Print this page

مع تجدّد الضربات الأمريكية.. سيناريوهات تضع إيران أمام خيارات صعبة

تتجه الأنظار مجددا إلى طهران، بعد أن أعادت الضربات الأمريكية

فتح باب التكهنات بشأن طبيعة الرد الإيراني وحدوده، في وقت تتسع فيه مساحة الخيارات أمام القيادة الإيرانية، من الرد العسكري المباشر إلى استخدام أوراق الضغط الاقتصادية والأمنية التي تمتلكها في المنطقة.وبينما تحاول واشنطن فرض واقع ميداني جديد عبر تكثيف الضربات والضغط على إيران، تواجه طهران معادلة شديدة التعقيد كيف ترد على الهجمات الأمريكية بقوة كافية لحفظ قدرتها على الردع، من دون أن تتحول خطواتها إلى شرارة لحرب أوسع يصعب التحكم في مسارها.

وتقول تقديرات إن أخطر ما في المرحلة المقبلة ليس بالضرورة حجم الضربة التالية، وإنما طبيعة المكان الذي قد تختار إيران أن ترد فيه، خصوصا أن ساحات المواجهة لم تعد محصورة داخل الأراضي الإيرانية، بل تمتد إلى دول المنطقة وممرات الطاقة والبحر الأحمر، فضلا عن المجال السيبراني.

ويؤكد خبراء أن أي قرار إيراني بالتصعيد سيكون محسوبا على أكثر من جبهة، في ظل إدراك طهران أن استهداف المصالح الأمريكية مباشرة قد يستجلب ردا أقسى، بينما قد يؤدي الضغط على الملاحة والطاقة إلى إدخال قوى إقليمية ودولية جديدة في دائرة الصراع.

ووفق مراقبين تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية، قد تحدد طبيعة المواجهة بين واشنطن وطهران ومسارها خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

توسيع نطاق الهجمات الإيرانية

ويرى خبراء أن السيناريو الأول يتمثل في انتقال إيران من الردود المحدودة إلى توسيع نطاق عملياتها ضد المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة، وربما استهداف منشآت حيوية في الدول التي ترى طهران أنها تقدم دعما للعمليات الأمريكية.وقد شنت إيران بالفعل هجمات على عدد من الدول المجاورة استهدفت القواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها، فيما وجهت تحذيرات شديدة اللهجة إلى دول المنطقة من المشاركة في أي جهود تستهدف الاقتصاد الإيراني.ومنذ اندلاع الحرب في 28 فيفري، تعرضت دول خليجية والأردن لهجمات إيرانية متكررة، بعضها طال منشآت مرتبطة بالطاقة والبنية التحتية، إلى جانب أهداف عسكرية.

ويحذر خبراء من أن انتقال الاستهداف إلى منشآت النفط والغاز قد يفتح الباب أمام أزمة اقتصادية عالمية، إذ إن أي ضربة كبيرة للبنية التحتية للطاقة في الخليج قد تدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى، وهو ما قد يضع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة.ولا تتوقف المخاطر عند قطاع الطاقة، إذ إن استهداف محطات الكهرباء أو منشآت تحلية المياه في منطقة تعتمد بصورة كبيرة على هذه المنشآت لتأمين احتياجات السكان سيكون، وفق مراقبين، تطورًا بالغ الخطورة.

ويؤكد خبراء أن دول الخليج تمثل مراكز مالية وتجارية رئيسية للاقتصاد العالمي، وبالتالي فإن توسيع دائرة الهجمات قد يجعل احتواء تداعيات الحرب أكثر صعوبة، ويحوّل المواجهة من صراع عسكري محدود إلى أزمة إقليمية ذات انعكاسات دولية واسعة.

خنق حركة النفط عبر مضيق هرمز

ولعلّ السيناريو الأكثر حساسية -وفق مراقبين- بالنسبة للأسواق العالمية يتمثل في محاولة طهران استخدام سلاح النفط والممرات البحرية للضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.وقد هدد محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، بإيقاف صادرات النفط في حال استمرار ما وصفه بالحرب الاقتصادية على بلاده.

وتحمل هذه التهديدات أهمية خاصة بسبب الموقع الاستراتيجي لمضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، إذ كانت تمر عبره قبل اندلاع الصراع كميات ضخمة من النفط والطاقة العالمية.وبالفعل، أسهمت الهجمات والتهديدات الإيرانية في اضطراب حركة الملاحة عبر المضيق، بينما بقيت حركة ناقلات النفط عند مستويات منخفضة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.

ويرى متابعون أن إغلاق المضيق بصورة فعلية أو شبه كاملة سيكون بمثابة "ورقة ضغط قصوى" في يد طهران، لكنه في الوقت نفسه قد يجر عليها ردًا عسكريًا أميركيًا واسعًا، خصوصًا إذا أدى تعطيل الملاحة إلى تهديد مباشر لإمدادات الطاقة العالمية.كما أن أي هجمات إضافية بالصواريخ أو الطائرات المسيرة أو الزوارق السريعة على ناقلات النفط قد تدفع شركات الشحن والتأمين إلى رفع تكاليف النقل، وهو ما سينعكس سريعًا على أسعار الخام والأسواق المالية.ولا تقتصر المخاطر على مضيق هرمز، إذ يمتد التصعيد المحتمل إلى البحر الأحمر وباب المندب، حيث تملك جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران القدرة على التأثير في حركة الملاحة.

وقد أدت الهجمات والتهديدات الحوثية بالفعل إلى اضطراب حركة السفن في البحر الأحمر، فيما بدأت شركات شحن، وفق مصادر في القطاع، بإعادة النظر في مساراتها وتغيير بعض الرحلات بعيدًا عن باب المندب.ويعتقد خبراء أن توسيع هذه الهجمات ليشمل ناقلات النفط أو المنشآت النفطية في البحر الأحمر يمكن أن يرفع مستوى المخاطر في سوق الطاقة بصورة كبيرة، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع اضطراب الملاحة في هرمز.

وبذلك قد تجد الأسواق العالمية نفسها أمام أزمة مزدوجة، الأولى في الخليج والثانية في البحر الأحمر، وهو سيناريو كفيل بزيادة أسعار النفط ورفع تكاليف النقل والتأمين وإعادة تشكيل مسارات التجارة العالمية.

نقل المواجهة

أما السيناريو الثالث، والأكثر تعقيدا على الصعيد الامني، فيتمثل في محاولة إيران نقل جزء من المواجهة إلى الساحة الغربية، من خلال الهجمات السيبرانية أو عمليات تستهدف مصالح أمريكية وأوروبية.

ورغم أن الدول الغربية تقع خارج نطاق غالبية الصواريخ الإيرانية التقليدية، فإن طهران تملك أدوات أخرى يمكن استخدامها للرد، أبرزها الهجمات الإلكترونية والشبكات السرية والعمليات غير المباشرة.وكانت بريطانيا قد أعلنت عن هجوم إلكتروني نسبته إلى جهات مرتبطة بإيران، أدى إلى تعطيل محطة كهرباء صغيرة، بينما اتهم مسؤولون أميركيون طهران بالوقوف، على الأرجح، وراء هجمات إلكترونية استهدفت منشآت مياه في ولاية مينيسوتا.

كما سبق أن اتهمت أجهزة أمن غربية إيران بتجنيد أشخاص لتنفيذ هجمات أو محاولات اغتيال على أراضي دول غربية، وهي اتهامات تنفيها طهران.

ويرى مراقبون أن هذا النوع من التصعيد قد يكون أكثر جاذبية لطهران في حال أرادت الرد بقوة دون الانخراط في مواجهة صاروخية مباشرة مع الولايات المتحدة، إذ يسمح لها بإحداث خسائر أو اضطرابات مع إبقاء مستوى المواجهة العسكرية التقليدية تحت سقف معين.لكن خبراء يحذرون في المقابل من أن استهداف البنية التحتية الحيوية في الدول الغربية قد يؤدي إلى رد أمريكي وأوروبي أكثر قوة، وقد يدفع الصراع إلى مرحلة يصعب فيها الفصل بين "الحرب بالوكالة" والمواجهة المباشرة.

المشاركة في هذا المقال