Print this page

المؤسسات الصغرى والمتوسطة في تونس: بين ثقل البيروقراطية ورهان إنقاذ الاقتصاد

دعت مؤخرا الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى

والمتوسطة إلى تبسيط الإجراءات الإدارية والجمركية والجبائية وتاتي هذه الدعوة لتسلّط الضوء مجددًا على قلب معادلة الاقتصاد التونسي المؤسسات الصغرى والمتوسطة. فهذه الهياكل التي تشكل العمود الفقري للإنتاج الوطني لا تزال، رغم ثقلها العددي ودورها في التشغيل والتصدير، تواجه منظومة معقدة من القيود التي تحدّ من قدرتها على الاستثمار والتوسع والمنافسة.

تطرح هذه الدعوة إشكالية مركزية لا تخصّ الجانب الإداري فقط، بل تمتد إلى طبيعة النموذج الاقتصادي ذاته اذ كيف يمكن لمؤسسات تُعدّ الأكثر حيوية في الاقتصاد أن تظل في موقع دفاعي أمام البيروقراطية والاقتصاد الموازي وضعف التمويل؟ وإلى أي حدّ يمكن للإصلاحات الجزئية أن تتحول إلى تحول اقتصادي شامل يعيد لهذه المؤسسات دورها الطبيعي كقاطرة للنمو؟

ثقل اقتصادي و هشاشة بنيوية
تشير البيانات الصادرة عن الهياكل الرسمية، وعلى رأسها المعهد الوطني للإحصاء، إلى أن المؤسسات الصغرى والمتوسطة تمثل أكثر من 90% من النسيج الاقتصادي الخاص في تونس، وتساهم بنسبة مهمة في التشغيل داخل القطاع الخاص، حيث تستوعب الجزء الأكبر من اليد العاملة خارج الوظيفة العمومية.
هذا الثقل الكمي لا يعكس بالضرورة قوة نوعية متماسكة، إذ تعاني نسبة كبيرة من هذه المؤسسات من هشاشة في رأس المال، وضعف في الإنتاجية، واعتماد محدود على التكنولوجيا الحديثة. وهو ما يجعل مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي أقل من وزنها العددي، رغم دورها الحيوي في تحريك الدورة الاقتصادية داخل الجهات.
كما تُظهر المؤشرات أن هذه المؤسسات تتركز بشكل خاص في قطاعات التجارة والخدمات والبناء، في حين تبقى مساهمتها في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية والتكنولوجيا محدودة نسبيًا، وهو ما يحد من قدرتها على الاندماج القوي في سلاسل القيمة العالمية.
البيروقراطية والكلفة الاقتصادية
لا يمكن فهم تعثر المؤسسات الصغرى والمتوسطة دون التوقف عند الكلفة غير المباشرة للبيروقراطية. فالإجراءات الإدارية والجبائية والجمركية المعقدة لا تمثل مجرد عبء وقتي، بل تتحول إلى كلفة مالية حقيقية تؤثر على تنافسية المؤسسة وقدرتها على الاستثمار.
وتشير المعطيات الاقتصادية إلى أن طول مسارات التصريح، وتعدد المتدخلين الإداريين، وتداخل النصوص القانونية، كلها عوامل تؤدي إلى رفع كلفة الامتثال الضريبي والإداري، ما يضع المؤسسات الصغيرة في موقع غير متكافئ مقارنة بالمؤسسات الكبرى الأكثر قدرة على استيعاب هذه التعقيدات.
وفي السياق ذاته، تبقى مسألة إرسال العينات التجارية والتصرف في الإنتاج الموجه للتصدير من أبرز الإشكاليات التي تعيق سرعة النفاذ إلى الأسواق الخارجية، في وقت أصبحت فيه السرعة والمرونة عنصرين حاسمين في التجارة الدولية.
التصدير فرصة غير مستغلة
رغم أن تونس تعتمد بشكل متزايد على الصادرات لتأمين العملة الصعبة، فإن مساهمة المؤسسات الصغرى والمتوسطة في هذا المجال ما تزال دون الإمكانيات المتاحة. فعدد محدود فقط من هذه المؤسسات ينجح في الاندماج الفعلي في الأسواق العالمية، في حين تبقى الأغلبية محصورة في السوق المحلية أو في صادرات محدودة النطاق.
ويعود ذلك إلى عدة عوامل متداخلة، من بينها ضعف الدعم اللوجستي والتسويقي، وصعوبة النفاذ إلى التمويل الموجه للتصدير، إضافة إلى التعقيدات الإدارية التي تؤثر على سرعة اتخاذ القرار التجاري.
كما أن غياب منظومة متكاملة لتسهيل التصدير الصغير والمتوسط يجعل العديد من المؤسسات تفقد فرصًا حقيقية في أسواق خارجية ناشئة تتطلب مرونة أكبر واستجابة أسرع.
الاقتصاد الموازي وال منافسة الاخطر
يبرز الاقتصاد الموازي إلى جانب البيروقراطية، كعامل ضغط أساسي على المؤسسات المنظمة. حيث يمثل الاقتصاد غير الرسمي نسبة معتبرة من النشاط الاقتصادي في تونس، وهو ما يخلق منافسة غير متكافئة مع المؤسسات التي تتحمل الأعباء الجبائية والاجتماعية.
هذا الوضع لا يضر فقط بمداخيل الدولة، بل يؤدي أيضًا إلى تشويه قواعد السوق، حيث تتراجع قدرة المؤسسات القانونية على المنافسة أمام أسعار أقل يقدمها القطاع غير المنظم، ما يدفع بعضها إلى التقلص أو حتى الخروج من السوق.
ومع استمرار هذا الوضع، تتحول مسألة الإدماج الاقتصادي إلى تحدٍ هيكلي يتطلب مقاربة مزدوجة تجمع بين الردع وتبسيط الإجراءات، بدل الاكتفاء بالحلول الأمنية أو الجبائية فقط.
الاحتكار وضعف المنافسة
من بين الإشكاليات الأكثر عمقًا في الاقتصاد التونسي استمرار بعض مظاهر التركّز الاقتصادي والاحتكار في قطاعات معينة، حيث تهيمن شبكات محدودة على النفاذ إلى التمويل أو التوريد أو التوزيع.
هذا الواقع يضع المؤسسات الصغرى والمتوسطة في موقع هش داخل السوق، ويحد من فرصها في النمو أو التوسع، كما يضعف جاذبية الاستثمار في قطاعات يمكن أن تكون واعدة لو توفرت فيها شروط المنافسة العادلة.
وتؤكد التجارب المقارنة أن أي سياسة دعم للمؤسسات الصغرى والمتوسطة لا يمكن أن تنجح دون إطار منافسة شفاف وفعّال يضمن تكافؤ الفرص ويحد من الريع الاقتصادي.
بين الإصلاح الإداري وحدود المعالجة الجزئية
رغم أهمية الدعوات إلى تبسيط الإجراءات الإدارية والجبائية، فإن اختزال أزمة المؤسسات الصغرى والمتوسطة في البيروقراطية فقط يبقى قراءة ناقصة. فالإشكال أعمق، ويتعلق أيضًا بضعف التمويل البنكي، وارتفاع كلفة الاقتراض، ومحدودية الاستثمار في الابتكار والتكنولوجيا، إضافة إلى ضعف الاندماج في الأسواق العالمية.
كما أن عدم استقرار التشريعات والسياسات الاقتصادية يخلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين، وهو عامل لا يقل أهمية عن التعقيدات الإدارية نفسها، لأنه يؤثر مباشرة على قرارات الاستثمار طويلة المدى.

في النهاية تكشف وضعية المؤسسات الصغرى والمتوسطة في تونس عن معادلة اقتصادية دقيقة تتراوح بين قطاع واسع من حيث الحجم، وحيوي من حيث الدور، لكنه مقيد من حيث الإمكانيات.
بين ضغط البيروقراطية، واتساع الاقتصاد الموازي، واختلال المنافسة، وضعف النفاذ إلى التمويل والتصدير، تتحرك هذه المؤسسات في مساحة ضيقة تحد من قدرتها على التحول إلى محرك كامل للنمو، غير أن جوهر الإشكال لا يكمن في غياب الإمكانيات، بل في طبيعة البيئة الاقتصادية نفسها.
ان إطلاق طاقات هذه المؤسسات لا يتطلب فقط إصلاحات تقنية، بل إعادة صياغة أعمق لمنظومة الحوكمة الاقتصادية بما يضمن الشفافية، وتكافؤ الفرص، واستقرار القواعد.
عندها فقط يمكن للمؤسسات الصغرى والمتوسطة أن تنتقل من موقع “المساهم المهم” إلى موقع “الفاعل المركزي” في معادلة الاقتصاد الوطني، لا كشعار اقتصادي، بل كواقع إنتاجي ملموس.

 

 

المشاركة في هذا المقال