Print this page

السيارات الكهربائية في تونس: بين رهان الانتقال الطاقي وتحديات الواقع هل تنجح الثورة الهادئة على الطرقات؟

لم تعد السيارات الكهربائية مجرد خيار تكنولوجي جديد

بل أصبحت أحد أهم عناوين التحول الاقتصادي والبيئي ت المناخية وارتفاع أسعار المحروقات وتزايد الضغوط الدولية للحد من الانبعاثات الكربونية، تتجه الحكومات والشركات الكبرى نحو إعادة رسم مستقبل التنقل على أسس جديدة تقوم على الكهرباء والطاقات المتجددة.

وفي هذا السياق، أعلنت الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة عن إعداد برنامج جديد لفائدة المؤسسات والمنشآت العمومية والمحلية بهدف تشجيع استعمال السيارات الكهربائية، على أن يكون جاهزاً مع موفى سنة 2026، مع توفير 100 سيارة كهربائية لفائدة المؤسسات العمومية. ويطرح هذا التوجه سؤالاً محورياً هل تمثل هذه الإجراءات بداية فعلية لانتقال تونس نحو اقتصاد نقل أكثر استدامة، أم أنها ما تزال خطوة محدودة أمام تحديات هيكلية أكبر؟
سوق تبحث عن الإقلاع
تشير المؤشرات المتوفرة إلى أن سوق السيارات الكهربائية في تونس بدأت تشهد نمواً تدريجياً خلال السنوات الأخيرة. فقد تجاوزت مبيعات السيارات الكهربائية 1100 سيارة خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة الجارية، وهو رقم يعكس تطوراً ملحوظاً مقارنة بالسنوات السابقة، رغم أن حجم السوق لا يزال متواضعاً مقارنة بالدول الأوروبية أو الآسيوية.
ويعود هذا النمو إلى مجموعة من الحوافز التي أقرتها الدولة، من بينها الإعفاء الكامل من المعاليم الديوانية على السيارات الكهربائية، وتخفيض الأداء على القيمة المضافة إلى 7 بالمائة، إضافة إلى التقليص بنسبة 50 بالمائة في معاليم التسجيل والجولان، فضلاً عن تخفيض المعاليم الديوانية على محطات الشحن إلى 10 بالمائة.
وتسعى السلطات من خلال هذه الإجراءات إلى تخفيف الكلفة المرتفعة لهذه السيارات وتشجيع المؤسسات والأفراد على اعتمادها، خاصة أن قطاع النقل يعد من أكبر القطاعات استهلاكاً للطاقة في تونس.
العالم و المستقبل الكهربائي
على الصعيد الدولي، تؤكد المؤشرات أن السيارات الكهربائية لم تعد سوقاً هامشية، فقد تجاوزت المبيعات العالمية 20 مليون سيارة كهربائية خلال سنة 2025، وهو ما يمثل نحو ربع السيارات الجديدة المباعة في العالم. وتكشف هذه الأرقام أن التحول نحو التنقل الكهربائي أصبح واقعاً اقتصادياً وصناعياً وليس مجرد توجه بيئي.
تتصدر الصين المشهد العالمي دون منازع، حيث تستحوذ على أكثر من نصف المبيعات العالمية للسيارات الكهربائية، مدعومة باستثمارات ضخمة في الصناعات المرتبطة بالبطاريات والبنية التحتية للشحن. كما تشهد أوروبا بدورها توسعاً متسارعاً في هذا القطاع بفعل السياسات البيئية الصارمة والأهداف الطموحة لخفض الانبعاثات.
أما شركات صناعة السيارات التقليدية، فقد وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة هيكلة استراتيجياتها بالكامل، إذ أصبحت أغلب المجموعات العالمية تستثمر مليارات الدولارات في تطوير نماذج كهربائية جديدة تحضيراً لمرحلة يتوقع فيها أن تتراجع مبيعات السيارات الحرارية بشكل كبير خلال العقد القادم.
المكاسب الاقتصادية والبيئية
لا يقتصر الحديث عن السيارات الكهربائية على الجانب البيئي فقط، بل يشمل أيضاً أبعاداً اقتصادية مهمة. فهذه المركبات تستهلك طاقة أقل مقارنة بالسيارات التقليدية، كما أن تكاليف الصيانة تبقى أدنى بسبب غياب العديد من الأجزاء الميكانيكية المعقدة الموجودة في محركات الاحتراق الداخلي.
ومن الناحية البيئية، تساهم السيارات الكهربائية في الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والغازات الملوثة داخل المدن، وهو ما ينعكس إيجاباً على الصحة العامة وجودة الحياة. كما تساعد على تقليص التبعية للنفط المستورد، وهي نقطة تكتسي أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس التي تواجه ضغوطاً متزايدة على ميزانها الطاقي.
إضافة إلى ذلك، يفتح هذا القطاع آفاقاً جديدة للاستثمار في مجالات تصنيع البطاريات، ومحطات الشحن الذكية، والخدمات الرقمية المرتبطة بالتنقل، ما قد يخلق فرص عمل جديدة ويعزز الاقتصاد الأخضر.
تحديات تعيق الانتشار الواسع
رغم هذه الإيجابيات، فإن الانتقال إلى السيارات الكهربائية لا يخلو من التحديات. فالسعر المرتفع ما يزال يمثل العقبة الأولى أمام المستهلك التونسي، إذ تبقى تكلفة اقتناء سيارة كهربائية أعلى من تكلفة سيارة تقليدية مماثلة.
كما تشكل محدودية البنية التحتية للشحن أحد أبرز التحديات المطروحة. فعدد محطات الشحن العمومية لا يزال محدوداً، الأمر الذي يثير مخاوف المستخدمين بشأن إمكانية التنقل لمسافات طويلة أو خارج المراكز الحضرية الكبرى.
ويضاف إلى ذلك إشكال البطاريات، سواء من حيث عمرها الافتراضي أو كلفة استبدالها أو آليات إعادة تدويرها. فبينما تقدم الشركات المصنعة تطورات متواصلة في هذا المجال، ما تزال البطاريات تمثل الجزء الأكثر تكلفة في السيارة الكهربائية.
استيراد السيارات و الانتقال الطاقي
بعيداً عن الخطابات المتفائلة، يرى عدد من الخبراء أن نجاح تجربة السيارات الكهربائية لا يقاس فقط بعدد السيارات المباعة أو حجم الحوافز الجبائية الممنوحة. فالتحول الحقيقي يقتضي بناء منظومة متكاملة تشمل إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة وتطوير البنية التحتية وتحفيز الاستثمار الصناعي المحلي.
ومن هذا المنطلق، يطرح البعض تساؤلاً مشروعاً حول الجدوى البيئية الكاملة للسيارات الكهربائية وما إذا كانت الكهرباء المستخدمة في شحنها منتجة جزئياً من الغاز الطبيعي أو الوقود الأحفوري حيث ان نجاح هذا الخيار يظل مرتبطاً بتقدم مشاريع الطاقة الشمسية والريحية وتحقيق مزيد من الاستقلالية الطاقية.
كما أن تونس مطالبة بتجاوز دور السوق الاستهلاكية البحتة نحو بناء موقع داخل سلاسل القيمة العالمية المرتبطة بالصناعات الكهربائية، خصوصاً في ظل امتلاكها قاعدة صناعية وخبرات تقنية يمكن استثمارها في هذا المجال الواعد.
تونس و الفرصة استراتيجية
تبدو السنوات القادمة حاسمة بالنسبة لمستقبل التنقل الكهربائي في تونس. فالحوافز الحكومية الحالية تمثل خطوة إيجابية ومهمة، لكنها ليست سوى بداية لمسار طويل يتطلب استثمارات كبيرة ورؤية استراتيجية واضحة تجمع بين الطاقة والنقل والصناعة والبيئة.
وإذا نجحت البلاد في تطوير شبكة وطنية للشحن، وتعزيز إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، واستقطاب الاستثمارات المرتبطة بالصناعات الكهربائية، فإن السيارات الكهربائية قد تتحول من مجرد وسيلة نقل جديدة إلى رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي والاستدامة البيئية.
وفي النهاية، لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت السيارات الكهربائية ستصبح جزءاً من مستقبل النقل، بل كيف يمكن لتونس أن تستفيد من هذه الثورة التكنولوجية العالمية. فالدول التي تكتفي بالمشاهدة ستجد نفسها مستهلكة للتكنولوجيا، أما الدول التي تحسن التخطيط والاستثمار فستكون شريكاً في صناعة المستقبل.

وبين هذين الخيارين تقف تونس اليوم أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر لبناء نموذج تنموي جديد يجمع بين الاقتصاد الأخضر والأمن الطاقي والتنمية المستدامة.

 

 

 

المشاركة في هذا المقال