Print this page

مؤشرات النمو في تونس: اقتصاد يتعافى دون استثمار!

 

نشر المعهد الوطني للإحصاء أحدث مؤشراته نهاية الأسبوع المنقضي

كاشفًا عن نمو الاقتصاد التونسي بـ2.3% خلال الثلاثي الثاني، وبنحو 2.4% خلال السداسي الأول. وهي أرقام تبدو للوهلة الأولى إيجابية، خاصة إذا وقعنا في فخ قراءة نسبة النمو بمفردها، دون النظر إلى بقية المؤشرات المرافقة.

وهو فخ سيقود إلى استنتاج متسرع عن وضعنا الاقتصادي وآفاقه، لا يمكن تجنبه إلا بالنظر إلى ما تخبرنا به بقية المؤشرات، من بينها: كيف يتوزع هذا النمو، وما هي القطاعات التي قادته؟ فهذا التدقيق يسمح بفهم النمو الذي تحقق، ويمكن لاحقًا من استنتاج إن كنا أمام استعادة النشاط الاقتصادي، أم أمام مؤشرات تحول في القدرة الإنتاجية للاقتصاد التونسي.

هذه القراءة القائمة على تفكيك المؤشرات وفهمها ضرورية للوقوف عند الوضع الحقيقي للاقتصاد التونسي وفهم نموه، الذي لا يقاس فقط بالحجم والنسب، بل أيضًا بمصادره وبمدى قدرته على الاستدامة، ولكن الأهم أنها تكشف إن كان الاقتصاد التونسي يتجه لاستعادة نسقه وأنشطته، أم أنه تعافى وخلَق دورة توسع قائمة على الاستثمار والإنتاجية وتراكم رأس المال.

نمو تقوده الفلاحة والخدمات

هنا يكشف تفكيك معطيات النمو خلال الثلاثي الثاني من السنة الراهنة أن التحسن لم يكن موزعًا بالتساوي بين القطاعات الاقتصادية، فقد ارتفعت القيمة المضافة للفلاحة بنسبة 5.5%، والخدمات بنسبة 1.9%، والبناء بنسبة 3.6%، في حين لم يتجاوز نمو الصناعات التحويلية 0.9%، في حين تواصل نمو القطاع الصناعي بمستويات ضعيفة.

وهذا التوزيع والتركيبة يكشفان ما يتجاوز ظاهرها. فقطاع الفلاحة، الذي ساهم بنصف نقطة نمو إذا تعلق الأمر بنسبة السداسي الأول، لم يرتبط تحسن مؤشراته باستثمارات جديدة أو توسع النشاط بقدر ما ارتبط باستعادة النشاط بعد مواسم جفاف، والأمر ذاته في علاقة بقطاع الخدمات المسوقة، التي ساهمت بنقطة من النمو نتيجة تحسن مؤشرات النشاط السياحي والخدمات المرتبطة به، كالنقل، وهو تحسن نتج عن ارتفاع الطلب لا عن استثمارات جديدة أو تحسن في الإنتاجية وتعزيز تراكم رأس المال.

فما تقدمه لنا الأرقام هو صورة تفصيلية تكشف أن محركات النمو المسجل هي بالأساس قطاعات موسمية كالقطاع الفلاحي والخدماتي، في حين أن القطاعات الأكثر قدرة على الإنتاجية الواسعة والاندماج في سلاسل القيمة، كالصناعة، لم تحقق بعد انتعاشًا يسمح لها بأن تكون المحرك الرئيسي للنمو.

وهذا ما يكشف عن مفارقة النمو في تونس، حيث يسجل نمو إيجابي في اقتصاد لم يشهد تغييرًا في بنيته الإنتاجية، بل استفاد من عوامل مناخية أو ارتفاع طلب داخلي ظرفي ليحقق نموًا بنقطتين، وهو ما يحيل إلى اقتصاد في طور استعادة نشاطه، وهذا، بقدر ما هو إيجابي، إلا أنه يخفي داخله عوامل عدم الاستقرار، إذ هو اقتصاد لم يوسع قاعدته ولم يهيئ شروط الاستدامة.

ضعف القدرة الإنتاجية

فما يميز الاقتصاد التونسي خلال العقد الأخير هو نموه الهش والضعيف، بتسجيله نموًا بالكاد يتجاوز نقطة واحدة، قبل أن يسجل في 2025 نموًا يتجاوز نقطتين، ويسجل في السداسي الأول من 2026 نموًا على بقليل من نقطتين، مما جعل التحسن الطفيف المسجل يعبر عن استعادة النشاط في عدة قطاعات كانت تسجل فائض قيمة دون طاقتها الإنتاجية، وهي اليوم تشرع في استرجاع جزء من نشاطها وقدرتها الإنتاجية، على غرار قطاع الفلاحة والخدمات وأيضًا قطاع البناء والإنشاء.

في حين أن الاقتصاد التونسي يحتاج لمغادرة منطقة النمو الهش توسعًا إنتاجيًا، أي استثمارات جديدة تضيف قدرات وإمكانيات جديدة للاقتصاد، مصانع جديدة، تجهيزات جديدة، تكنولوجيا جديدة، طاقات إنتاجية جديدة… إلخ، من أجل تحقيق شرط أساسي للتوسع، وهو استثمارات تساعد على الرفع من الناتج ومن القيمة المضافة للاقتصاد.

 

في حين أن مؤشرات المعهد الوطني للإحصاء تكشف أن القطاعات الاقتصادية لم تتحرك في ذلك الاتجاه، مما يبين أن الاقتصاد التونسي حقق نموًا في الأشهر الستة الأولى من سنة 2026 بفضل تحسن مساهمة قطاعات متفرقة شهدت تحسنًا في نتائجها لعوامل عدة، ليس من بينها ما يعبر عن دورة توسع تقوم على الاستثمار والإنتاج والتشغيل.

وهذا ما تؤكده مؤشرات سابقة تتعلق بالاستثمار الصناعي المصرح به خلال السداسي الأول من 2026، والتي بلغت تقديراتها أكثر من 1.06 مليار دينار، بزيادة بأكثر من 10 نقاط عن الفترة نفسها من سنة 2025، التي بلغ حجم الاستثمارات المصرح بها فيها قرابة 955 مليون دينار، وهي أرقام، على أهميتها، إلا أنها لا تعني ضخها فعليًا في الاقتصاد، فهي نوايا استثمار وليست استثمارات فعلية.

نمو هش يستند للنوايا

إذ إن ما تقدمه بيانات وكالة النهوض بالصناعة من خلال متابعتها للمشاريع الصناعية عن فجوة عميقة بين «نوايا» الاستثمار والاستثمار الذي أُنجز، ففي آخر دراسة للوكالة تناولت الفترة الممتدة من 2020–2023، تبين أنه تم إنجاز 46.2% من الاستثمارات المصرح بها «نوايا الاستثمار»، وأن فرص العمل التي تحققت بلغت 37.5% من الفرص المتوقعة وفق نوايا الاستثمار.

هذه الأرقام، وإن لم تكن محينة، إلا أنها تقدم صورة تقريبية عن الفجوة بين نوايا الاستثمار والإنجاز الفعلي للاستثمار، وهي ما تكشف عن خلل كبير في الاقتصاد التونسي الذي تتراجع فيه نسبة الاستثمار، ولكنه يحقق نموًا إيجابيًا مستفيدًا من محركين أساسيين، وهما تزايد الطلب الداخلي وتحسن بعض القطاعات الموسمية، التي وإن قادت إلى تسجيل نمو بأكثر من نقطتين في السداسي الأول، فإنها لا تحقق شروط الاستقرار والاستدامة.

فالنمو المسجل اليوم قائم بالأساس على تحسن النشاط الفلاحي والخدمات وقطاع البناء، في حين أن القطاعات الأساسية ذات القدرة الإنتاجية والقيمة المضافة المرتفعة ظلت ضعيفة، نظرًا لضعف الاستثمارات فيها ولعدم تحقيق إصلاح اقتصادي يسمح بخلق حركية توسعية تحدث صدمة إيجابية لهذه القطاعات.

 

لذلك وجب الانتباه من الوقع في فخ قراءة نسبة النمو بمفردها، فهذا سيقود الى تقييم  أكثر إيجابية مما تسمح به كل المؤشرات الاقتصادية مجتمعة،  والتي تقول لنا ان النمو المسجل خلال السداسي الأول من 2026  يكشف عن استعادة للنشاط وليس عن تعاف وانتعاش اقتصادي يشترط ان تتوسع الطاقة والقدرة الانتاجية.

وبين الامرين فرق شاسع ومسافة اذ ان الامر لا تتعلق فقط بنسبة النمو المسجلة بل تتعلق بإذا ما كان هذا النمو نتج عن محركات انتاجية عن استثمار فعلي، ووفر فرص عمل  الخ، وهنا المؤشرات الرسمية تعلمنا بوضوح ان التحسن في نسبة النمو غير مستدام لان شروط الاستدامة لم تتحقق.

وهو ما يكشف ان الرهان والتحدي الحقيقي للاقتصاد التونسي اليوم  ليس في تسجيل نمو بنقطتين او  ثلاث نقاط بل في توفير كل ظروف وشروط توسعة الاقتصاد التونسي واستدامة النمو  لتجنب أي ارتدادات سلبية او صدمات خارجية او مناخية تؤثر على قطاعات الفلاحة والخدمات، التي ان تعثرت فإنها ستقود الاقتصاد الى وضع حرج وصعب.

وهذا تحذرنا منه الارقام التي تكشف بوضوح عن حقيقة الوضع الاقتصادي وحدوده والأهم عن مكامن الخلل والخطر فيه.

المشاركة في هذا المقال