Print this page

فيما بكين ترفض الانخراط في إستراتيجية العزل الأمريكية : ترامب يصعّد "الحرب الاقتصادية" والعسكرية على إيران..

تدخل المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية مرحلة جديدة أكثر تعقيدا

بعدما قررت إدارة الرئيس دونالد ترامب نقل الضغط على طهران إلى مستوى اقتصادي أشد ، عبر توسيع العقوبات واستهداف شبكات التمويل والتجارة والنقل المرتبطة بإيران، في محاولة لخنق مصادر دخلها ودفعها إلى تقديم تنازلات سياسية.

لكن التصعيد الأمريكي لا يصطدم هذه المرة بإيران وحدها، إذ تبرز الصين بوصفها الحلقة الأكثر حساسية في الخطة الأمريكية، بالنظر إلى موقعها كأكبر مشتر للنفط الإيراني، وما يعنيه ذلك من قدرة لبكين على توفير متنفس اقتصادي لطهران حتى في ظل العقوبات والحصار.ويرى مراقبون أن واشنطن أمام معادلة شديدة التعقيد وهي إضعاف إيران من دون تحويل معركة العقوبات إلى مواجهة اقتصادية مباشرة مع الصين.

واشنطن ترفع سقف التهديد

وكانت تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت واضحة في تحديد طبيعة المرحلة المقبلة، عندما أعلن أن الولايات المتحدة ستفرض ما وصفه بـ''أقسى العقوبات في التاريخ'' على إيران.وقال بيسنت إن الإستراتيجية الأمريكية تقوم على ''ضربة مزدوجة'' تجمع بين الحصار والعقوبات، مضيفاً أن الضغط الاقتصادي يهدف إلى دفع النظام الإيراني نحو الانهيار.

ولم تتوقف لهجة التصعيد عند هذا الحد فقد أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في 24 أوت عن حملة جديدة ، محذرة الدول والكيانات التي تواصل التعامل مع إيران من التعرض لعقوبات ثانوية.وقال بيسنت، في تصريح حديث، إن واشنطن تعتزم فرض إجراءات عقابية بصورة أسبوعية، بدءاً بالمؤسسات المصرفية التي تحتفظ بأموال إيرانية أو تساعد النظام الإيراني في إجراء معاملاته المالية.

وأضاف الوزير الأمريكي أن المرحلة المقبلة قد تشمل عزل مؤسسات مالية بصورة كاملة عن النظام المالي القائم على الدولار، في رسالة تعكس مدى اعتماد واشنطن على قوة العملة الأمريكية كسلاح في معركتها مع طهران.

ووفق مراقبين يحاول بيسنت تقديم العقوبات الجديدة باعتبارها أكثر من مجرد إجراءات مالية، فهي في نظر الإدارة الأمريكية اختبار للدول والشركات التي ستقرر الاستمرار في التعامل مع إيران.وفي هذا السياق، قال وزير الخزانة الأمريكي إن الرسالة التي ستوجهها واشنطن إلى وزراء مالية مجموعة العشرين ومحافظي البنوك المركزية واضحة ''على المؤسسات المالية قطع علاقاتها الاقتصادية مع إيران، وإلا فإنها ستواجه العقوبات الثانوية''.وفي تصريحات سابقة، قال بيسنت إن واشنطن ستستهدف كل من يساعد في تحويل النفط الإيراني إلى عائدات مالية، مؤكداً أن ''لا أحد فوق نطاق العقوبات الأمريكية''.

ويرى متابعون أن هذه اللهجة تكشف تحولا مهما في السياسة الأمريكيةـ فواشنطن لم تعد تكتفي باستهداف إيران مباشرة، بل تحاول إجبار الأطراف التي توفر لها منافذ اقتصادية على الاختيار بين السوق الأمريكية والتعامل مع طهران.

فالصين كانت تستحوذ على أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المشحون، وفق بيانات شركة Kpler، ما يجعلها منفذا أساسيا لصادرات طهران النفطية. إلا أن البيانات الحديثة تشير إلى تراجع ملموس في التدفقات خلال الأشهر الأخيرة نتيجة الحصار الأمريكي واضطراب حركة النقل.

ورغم ذلك، لا تزال المصافي الصينية المستقلة من أبرز المشترين للخام الإيراني، مستفيدة في كثير من الحالات من الخصومات وشبكات تجارة تقلل من التعرض المباشر للعقوبات.وتؤكد هذه المعطيات أن الصين ليست مجرد شريك تجاري آخر لإيران، وإنما تمثل أحد أهم الشرايين التي يمكن أن تمنع الاقتصاد الإيراني من الوصول إلى مرحلة الاختناق الكامل.

بكين: العقوبات لن تحل الأزمة

في المقابل، رفضت الصين بوضوح المنطق الأمريكي وقال متحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن إن العقوبات والضغوط "لا تساعد في حل المشكلة"، داعيا الأطراف المعنية إلى التعامل مع القضية عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية.

ويرى مراقبون أن الموقف الصيني لا يتعلق فقط بمصالح بكين النفطية، وإنما أيضاً برفضها منح الولايات المتحدة حق تحديد شركائها التجاريين.فإذا قبلت الصين بأن تحدد واشنطن ما يمكن للشركات الصينية شراؤه من إيران، فقد تجد نفسها مستقبلا أمام المطالب نفسها بشأن تعاملاتها مع روسيا أو دول أخرى تقع تحت العقوبات الأمريكية.

ترامب لا يريد حرباً اقتصادية مع بكين

ووفق خبراء فإن المفارقة أن الإدارة الأمريكية نفسها تدرك كلفة الذهاب بعيدا في استهداف الصين.ففي 24 اوت، فرضت واشنطن عقوبات على عشرات الأفراد والكيانات والسفن المرتبطة بإيران، لكنها لم تستهدف المؤسسات المالية الصينية الكبرى التي يشتبه في تسهيلها تجارة النفط الإيراني.ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه واشنطن وبكين إلى إدارة ملفات اقتصادية وتجارية حساسة، بينما يتوقع أن تشهد العلاقات بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ محطة تفاوضية مهمة خلال الفترة المقبلة.

ويرى محللون أن استهداف بنك صيني كبير قد يؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة بصورة يصعب على الطرفين احتواؤها.ولهذا، يبدو أن واشنطن تحاول حتى الآن السير على حافة دقيقة رفع تكلفة تعامل الصين مع إيران من دون دفع بكين إلى معركة اقتصادية مفتوحة مع الولايات المتحدة.

وفي محاولة للدفاع عن فعالية الإجراءات الأمريكية، قال بيسنت إن الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية أدى إلى كبح معظم مشتريات الصين من النفط الإيراني، وإن كمية النفط الإيراني المخزنة على متن الناقلات آخذة في التراجع، مضيفا أن ''المشكلة حُلّت''.لكن بيانات الشحن تشير إلى أن الصورة أكثر تعقيدا.

ويرى مراقبون أن انخفاض الصادرات لا يعني بالضرورة قطعها بالكامل، وهو ما يجعل المعركة الاقتصادية بين واشنطن وطهران معركة طويلة الأمد أكثر منها ضربة واحدة حاسمة.

وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد انتقد تصريحات ترامب، معتبراً أن الضغوط الأمريكية لا تعكس بالضرورة قدرة واشنطن على فرض إرادتها على إيران. كما أشار رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى أن الشركاء التجاريين لإيران لا يأخذون التهديدات الأمريكية على محمل التنفيذ.ويرى متابعون أن تجربة العقوبات الطويلة جعلت إيران تطور آليات واسعة للتكيف معها، من شبكات الوسطاء إلى وسائل الدفع البديلة وبيع النفط بأسعار مخفضة.وبالتالي، فإن العقوبات تستطيع تقليص الموارد الإيرانية وإرهاق الاقتصاد، لكنها لا تضمن بالضرورة انتقال الضغط الاقتصادي إلى تنازل سياسي.

تصعيد الميدان

ولا تجري هذه الحرب الاقتصادية بمعزل عن التطورات العسكرية.فالتصعيد حول مضيق هرمز، واستهداف مواقع ومنشآت مرتبطة بالصراع، أعادا التأكيد على أن الاقتصاد والطاقة والميدان العسكري باتت ملفات مترابطة في المواجهة بين واشنطن وطهران.

وترى قراءات عسكرية أن السيطرة على مسارات الطاقة وحركة الملاحة أصبحت جزءا من معادلة الضغط المتبادل فواشنطن تريد منع إيران من الحصول على عائدات نفطية، بينما تملك طهران أوراقا يمكنها التأثير من خلالها على أمن الطاقة العالمي.

وأعلن مسؤول أمريكي أن القوات الأمريكية قصفت ، راجمتي صواريخ تابعتين للحرس الثوري الإيراني في جزيرة لارك بمضيق هرمز، بينما أفادت مصادر إيرانية بسماع دوي انفجار قرب الجزيرة.وقال مسؤول أمريكي إن قوات أمريكية استهدفت، في وقت سابق، منصتي إطلاق إيرانيتين في جزيرة لارك، موضحا أنه تم رصد قوات تابعة للحرس الثوري الإيراني وهي تستعد لإطلاق صواريخ محمّلة بألغام بحرية باتجاه مضيق هرمز.وفي السياق ذاته، قال المسؤول الأمريكي إن القوات الأمريكية أكملت إزالة الألغام من مسارات الشحن الدولي في مضيق هرمز.

في المقابل، أعلن الحرس الثوري مقتل وإصابة عدد من المقاتلين والمواطنين الإيرانيين في الهجوم، مضيفا أن "عدوان العدو على جزيرة لارك سيقابل بالرد ومعاقبة المعتدي".وقال المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني إن "العدو سيدفع ثمن تداعيات حساباته الخاطئة اقتصاديا وعسكريا"، واصفا الهجوم على لارك بأنه "خطأ إستراتيجي وقاتل"، ارتكبه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في خضم الحرب الاقتصادية التي يشنّها على إيران.وشدّد المسؤول العسكري الإيراني على أن الهجوم سيؤدي إلى تغيير في موازين القوى "ضد مخططيه"، منوها إلى أنه سيترتب عليه "تكاليف باهظة".

ونقل التلفزيون الإيراني عن الحرس الثوري، أن الهجوم يأتي على خلفية "عجز العدو عن حل مشكلاته الداخلية وتراجع مكانته بين دول المنطقة"، مشيرا إلى أن القصف يعكس "محاولة لإحياء دوره المشؤوم وتبرير أفعاله أمام الرأي العام".وكانت وكالة تسنيم الإيرانية قالت إن "العدو شن قبل ساعة هجوما بطائرة مسيّرة على جزيرة لارك في محافظة هرمزغان جنوبي إيران".كما قال التلفزيون الإيراني لاحقا، إن هناك دوي انفجارات في مدينة سيريك جنوب البلاد قد تكون مرتبطة بهجمات إيرانية في مضيق هرمز.

المشاركة في هذا المقال