سعري بعد فترة من الهدوء، أم أن الأسواق بدأت فعلا تخطط وتستعد لمرحلة أكثر صعوبة؟ وإذا كانت الكميات العالمية لا تزال بعيدة عن مستوى النقص الحاد، فلماذا تقفز أسعار العقود الاجلة بهذه السرعة؟ والأهم هل يمكن أن تتحول موجة ارتفاع في البورصات العالمية إلى أزمة توريد جديدة، في تونس وبقية الدول الموردة للسكر ، أم أن هامش المناورة ما زال متاحا لتفاديها؟
هذه الأسئلة أصبحت أكثر إلحاحا بعدما سجل السكر واحدة من أكبر القفزات في سوق الغذاء العالمية. فقد ارتفع مؤشر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «FAO» لأسعار السكر بنسبة 11.9% خلال شهر أوت 2026، وهي أكبر زيادة بين مكونات مؤشر أسعار الغذاء، الذي صعد بدوره إلى 133.3 نقطة، وهو أعلى مستوى له منذ نوفمبر 2022. ورغم أن المؤشر العام لا يزال أقل بـ16.8% من قمته التاريخية المسجلة في مارس 2022، فإن الاتجاه الأخير يكشف عودة واضحة لـلتخوف من ارتفاع مؤشر المخاطر في أسواق الغذاء.
لكن قراءة هذا الارتفاع باعتباره مقدمة مؤكدة لأزمة سكر عالمية ستكون متسرعة. فالمشكلة اليوم ليست أن العالم استنفد مخزونه، وإنما أن هامش الأمان في السوق أصبح أكثر عرضة للطقس والسياسات التجارية والتحولات في إنتاج الدول الكبرى.
العقود الآجلة و الارتفاع
الارتفاع في السوق الآجلة هو ربما المؤشر الأكثر أهمية لفهم ما يحدث. فعقد السكر الخام القياسي في بورصة ICE يمثل مرجعا عالميا لتسعير السكر الخام، وقد بلغ عقد أكتوبر 2026 نحو 18.07 سنتا للرطل في 4 سبتمبر، والأهم أن العقود اللاحقة كانت تتداول عند مستويات أعلى اي نحو 18.56 سنتا لعقد مارس 2027 و18.06 سنتا لعقد ماي 2027، وفق بيانات العقود الآجلة المنشورة من CME.
هذه البنية السعرية تبين ان المتعاملون لا يسعرون فقط وضع المحصول الحالي، وإنما يضعون في الحساب احتمال بقاء السوق تحت الضغط خلال الأشهر المقبلة.
العقود الآجلة ليست تنبؤا مؤكدا بالمستقبل، لكنها أداة لإدارة المخاطر والتسعير.
لماذا ارتفعت الأسعار الآن؟
السبب الأول هو المناخ حيث ربطت منظمة «FAO» القفزة الأخيرة في أسعار السكر بمخاوف الإنتاج الناجمة عن الظروف الجوية في البرازيل وأوروبا وآسيا. والقطاع يعيش في مرحلة يصبح فيها الطقس عاملا ماليا بقدر ما هو عامل زراعي فالجفاف أو الحرارة الشديدة لا يقللان المحصول فقط، بل يعيدان تشكيل توقعات الأسعار قبل ظهور أرقام الإنتاج النهائية.
تظل البرازيل الحلقة الأكثر حساسية. فهي أكبر قوة في تجارة السكر العالمية، كما أن قصب السكر يمكن أن يتحول إلى سكر، وبالتالي فإن تغير أسعار الطاقة وهوامش الربح يمكن أن يؤثر في الكميات التي تتجه إلى السوق الغذائية.
أما الهند، فقد قدمت خلال الأسابيع الأخيرة دليلا واضحا على حساسية السوق. فقد سمحت الحكومة باستيراد مليون طن من السكر الخام دون رسوم إلى غاية 31 أكتوبر 2026، لمواجهة ارتفاع الأسعار المحلية وتأمين الإمدادات قبل موسم الأعياد. وفي الأول من سبتمبر فتحت المجال أمام طلبات استيراد الكمية المتبقية، البالغة 202550 طنا.
والمفارقة هنا مهمة:فعندما تضطر دولة بحجم الهند إلى اللجوء إلى السوق العالمية لتأمين احتياجاتها، فإنها تتحول في الوقت نفسه من منتج إلى منافس على الكميات المتاحة للتجارة الدولية.
هل العالم مقبل على عجز فعلي؟
الأرقام الرسمية لا تدعم حتى الآن سيناريو أزمة نقص عالمية بالمعنى الدقيق حيث تووقع آخر تقديرات الادارة الأمريكية لموسم 2026/2027 إنتاجا عالميا في حدود 184.9 مليون طن مقابل نحو 186.1 مليون طن في الموسم السابق، أي تراجع يقارب 1.2 مليون طن. لكن في المقابل، تتوقع التقديرات ارتفاع المخزونات العالمية النهائية بنحو 2% إلى حوالي 44.4 مليون طن.
وهنا تكمن المفارقة فالإنتاج يتراجع، لكن المخزونات لا تزال تمنح السوق هامش أمان.
غير أن هذا الهامش ليس متساويا بين الدول، ولا يعني أن الأسعار ستعود بالضرورة إلى مستوياتها السابقة. فالسوق يمكن أن تكون «متوازنة» من الناحية الحسابية، لكنها شديدة التقلب عندما تتركز نسبة كبيرة من التجارة في عدد محدود من المنتجين والمصدرين.
وهذا بالضبط ما يجعل المخاطر المناخية الحالية مختلفة عن أزمة نقص كلاسيكية.
تونس.. أين تبدأ المشكلة؟
بالنسبة إلى تونس، المسألة أكثر حساسية لأن السكر مادة أساسية ترتبط مباشرة بالتموين والأمن الغذائي، فيما يتولى الديوان التونسي للتجارة منذ بداية العقد الماضي مهمة توريد وتوزيع السكر الأبيض والبني على كامل التراب التونسي، لفائدة الاستهلاك الأسري والصناعات الغذائية.
وتكشف بيانات المعهد الوطني للإحصاء حجم اعتماد السوق على الخارج. ففي الأشهر العشرة الأولى من 2025، بلغت واردات السكر 110.6 ألف طن بقيمة 180 مليون دينار، مقابل 213.9 ألف طن بقيمة 439.7 مليون دينار خلال الفترة نفسها من 2024.
أما في جانفي 2026، فقد سجلت تونس توريد 700 طن من السكر بقيمة 1.1 مليون دينار، مقابل 13.7 ألف طن بقيمة 16.1 مليون دينار في جانفي 2025. ولا ينبغي قراءة هذا الرقم الشهري منفردا باعتباره تحسنا أو نقصا في الطلب، لأن توقيت الصفقات ووصول الشحنات يمكن أن يحدث فروقا كبيرة بين شهر وآخر.
المؤشر الأهم بالنسبة إلى تونس ليس إذن سعر السكر في البورصة وحده، بل سعر الصفقة الفعلية عند التوريد، وتوقيت إبرامها، وتكاليف النقل، وسعر الصرف، وحجم المخزون المتاح.
لماذا قد يصبح ارتفاع عالمي محدود مشكلة محلية كبيرة؟
لأن الدولة لا تستطيع ببساطة تمرير كل ارتفاع عالمي إلى المستهلك عندما يتعلق الأمر بمادة أساسية مدعومة أو مسعرة. وإذا ارتفعت كلفة الشراء الخارجي وبقي السعر المحلي دون تغيير، فإن الفارق يظهر في فاتورة الدعم أو في الضغط على المؤسسات العمومية المكلفة بالتوريد.
وفي الاتجاه الآخر، إذا استمر الارتفاع العالمي فترة طويلة، فإن الضغط لا يقتصر على السكر الموجه للاستهلاك المباشر. الصناعات الغذائية تستخدم السكر كمادة أولية في قطاعات عديدة، ما يجعل ارتفاع كلفته قابلا للانتقال تدريجيا إلى أسعار منتجات أخرى.
وهنا تحديدا تتحول سوق السكر من ملف تجاري إلى ملف تضخمي.
الأزمة التي ينبغي أن تستعد لها تونس ليست اختفاء السكر
المعطيات الحالية لا تسمح بالقول إن تونس تتجه حتما إلى أزمة سكر جديدة، كما لا تسمح بتجاهل إشارات السوق، لكن الخطر الأكثر واقعية يتمثل في اجتماع ثلاثة عوامل رئيسية وهي ارتفاع عالمي مستمر، اضطراب في مواعيد التوريد، وانخفاض غير مريح في المخزون المحلي. عندها يمكن أن تنتقل المشكلة من كلفة أعلى إلى اضطراب في العرض.
ولهذا فإن التعامل مع الوضع ينبغي ألا يبدأ عندما تظهر الطوابير أو تنقص الكميات من السوق. التحوط يبدأ قبل ذلك: متابعة العقود الآجلة، توزيع المشتريات على آجال مختلفة، تنويع مصادر التوريد، تعزيز المخزون الاستراتيجي، وتحسين قدرة المؤسسات العمومية على توقّع اتجاهات السوق بدلا من التحرك بعد حدوث الصدمة.
كما أن تطوير الإنتاج المحلي، حتى وإن كان غير قادر على تغطية كامل الاستهلاك، يمكن أن يوفر هامشا إضافيا في أوقات اضطراب الأسواق العالمية.
بين وفرة السكر وهشاشة السوق
الرسالة التي ترسلها الأسواق حاليا ليست أن العالم نفد منه السكر، وإنما أن السكر الرخيص والمضمون لم يعد أمرا يمكن افتراض استمراره.
فالإنتاج العالمي ما زال كبيرا والمخزونات موجودة، لكن الطقس أصبح أكثر تقلبا، والهند تعود إلى الاستيراد، والبرازيل تظل عاملا حاسما، بينما تتحرك العقود الآجلة عند مستويات تعكس مخاطرة أعلى.
بالنسبة إلى تونس، لا تكمن المسألة في انتظار معرفة ما إذا كان سعر السكر سيبلغ رقما قياسيا جديدا، وإنما في معرفة ما إذا كانت البلاد مستعدة لتحمل ارتفاع عالمي يستمر عدة أشهر. فإذا كانت السوق العالمية قادرة على توفير السكر، فإن التحدي التونسي سيكون ماليا ولوجستيا بالدرجة الأولى. أما إذا تزامن ارتفاع الأسعار مع اضطراب في الإمدادات، فإن المسألة ستتحول سريعا إلى اختبار لقدرة منظومة التوريد على الاستباق.
وهنا يكمن الفارق بين أزمة يمكن إدارتها وأزمة تفاجئ السوق فالأولى تبدأ في غرف التخطيط، أما الثانية فتبدأ عندما يصبح السكر مفقودا من الرفوف.