Print this page

11 مليون سائح و8 مليارات دينار من العائدات فهل تنتقل تونس من سياحة الأعداد إلى سياحة القيمة؟

سجل القطاع السياحي التونسي خلال سنة 2025 أداءً

استثنائياً وغير مسبوق، بعد أن تجاوز عدد الوافدين 11 مليون سائح للمرة الأولى في تاريخ البلاد، فيما تخطت العائدات السياحية حاجز 8 مليارات دينار، وفق بيانات رسمية صادرة عن البنك المركزي ووزارة السياحة. ورغم أهمية هذه الأرقام التي تؤكد استعادة القطاع لعافيته وتجاوزه مستويات ما قبل جائحة كورونا، فإنها تطرح في المقابل سؤالاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن مؤشرات النمو نفسها فهل نجحت تونس فعلاً في تنويع منتوجها السياحي أم أنها مازالت رهينة نموذج تقليدي يقوم أساساً على السياحة الشاطئية والموسمية؟

تكشف المؤشرات الرسمية أن العائدات السياحية بلغت 8,1 مليارات دينار خلال سنة 2025، بزيادة تناهز 6،5 بالمائة مقارنة بسنة 2024، في حين تجاوز عدد السياح الوافدين الرقم القياسي المسجل سنة 2019 والمقدر بنحو 9،4 ملايين زائر، وتؤكد هذه النتائج المكانة المحورية للقطاع باعتباره أحد أهم مصادر العملة الصعبة ومجالات التشغيل والاستثمار في الاقتصاد الوطني. غير أن قراءة هذه الأرقام من زاوية اقتصادية بحتة تدفع إلى تجاوز منطق الكم نحو التساؤل عن طبيعة النمو المحقق ومدى استدامته على المدى الطويل.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الوجهات السياحية الأكثر قدرة على الصمود ليست بالضرورة تلك التي تستقبل أكبر عدد من السياح، وإنما تلك التي تنجح في تنويع عروضها ورفع القيمة المضافة لكل زائر. وفي هذا السياق تبرز السياحة الإيكولوجية كأحد أهم المسارات القادرة على إحداث تحول نوعي في النموذج السياحي التونسي، خاصة في ظل التغيرات التي يشهدها الطلب العالمي على السفر. فالسائح المعاصر أصبح أكثر اهتماماً بالتجارب الأصيلة والأنشطة المرتبطة بالطبيعة والثقافة المحلية والبيئة، وأقل انجذاباً إلى العروض النمطية التي تتشابه من وجهة إلى أخرى.
وتملك تونس من المقومات ما يجعلها مؤهلة لاحتلال موقع متقدم في هذا المجال. فالبلاد لا تختزل في شواطئ المتوسط فحسب، بل تضم ثروة طبيعية متنوعة تمتد من غابات الشمال الغربي إلى الواحات الجنوبية والصحراء الشاسعة، مروراً بالمحميات الطبيعية والمناطق الرطبة والقرى الجبلية والمسالك البيئية. وتمثل هذه الموارد رصيداً اقتصادياً غير مستغل بالشكل الكافي، رغم قدرتها على استقطاب فئات جديدة من السياح الباحثين عن تجارب مختلفة وأكثر ارتباطاً بالبيئة.
وتتجاوز أهمية السياحة الإيكولوجية الجانب البيئي لتشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية مباشرة. فهي تساهم في خلق مواطن شغل محلية داخل المناطق الداخلية، وتشجع على بعث المشاريع الصغرى والمتوسطة المرتبطة بالإيواء الريفي والصناعات التقليدية والمنتجات المحلية والخدمات السياحية البديلة. كما تسمح بإعادة توزيع العائدات السياحية خارج الشريط الساحلي الذي يستحوذ تاريخياً على النصيب الأكبر من الاستثمارات والتدفقات السياحية.
ورغم ظهور عدد من المبادرات الواعدة خلال السنوات الأخيرة، مثل دور الضيافة الريفية والمسالك الجبلية والسياحة الفلاحية والرحلات البيئية، فإن هذه التجارب مازالت محدودة التأثير مقارنة بالإمكانات المتوفرة. ويعود ذلك إلى جملة من التحديات المتعلقة بالبنية التحتية والترويج والتأطير القانوني وضعف الربط بين مختلف المتدخلين في المنظومة السياحية. كما أن غياب علامة وطنية واضحة للسياحة الإيكولوجية التونسية مازال يحد من قدرة هذه الوجهات على النفاذ إلى الأسواق الدولية المتخصصة.
ويكتسي هذا التوجه أهمية إضافية في ظل التغيرات المناخية التي أصبحت تمثل أحد أبرز التحديات أمام الوجهات السياحية المتوسطية. فالاعتماد المفرط على السياحة الساحلية يجعل القطاع أكثر عرضة للمخاطر المرتبطة بندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة والضغط البيئي على المناطق الساحلية. أما تنويع المنتوج نحو السياحة الإيكولوجية والثقافية والصحراوية والريفية فيوفر للقطاع مرونة أكبر وقدرة أفضل على مواجهة التقلبات المستقبلية.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن الرهان الحقيقي للمرحلة القادمة لا يكمن في تحقيق أرقام قياسية جديدة من حيث عدد الوافدين فقط، بل في رفع الإنفاق الفردي للسائح، وإطالة مدة الإقامة، وتعزيز مساهمة الجهات الداخلية في النشاط السياحي. فنجاح القطاع لا يقاس بعدد الزوار وحده، وإنما بحجم القيمة الاقتصادية التي يخلقها ومدى انعكاسها على التنمية المحلية والتشغيل والاستثمار.
لقد أثبتت سنة 2025 أن تونس قادرة على استعادة مكانتها السياحية وتحقيق نتائج تاريخية. غير أن التحدي الأكبر يبدأ الآن، مع ضرورة الانتقال من مرحلة التعافي إلى مرحلة التحول الهيكلي. فالسياحة الإيكولوجية ليست مجرد منتوج إضافي ضمن خارطة العروض المتاحة، بل تمثل فرصة لإعادة صياغة النموذج السياحي برمته على أسس أكثر تنوعاً واستدامة.
وبين أرقام قياسية تحققت وإمكانات طبيعية مازالت تنتظر التثمين، يبقى السؤال المطروح هل تنجح تونس في تحويل ثروتها البيئية إلى مصدر دائم للقيمة المضافة، أم ستظل أسيرة نموذج سياحي أثبت نجاحه الكمي لكنه لم يبلغ بعد كامل إمكاناته النوعية؟

 

 

المشاركة في هذا المقال