-
دنيا حفصة
-
13:30 31/07/2026
-
تعيش المنظومة الصحية واحدة من أكثر الفترات تعقيدا خلال السنوات الأخيرة
في ظل تزامن موجة حر استثنائية مع انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي والتزود بالمياه، وهو ما أدى إلى تصاعد التحذيرات من دخول القطاع الصحي مرحلة حرجة تهدد سلامة المرضى واستمرارية الخدمات العلاجية داخل المستشفيات العمومية. وتأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه المؤسسات الصحية أصلا من أزمات هيكلية مزمنة تتمثل في نقص التمويل وشح الموارد البشرية وتقادم التجهيزات وهو ما جعلها أقل قدرة على استيعاب الضغط الإضافي الذي فرضته الظروف المناخية الاستثنائية.
وقد تصاعدت الدعوات إلى إعلان حالة طوارئ صحية في البلاد وسط تحذيرات من الهياكل المهنية والنقابية من انهيار قدرة المستشفيات العمومية على مجابهة الضغط المتزايد، في ظل أزمة هيكلية مزمنة تعاني منها المنظومة الصحية. وأجمعت أربع هياكل نقابية ومهنية تمثل مختلف أسلاك القطاع الصحي، في بيان مشترك، على أن المستشفيات العمومية أصبحت تواجه أزمة صحية غير مسبوقة، مع بلوغ أقسام الاستعجالي والإنعاش مستويات خطيرة من الاكتظاظ، واستقبال مصالح الطب الشرعي أعدادا متزايدة من الوفيات، في وقت يشكل فيه انقطاع الكهرباء تهديدا مباشرا لحياة المرضى الذين يعتمدون على أجهزة التنفس الاصطناعي والأكسجين.
النقابات تحمل وزارة الصحة مسؤولية إدارة الأزمة
حملت النقابة العامة للأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان الاستشفائيين الجامعيين والجامعة العامة للصحة والنقابة العامة للأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان للصحة العمومية والمنظمة التونسية للأطباء الشبان وزارة الصحة المسؤولية عن غياب خطة واضحة لإدارة الأزمة، معتبرة أن صمتها أمام التطورات الميدانية يثير تساؤلات حول طريقة تعاملها مع الوضع. وأكدت النقابات أن مهنيي الصحة يواصلون العمل لتأمين الخدمات وإنقاذ المرضى رغم الظروف الصعبة، لكنها اعتبرت أن المستشفيات تركت وحدها في مواجهة تداعيات موجة الحر والانقطاعات المتكررة للكهرباء والمياه رغم ما تمثله من مخاطر على سلامة المرضى وسير العمل داخل المؤسسات الصحية.
مطالب عاجلة بإعلان حالة الطوارئ الصحية
ودعت الهياكل المهنية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة، في مقدمتها إعلان حالة طوارئ صحية وطنية، وتفعيل خلايا أزمة مركزية وجهوية داخل المستشفيات وإعداد خطة وطنية لاستمرارية العمل وإدارة الأزمات بالمؤسسات الصحية. كما طالبت بإعداد بروتوكول وطني موحد للوقاية والتكفل بالحالات الصحية المرتبطة بموجات الحر وتوفير اعتمادات استثنائية لدعم المستشفيات العمومية وإجراء جرد شامل للمولدات الكهربائية وصيانتها فضلا عن نشر الإحصائيات الرسمية المتعلقة بضحايا موجة الحر وتحليلها علميا بهدف تطوير سياسات وقائية للمستقبل.
وتقاطعت هذه المطالب مع ما أعلنته المنظمة التونسية للأطباء الشبان التي عبرت، في بيان منفصل عن انشغالها العميق بتداعيات موجة الحر، مؤكدة أن الانقطاعات المتكررة للكهرباء لم تعد مجرد اضطرابات في الخدمات، وإنما أصبحت تمثل خطرا مباشرا على المرضى الذين يعتمدون على التجهيزات الطبية المنزلية وخاصة أجهزة الأكسجين والتنفس الاصطناعي، كما اعتبرت أن انقطاع المياه وغياب التكييف في ظل درجات الحرارة المرتفعة يضاعف مخاطر الإصابة بضربات الشمس والجفاف، لا سيما لدى كبار السن وذوي الأمراض المزمنة والفئات الهشة. ودعت المنظمة إلى عقد اجتماع وطني عاجل يضم مختلف المتدخلين في القطاع الصحي والقطاعات ذات الصلة لتقييم الوضع وإحداث خلية أزمة وطنية دائمة لمتابعة موجات الحر وتعزيز الإمكانيات البشرية واللوجستية للمستشفيات، إلى جانب اتخاذ إجراءات فورية لضمان استمرارية التزود بالكهرباء بالنسبة للمرضى الذين يعتمدون على الأجهزة الطبية.
خطة استباقية خلال موجة الحر
وفي تصريحات إعلامية، أكد نائب رئيس المنظمة، بهاء الرابعي، أن عددا من المستشفيات شهد انقطاعات متكررة للكهرباء، من بينها مستشفيا شارل نيكول والمرسى، في حين عرف مستشفى المكنين، وفق تصريحه، انقطاعا دام أربعا وعشرين ساعة متواصلة، مشيرا إلى أن أقسام الاستعجالي تشهد ضغطا لم يسجل منذ جائحة كوفيد-19، ومنتقدا غياب التنسيق المسبق بين وزارة الصحة والشركة التونسية للكهرباء والغاز لإعداد خطة استباقية خلال موجة الحر، داعيا إلى استثناء المناطق التي تضم مستشفيات من القطع الدوري للكهرباء.
جدل بشأن حصيلة الوفيات
وأثارت تصريحات رئيس المنظمة التونسية للأطباء الشبان وجيه ذكار، نقاشا واسعا بعد حديثه عن حصيلة وصفها بالتقديرية للوفيات المرتبطة بموجة الحر. وأوضح ذكار أن المنظمة جمعت معطيات ميدانية عبر الأطباء الشبان العاملين بالمستشفيات العمومية، وقدرت عدد الوفيات خلال الأيام الأخيرة بما يتراوح بين 150 و200 حالة، مشيرا إلى أن هذه الحالات تشمل وفيات سُجلت بأقسام الاستعجالي، وأخرى عثرت عليها فرق الإسعاف داخل المنازل، إضافة إلى مرضى تعرضوا لمضاعفات مرتبطة بالإجهاد الحراري أثناء إقامتهم بالمستشفيات. وفي المقابل، لم تصدر وزارة الصحة، إلى حد إعداد هذا التقرير، أي معطيات رسمية تؤكد أو تنفي هذه التقديرات، كما لم تعلن حصيلة رسمية للوفيات المرتبطة بموجة الحر، وهو ما يجعل هذه الأرقام تظل في إطار تصريحات صادرة عن المنظمة التونسية للأطباء الشبان. ودعا ذكار وزارة الصحة إلى نشر المعطيات الرسمية المتعلقة بحالات الوفاة المرتبطة بضربات الشمس، بعد أن وجهت مراسلة إلى مختلف المستشفيات لجمع هذه البيانات، معتبرا أن نشر الأرقام الرسمية من شأنه الحد من تداول المعلومات غير المؤكدة، وتعزيز ثقة الرأي العام في إدارة الأزمة.
الأزمة تمتد إلى قطاع الدواء
وتزامنا مع هذه التطورات، تتواصل الصعوبات التي يعيشها قطاع الأدوية، حيث كشفت نائبة رئيس النقابة الوطنية لأصحاب الصيدليات الخاصة، ملكة المدير، أن ديون الصندوق الوطني للتأمين على المرض تجاه الصيدليات الخاصة تجاوزت، وفق تقديرات النقابة، 200 مليون دينار، مشيرة إلى أن المبالغ التي تم صرفها أخيرا لا تمثل سوى نسبة محدودة من المستحقات، وهو ما يهدد استمرارية نشاط عدد من الصيدليات وتوفر بعض الأدوية، خاصة في ظل الاضطرابات التي تشهدها السوق العالمية للأدوية. وتعكس هذه التطورات حجم الضغوط المتراكمة التي تواجهها المنظومة الصحية ، حيث تداخلت الأزمة المناخية مع الصعوبات الهيكلية والمالية التي يعاني منها القطاع منذ سنوات، وهو ما دفع الهياكل المهنية إلى المطالبة بإعلان حالة طوارئ صحية ووضع خطة وطنية عاجلة لضمان استمرارية الخدمات العلاجية وحماية المرضى، بينما يترقب الرأي العام صدور موقف رسمي من وزارة الصحة يوضح حجم التداعيات الصحية والإجراءات التي ستتخذها الدولة لمواجهة الأزمة.
تكشف التطورات الأخيرة عن تداخل عدة أزمات تضغط في الوقت نفسه على المنظومة الصحية ، فمن جهة فرضت موجة الحر الاستثنائية ضغطا إضافيا على المستشفيات، ومن جهة أخرى زادت انقطاعات الكهرباء والمياه من صعوبة تأمين الخدمات الصحية، بينما تستمر الصعوبات المالية ونقص الموارد البشرية والتجهيزات في تقليص قدرة المؤسسات الصحية على الاستجابة. وفي انتظار صدور معطيات رسمية من وزارة الصحة بشأن حصيلة الوفيات والإجراءات المزمع اتخاذها، تتواصل دعوات الهياكل المهنية إلى اعتماد خطة وطنية عاجلة لإدارة الأزمة، بما يضمن حماية المرضى والحفاظ على استمرارية المرفق الصحي العمومي.