Print this page

قطاع‭ ‬الصحة‭ ‬العمومية‭:‬ ارتفاع‭ ‬الانفاق‭ ‬واهتراء‭ ‬البنية‭ ‬التحتية

تواجه‭ ‬منظومة‭ ‬الصحية‭ ‬العمومية‭ ‬التونسية‭ ‬وضعا‭ ‬دقيقا،‭ ‬رغم‭ ‬ارتفاع‭ ‬الاعتمادات
‭ ‬المخصصة‭ ‬لوزارة‭ ‬الصحة‭ ‬باكثر‭ ‬من‭ ‬350‭ ‬مليون‭ ‬دينار‭ ‬في‭ ‬ميزانية‭ ‬2026‭ ‬مقارنة‭ ‬بالسنة‭ ‬الفارطة،‭ ‬أي‭ ‬بتطور‭ ‬يقدر‭ ‬بحوالي‭ ‬8‭.‬75‭ ‬بالمائة،‭ ‬لكن‭ ‬رغم‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصحية‭ ‬تواجه‭ ‬ذات‭ ‬الصعوبات‭ ‬اليومية‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬الخدمات‭.‬ مما‭ ‬يكشف‭ ‬ان‭ ‬الوضع‭ ‬اعقد‭ ‬من‭ ‬معالجته‭ ‬بزيادة‭ ‬مالية‭ ‬في‭ ‬ميزانية‭ ‬وزارة‭ ‬الصحة‭ ‬اي‭ ‬كان‭ ‬باب‭ ‬انفاقها‭ ‬فهو‭ ‬لايعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬تحسنا‭ ‬مباشرا‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات‭. ‬ فالمبالغ‭ ‬المرصودة‭ ‬لقطاع‭ ‬الصحة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬قوانين‭ ‬المالية‭ ‬والميزانيات،‭ ‬هي‭ ‬بالاساس‭ ‬مخططة‭ ‬لنفقات‭ ‬الأجور‭ ‬البالغة‭ ‬اليوم‭ ‬2‭.‬860‭ ‬مليار‭ ‬دينار،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬ثلثي‭ ‬الميزانية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬بلغت‭ ‬اعتمادات‭ ‬التسيير‭ ‬680‭.‬4‭ ‬مليون‭ ‬دينار،‭ ‬ولم‭ ‬تتجاوز‭ ‬اعتمادات‭ ‬الاستثمار‭ ‬780‭ ‬مليون‭ ‬دينار‭.‬ وهذا‭ ‬يشرح‭ ‬غياب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬لقطاع‭ ‬الصحة،‭ ‬فحجم‭ ‬الاموال‭ ‬المرصودة‭ ‬لتمول‭ ‬بناء‭ ‬المؤسسات‭ ‬الجديدة‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬الا‭ ‬17‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬مجمل‭ ‬نفقات‭ ‬الوزارة‭. ‬كما‭ ‬ان‭ ‬عملية‭ ‬اقتناء‭ ‬التجهيزات‭ ‬الطبية،‭ ‬وتحديث‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والرقمنة‭ ‬وبقية‭ ‬النفقات‭ ‬المدرجة‭ ‬ضمن‭ ‬نفقات‭ ‬التسير‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬الا‭ ‬15‭ ‬بالمئة‭.‬ هذا‭ ‬التوزيع‭ ‬للنفقات‭ ‬يشرح‭ ‬وضع‭ ‬البينة‭ ‬التحتية‭ ‬لقطاع‭ ‬الصحة‭ ‬وما‭ ‬توجهه‭ ‬من‭ ‬ضغط‭ ‬ورهانات،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تقادمها‭ ‬،‭ ‬حيث‭ ‬تعمد‭ ‬منظومة‭ ‬الصحة‭ ‬العمومية‭ ‬على‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬والوحدات‭ ‬الصحية‭ ‬تضم‭ ‬184‭ ‬مؤسسة‭ ‬استشفائية،‭ ‬تتوزع‭ ‬بين‭ ‬28‭ ‬مستشفى‭ ‬عاما،‭ ‬و31‭ ‬مستشفى‭ ‬جهويا،‭ ‬و112‭ ‬مستشفى‭ ‬محليا،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬13‭ ‬معهدا‭ ‬ومركزا‭ ‬مختصا،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬2104‭ ‬مراكز‭ ‬للصحة‭ ‬الأساسية‭ ‬تمثل‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬والوقاية‭. ‬وما‭ ‬يميز‭ ‬هذه‭ ‬الشبكة‭ ‬اهتراء‭ ‬جزء‭ ‬هام‭ ‬منها‭.‬ اضافة‭ ‬الى‭ ‬انه‭ ‬ورغم‭ ‬حجمها‭ ‬اللافت‭ ‬الا‭ ‬ان‭ ‬التفاوت‭ ‬الجهوي‭ ‬في‭ ‬التجهيزات‭ ‬والاختصاصات‭ ‬يجعل‭ ‬الضغط‭ ‬يتركز‭ ‬على‭ ‬المستشفيات‭ ‬الجامعية‭ ‬والجهوية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬وواليلات‭ ‬الساحلية‭.‬ ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬صعوبات‭ ‬قطاع‭ ‬الصحة‭ ‬على‭ ‬بنيته‭ ‬التحتية‭ ‬الغير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الاستجابة‭ ‬للطلب‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬الخدمات،‭ ‬بل‭ ‬تتضمن‭ ‬ايضا‭ ‬صعوبات‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية،‭ ‬وهي‭ ‬احد‭ ‬ابرز‭ ‬إحدى‭ ‬أبرز‭ ‬نقاط‭ ‬الضغط‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭. ‬اذ‭ ‬يبلغ‭ ‬العدد‭ ‬الجملي‭ ‬للأطباء‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬وفق‭ ‬معطيات‭ ‬2024‭ ‬حوالي‭ ‬15,315‭ ‬طبيبا،‭ ‬منهم‭ ‬6,113‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬العمومي‭ ‬و9,202‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭. ‬ وبالسبة‭ ‬للقطاع‭ ‬العمومي‭ ‬فحجم‭ ‬الاطار‭ ‬الطبي‭ ‬والشب‭ ‬طبي‭ ‬فيه‭ ‬مؤسسات‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬يمثل‭ ‬حوالي‭ ‬النصف‭ ‬فيما،‭ ‬اذ‭ ‬يبلغ‭ ‬عدد‭ ‬الاطار‭ ‬الاداري‭ ‬والعملية‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬14‭ ‬الف‭ ‬شخص‭.‬ وضع‭ ‬دقيقلم‭ ‬تتمكن‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬الخروزج‭ ‬منه‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬تعلنه‭ ‬البيانات‭ ‬الدولية‭ ‬من‭ ‬توجيه‭ ‬تونس‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬6‭.‬97‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬ناتجها‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬الى‭ ‬قطاع‭ ‬الصحة،‭ ‬وهي‭ ‬نسبة‭ ‬تبدو‭ ‬مقبولة‭ ‬مقارنة‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬متوسطة‭ ‬الدخل،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هيكلة‭ ‬الإنفاق‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬خلل‭.‬ وتتجاوز‭ ‬تحديات‭ ‬القطاع‭ ‬حدود‭ ‬المستشفيات‭ ‬لتشمل‭ ‬المنظومات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الصندوق‭ ‬الوطني‭ ‬للتأمين‭ ‬على‭ ‬المرض‭ ‬والصيدلية‭ ‬المركزية،‭ ‬حيث‭ ‬يؤثر‭ ‬تراكم‭ ‬المستحقات‭ ‬والضغوط‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬تزويد‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصحية‭ ‬بالأدوية‭ ‬والمستلزمات‭ ‬الطبية،‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الاستجابة‭ ‬السريعة‭ ‬للاحتياجات‭ ‬المتزايدة‭.‬ وتؤكد‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات‭ ‬أن‭ ‬أزمة‭ ‬الصحة‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مرتبطة‭ ‬فقط‭ ‬بحجم‭ ‬الاعتمادات‭ ‬المالية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬ترتبط‭ ‬بكيفية‭ ‬توزيع‭ ‬الموارد،‭ ‬وتحديث‭ ‬الاستثمار،‭ ‬وتحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬الجهوية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الحوكمة،‭ ‬وضمان‭ ‬استدامة‭ ‬تمويل‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭. ‬فنجاح‭ ‬إصلاح‭ ‬القطاع‭ ‬لن‭ ‬يقاس‭ ‬بارتفاع‭ ‬الميزانية‭ ‬وحده،‭ ‬وإنما‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬الموارد‭ ‬إلى‭ ‬خدمات‭ ‬صحية‭ ‬أكثر‭ ‬جودة،‭ ‬وتقليص‭ ‬آجال‭ ‬الانتظار،‭ ‬وتحسين‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬العلاج،‭ ‬واستعادة‭ ‬ثقة‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬المرفق‭ ‬الصحي‭ ‬العمومي‭.‬

المشاركة في هذا المقال