Print this page

السندات الخضراء والاجتماعية والمستدامة في المنطقة العربية: أدوات مبتكرة لتعزيز عمق سوق السندات المحلية

 يشهد العالم خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة

في مجال التمويل المستدام، مع تنامي الحاجة إلى تعبئة موارد مالية قادرة على مواجهة التحديات البيئية والاجتماعية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، من هذا المنطلق جاء تقرير “السندات الخضراء والاجتماعية والمستدامة والمرتبطة بالاستدامة في المنطقة العربية أدوات مبتكرة لتعزيز عمق سوق السندات المحلية، ليسلط الضوء على واقع أسواق السندات المستدامة في المنطقة العربية، والتحديات التي ما تزال تعيق تطورها رغم التقدم المسجل خلال السنوات الأخيرة.

وهو تقرير صدر عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا بالشراكة مع المعهد العربي للتخطيط، أعدّه الخبيران معز العبيدي ووليد عبد مولاه،
ينطلق التقري. من معطى أساسي يتمثل في أن أسواق السندات العربية حققت مكاسب مهمة على مستوى التنوع والشفافية والمساءلة، غير أنها لا تزال غير قادرة على تعبئة الموارد المالية المطلوبة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة أو تمويل الانتقال نحو اقتصادات أكثر استدامة بيئياً.
ويرى خبراء التقرير أن ضعف أداء أسواق السندات المحلية في المنطقة العربية يعود إلى مجموعة من العوامل الهيكلية، أبرزها محدودية تطور هذه الأسواق وضعف السيولة وغياب التنوع، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بقدرة الدول على تحمل أعباء الديون. كما يشير إلى أن ارتفاع تكاليف الامتثال للمعايير الدولية الخاصة بالسندات الخضراء والاجتماعية والمستدامة والمرتبطة بالاستدامة يمثل عائقاً إضافياً أمام توسع هذا القطاع، إلى جانب التخوف من “التمويه الأخضر” وتعقيدات عمليات الإبلاغ والرقابة المطلوبة لضمان الشفافية والمساءلة.
يؤكد التقرير أن إصدار السندات السيادية المستدامة يمكن أن يشكل نقطة تحول حقيقية في المنطقة العربية، باعتبار أن دخول الحكومات إلى هذا السوق من شأنه أن يشجع القطاع الخاص على إصدار المزيد من السندات المرتبطة بالاستدامة. كما يبرز أهمية توفير حوافز مالية وتنظيمية مثل “العلاوة الخضراء” ومنحنى العائد الأخضر، فضلاً عن تعزيز التنسيق بين السياسات المالية والنقدية وتطوير أدوات التحوط من المخاطر واختبارات الإجهاد المناخي.
وفي ما يتعلق بتونس، يصنفها التقرير ضمن الدول التي نجحت في وضع إطار تنظيمي للتمويل المستدام، لكنه ما يزال في مرحلة التطوير ولم يترجم بعد إلى إصدارات فعلية للسندات المستدامة. ويشير التقرير إلى أن هيئة السوق المالية أصدرت سنة 2021، بالتعاون مع مؤسسة التمويل الدولية، مبادئ توجيهية مفصلة لإصدار سندات GSS تتوافق مع المعايير الدولية المعتمدة من الجمعية الدولية لأسواق رأس المال، وتشمل قواعد استخدام العائدات وآليات تقييم المشاريع وإدارة الأموال والإبلاغ بعد الإصدار.
كما سجلت بورصة تونس خطوة جديدة في مجال الحوكمة والاستدامة من خلال نشر أول تقرير لها حول البيئة والمسائل الاجتماعية والحوكمة لسنة 2024 خلال شهر ماي 2025، في مؤشر على تزايد الاهتمام المحلي بقضايا التمويل المستدام رغم غياب أي إصدار فعلي للسندات الخضراء أو الاجتماعية حتى الآن.
ويكشف التقرير عن تفاوت واضح بين الدول العربية من حيث تطور أسواق السندات المحلية والوعي بقضايا البيئة والتنمية المستدامة. فمنذ سنة 2020، أصبحت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية أكبر مصدرين للسندات المستدامة في المنطقة، تليهما قطر. كما استحوذت أربع دول خليجية، هي الإمارات وقطر والكويت والسعودية، على أكثر من 93 بالمائة من إجمالي سوق سندات الاستدامة العربية خلال الفترة الممتدة بين 2016 و2024، ما يعكس الفجوة الكبيرة بين دول الخليج وبقية الدول العربية في هذا المجال.
ولا يقتصر التقرير على تشخيص واقع السوق، بل يقدم جملة من التوصيات لتعميق أسواق السندات المحلية وتنويع قاعدة المستثمرين. ويؤكد في هذا الإطار أن تطوير سوق السندات المستدامة لم يعد خياراً بل ضرورة لسد الفجوة التمويلية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. كما يدعو إلى تعزيز حضور المستثمرين طويلَي الأجل، مثل صناديق الثروة السيادية وصناديق التقاعد وشركات التأمين، لما تمتلكه من قدرة على تمويل المشاريع الكبرى والتحوط ضد المخاطر في فترات التقلبات الاقتصادية.
وفي الختام، يبرز التقرير أن المنطقة العربية أمام تحد حقيقي يتمثل في الانتقال من مرحلة وضع الأطر التنظيمية إلى مرحلة بناء أسواق سندات مستدامة قادرة على جذب الرساميل المحلية والأجنبية وتمويل مشاريع التنمية الخضراء والاجتماعية. فنجاح هذا التحول لن يقتصر على توفير التمويل فحسب، بل سيفتح أيضاً الباب أمام بناء اقتصادات عربية أكثر صلابة واستدامة في مواجهة الأزمات المناخية والاقتصادية المتزايدة.

المشاركة في هذا المقال