Print this page

من أبيدجان إلى تونس: ماذا تكشف أرقام البنك الإفريقي للتنمية حول مستقبل التمويل والتنمية في القارة

في وقت تبحث فيه تونس عن موارد مالية جديدة لدعم

الاستثمار وتحفيز النمو الاقتصادي، جاءت الاجتماعات السنوية للبنك الإفريقي للتنمية لتسلط الضوء على معادلة تبدو أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى وهي كيف يمكن للدول الإفريقية تمويل تنميتها في ظل ارتفاع المديونية العالمية وتراجع المساعدات الخارجية واتساع الفجوة التمويلية؟
هذا السؤال كان في صلب الاجتماعات السنوية للبنك الإفريقي للتنمية التي اختتمت أعمالها في أبيدجان بمشاركة أكثر من 5000 مسؤول وخبير ومستثمر وممثل لمؤسسات مالية من 91 دولة.
التحديات الاقتصادية
رسمت الأرقام والمؤشرات صورة دقيقة للتحديات الاقتصادية التي تواجهها القارة خلال السنوات المقبلة، أولى هذه المؤشرات تتعلق بحجم الاحتياجات التمويلية الهائلة لإفريقيا. فوفق البيانات التي تم عرضها خلال الاجتماعات، تحتاج القارة إلى ما بين 130 و170 مليار دولار سنوياً لتمويل مشاريع البنية التحتية، في حين تقدر الفجوة التمويلية السنوية بما يتراوح بين 68 و108 مليارات دولار. وتعكس هذه الأرقام حجم التحدي الذي يواجه الاقتصادات الإفريقية، بما فيها تونس، في مجالات النقل والطاقة والمياه والخدمات اللوجستية.
وفي هذا السياق، أكد المشاركون أن تعبئة رأس المال الإفريقي أصبحت ضرورة اقتصادية وليست مجرد خيار سياسي. وتشير التقديرات التي تم تداولها خلال الاجتماعات إلى أن صناديق التقاعد وشركات التأمين والصناديق السيادية الإفريقية تدير أصولاً تتجاوز 1900 مليار دولار، إلا أن جزءاً محدوداً فقط من هذه الأموال يتم توجيهه نحو الاستثمار التنموي داخل القارة.
الضغوطات المرتبطة بالمديونية
كشفت الاجتماعات عن استمرار تنامي الضغوط المرتبطة بالمديونية. فقد ارتفع متوسط نسبة الدين العمومي إلى الناتج المحلي الإجمالي في إفريقيا من أقل من 40% قبل عقد من الزمن إلى مستويات تقارب 65% حالياً في العديد من الاقتصادات الإفريقية، وهو ما يحد من قدرة الحكومات على تمويل المشاريع الكبرى. بالنسبة إلى تونس، يكتسب هذا المؤشر أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى إيجاد توازن بين متطلبات الاستثمار والحفاظ على استدامة المالية العمومية.
ومن أبرز القرارات التي تم الإعلان عنها خلال الاجتماعات تمديد عمل صندوق تمويلي إفريقي مهم لمدة 15 سنة إضافية مع ضخ تمويلات جديدة بقيمة 500 مليون دولار، بما يعزز قدرة البنك على توفير قروض ميسرة للدول الأعضاء، خاصة في مجالات البنية التحتية والتنمية البشرية والأمن الغذائي.
كما سلطت الاجتماعات الضوء على الإنجازات التمويلية التي حققها البنك خلال السنوات الأخيرة. فقد تجاوز رأس مال المؤسسة 318 مليار دولار، ما يجعلها من بين أكبر المؤسسات المالية متعددة الأطراف في العالم النامي. كما بلغ حجم التمويلات التي وافق عليها البنك خلال سنة 2024 نحو 11 مليار دولار، وُجهت إلى مشاريع تنموية في مختلف أنحاء القارة.

الاستثمار في مشاريع الطاقة
وفي قطاع الطاقة، الذي يمثل أحد أهم الملفات بالنسبة إلى تونس، أظهرت الأرقام المقدمة خلال الاجتماعات أن أكثر من 600 مليون إفريقي لا يزالون محرومين من الكهرباء، وهو ما دفع البنك إلى تأكيد مواصلة الاستثمار في مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة. وتندرج هذه الجهود ضمن مبادرة قارية تهدف إلى توسيع النفاذ إلى الكهرباء وتسريع الانتقال الطاقي.
أما في المجال الزراعي، فقد أكدت الاجتماعات أن إفريقيا تنفق سنوياً أكثر من 50 مليار دولار على واردات الغذاء، وهو رقم مرشح للارتفاع إلى أكثر من 100 مليار دولار بحلول سنة 2030 إذا لم يتم تعزيز الاستثمار في الإنتاج الزراعي المحلي وسلاسل القيمة الغذائية. ويمثل هذا الملف إحدى الأولويات التي يمكن أن تهم تونس في إطار تعزيز الأمن الغذائي وتطوير الصناعات الزراعية.
ولم تغب القضايا المناخية عن النقاشات. فقد تم الإعلان عن تقدم العمل على آليات جديدة لتمويل مشاريع المناخ وأسواق الكربون الإفريقية، في وقت لا تستقطب فيه القارة سوى نحو 3% من الاستثمارات العالمية الموجهة للعمل المناخي رغم أنها من أكثر المناطق تأثراً بالتغيرات المناخية.
كما أظهرت المؤشرات الاقتصادية التي نوقشت خلال الاجتماعات أن إفريقيا لا تزال تسجل واحداً من أسرع معدلات النمو في العالم. ويتوقع أن يتجاوز النمو الاقتصادي في عدد من الاقتصادات الإفريقية متوسط النمو العالمي خلال السنوات المقبلة، مدفوعاً بالاستثمار في البنية التحتية والتحول الرقمي والاقتصاد الأخضر.
الرسالة الأساسية لتونس
بالنسبة إلى تونس، فإن الرسالة الأساسية التي حملتها اجتماعات البنك الإفريقي للتنمية تتمثل في أن فرص التمويل والتنمية ستتجه مستقبلاً نحو المشاريع القادرة على خلق القيمة المضافة وتعزيز التكامل الإقليمي وتسريع التحول الطاقي والرقمي. كما أن المؤسسات المالية الإفريقية أصبحت تولي أهمية متزايدة لمشاريع البنية التحتية والاقتصاد الأخضر والابتكار، وهي مجالات تتقاطع مع الأولويات الاقتصادية التونسية.
وفي المحصلة، كشفت اجتماعات أبيدجان أن التحدي الحقيقي أمام إفريقيا لم يعد نقص الموارد فقط، بل كيفية تعبئتها وتوجيهها بفاعلية. فالأرقام التي عُرضت خلال هذا الموعد القاري تؤكد أن القارة تمتلك إمكانات مالية واقتصادية ضخمة، غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى نمو مستدام يتطلب إصلاحات أعمق وحوكمة أفضل واستثمارات أكثر إنتاجية. وبين اتساع الاحتياجات التنموية وتنامي الفرص الاستثمارية، تبدو السنوات المقبلة حاسمة في تحديد قدرة الاقتصادات الإفريقية، ومنها تونس، على الاستفادة من التحولات الجارية داخل أكبر مؤسسة مالية تنموية في القارة.

 

 

المشاركة في هذا المقال