيج الاقتصادي الميداني. فالواقع التشغيلي للمؤسسات الصغرى والمتوسطة يواجه اختباراً متواصلاً في إدارة التوازنات المالية بين متطلبات الاستقرار الماكرو اقتصادي وكلفة المحافظة على ديمومة نشاطها الإنتاجي.
إن استقرار الـ TMM عند مستوياته الحالية يتجسد لدى الفاعلين الاقتصاديين في ثبات كلفة الاقتراض البنكي عند معدلات تتراوح فعلياً بين 10% و12% بعد إضافة هامش الوساطة المصرفية. ورغم ما يتيحه هذا الاستقرار من قدرة على ضبط الميزانيات التقديرية وتفادي الشطحات الفجئية لنفقات الدين، فإنه يرسخ عبئاً ثقيلاً على كاهل نسيج المؤسسات.
لقد تحول التمويل من أداة رافعة للاستثمار إلى بند ثابت يقتطع جزءاً هاماً من القيمة المضافة، لا سيما في ظل الضغوط المسجلة على مدخلات الإنتاج، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع القدرة الشرائية للسوق المحلية، مما يحد من قدرة المؤسسات على ترحيل هذه الكلفة الإضافية إلى أسعار البيع النهائية.
ولا يتوقف أثر كلفة الدين عند نتائج الاستغلال فحسب، بل يمتد مباشرة ليتسبب في تجفيف السيولة وضغوط على دورة الخزينة. تجد الشريحة الأكبر من الشركات الصغرى والمتوسطة نفسها مضطرة للاستعانة بتسهيلات السحب على المكشوف والقروض قصيرة الأجل لتغطية احتياجات رأس المال العامل ونفقات الاستغلال المباشرة، غير أن الفوائد المرتفعة الموظفة عليها تجعل من هذه الآليات ملاذاً مكلفاً يلتهم هامش الربحية. ومع استطالة آجال الاستخلاص وتراكم المتخلدات لدى المزودين والحرفاء، تنجرف العديد من المؤسسات نحو حلقة مفرغة من الاقتراض الترقيعي لتفادي شح الخزينة، فتتحول الإدارة اليومية إلى سباق مستمر لإدارة التدفقات المالية المباشرة بدلاً من تركيز الجهود على تطوير الإنتاجية وتنافسية المنتج التونسي.
وعلى صعيد الاستثمار الهيكلي، يُسهم تواصل ارتفاع كلفة التمويل في إبطاء وتيرة التجديد الصناعي والتوسع التنموي داخل النسيج المؤسساتي. تتجه أغلب المؤسسات إلى إرجاء مخططات التوسعة، أو تجديد الآلات، أو الدخول في مشاريع التحول الرقمي والطاقي، تجنباً للالتزام بقروض استثمارية طويلة الأجل ذات فوائد تراكمية مشطة.
هذا المنحى المحافظ يقلص من قدرة المؤسسات على تحسين جودة منتجاتها وتعزيز موقعها في السوق المحلية وأسواق التصدير، فضلاً عن أنه يدفعها إلى استنزاف أصولها الذاتية لتغطية المخاطر التشغيلية الطارئة بدلاً من توجيهها للتطوير الابتكاري.
إن معالجة هذه المعادلة تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز التركيز على سعر الفائدة كأداة وحيدة لإدارة المشهد الاقتصادي.
إذا كان الحفاظ على استقرار الأسعار وتأمين التوازنات المالية أولوية استراتيجية، فإن ضمان تدفق التمويل بكلفة ملائمة للقطاعات الإنتاجية يشكل شرطاً أساسياً لاستدامة النمو. وتقتضي المرحلة تفعيل أدوات تمويلية بديلة أكثر مرونة، وتطوير آليات ضمان القروض، وتوسيع خطوط التمويل التفاضلية الموجهة للانتقال الطاقي والتحديث التكنولوجي، بما يسهم في تخفيف الضغط على النفقات التشغيلية وحماية مكاسب النسيج الاقتصادي الوطني.
ختاماً، يظل الرهان الأساسي للاقتصاد التونسي قائماً على إيجاد الصيغة الموزونة التي توفق بين متطلبات الصرامة النقدية وتوفير التمويل المستدام للقطاعات الاقتصادية المباشرة. فالإصلاح الاقتصادي الشامل لا يقاس فقط بستقرار الأرقام والمؤشرات الرسمية، بل بمدى انعكاسه ميدانياً على القدرة التشغيلية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تمثل الركيزة الأساسية للنشاط الاقتصادي ودفع التشغيل في مختلف الجهات.