Print this page

جامعة الزيتونة تحتفي بصدور بقية أجزاء "تفسير يحيى بن سلام" وتكرّم العالمة الراحلة هند شلبي

في أجواء مفعمة بعبق التراث والوفاء العلمي

نظم المعهد العالي للحضارة الإسلامية بتونس (جامعة الزيتونة)، بالتعاون مع "نادي ابن عاشور لعلوم القرآن والتفسير"، يوما دراسيا علميا بعنوان: "تفسير الإمام يحيى بن سلام التيمي البصري القيرواني: مكانة ومنهجا وتحقيقا". وقد جاءت هذه الفعالية احتفاء بصدور الأجزاء الجديدة (الثالث والرابع) من هذا الأثر العظيم، الذي يعد من أقدم ما دون في التفسير بالمغرب العربي.
شهد اليوم الدراسي الذي احتضنه المعهد العالي للحضارة الإسلامية بجامعة الزيتونة سلسلة من المداخلات العلمية الدقيقة، انطلقت بكلمات افتتاحية لكل من رئيس الجامعة د. عبد اللطيف البوعزيزي، ومدير المعهد د. هشام قريسة، ومراجع التفسير د. فتحي بن الشريف العبيدي، وقدمت المداخلات احاطة شاملة بواحد من أهم المراجع التفسيرية في تاريخنا الإسلامي. وفي الجلسة الأولى برئاسة د. برهان النفاتي، استعرض د. محمد صابر الثابت ملامح شخصية الإمام يحيى بن سلام وإنتاجه العلمي، تلاه الدكتور عبد الجليل سالم الذي قدّم قراءة في سيرة وآثار الدكتورة الراحلة هند شلبي. وفي ذات السياق، فصّل د. محمد الحبيب العلاني الجهود التي بذلتها الراحلة شلبي في تحقيق تفسير ابن سلام، لِيختتم د. أسامة بن العربيهذه الجلسة ببحث حول القراءات الواردة في هذا التفسير.
أما الجلسة العلمية الثانية، التي ترأسها د. إلياس قويسم، فقد اتخذت منحى منهجيا تخصصيا، حيث ركز د. الهادي روشو على حضور الحديث النبوي الشريف في تفسير يحيى بن سلام، بينما تناولت د. سماح بن فرح منهجه في تفسير آيات الأحكام. وفي ختام المداخلات العلمية، قدّم د. عفيف الكوكي مقاربة حول منهج ابن سلام في التعامل مع الآيات الكونية.
منهج يحيى بن سلام: بين الأصالة والدقة
شهدت الجلسات العلمية مداخلات قيمة تمحورت حول خصائص منهج الإمام يحيى بن سلام في تفسيره. وأبرز المحاضرون دقة الإمام في ترتيب الأسئلة العلمية، خاصة فيما يتعلق بظواهر الخلق والكون، مؤكدين على أمانته في نقل الأسانيد وصيغ الأداء الحديثية. كما تم تسليط الضوء على قدرة هذا التفسير على تقديم قراءات رصينة للآيات دون "عسف" أو تطويع للنص، مما يجعله مرجعا أساسيا لفهم تطور الفكر التفسيري في القيروان وتونس.
وأكد الدكتور الهادي روشو في مداخلته بان منهجية يحيى بن سلام تتميز في التعامل مع الحديث النبوي في تفسيره، بعدة خصائص منهجية تتعلق بالأسانيد (نقل الرواية) وتقييم النصوص. طرق الرواية (الأسانيد)
اذ يستخدم يحيى بن سلام طريقتين أساسيتين في ذكر سلاسل الرواية:
ذكر السند كاملا مع "القطع": غالبا ما يذكر السند كاملا لكنه عادة ما يحذف صيغة التلقي المباشر (مثل "سمعت") بينه وبين شيخه الأول، فيبدأ مباشرة بذكر اسم الشيخ. ويوضح المؤلف أن هذا لا يُعدّ "تدليساً"، لأن ابن سلام لم يُعرف بهذه الممارسة.
استخدام صيغ محددة اذ يستخدم أربع صيغ للأداء: "حدثنا"، "حدثني"، "أخبرنا"، والاختصار "نا". وبالرغم من القيمة العلمية العالية لصيغة "حدثنا"، إلا أنها نادرة في مؤلفه (استُخدمت 3 مرات فقط في عينة شملت 100 حديث). إضافة الى غياب التصنيف الصريح، اذ يخلو كتابه تماما من الأحكام الصريحة على صحة الأحاديث (مثل قول "صحيح" أو "حسن"). فهو يورد الحديث لتفسير الآية القرآنية ويسكت عن درجة موثوقيته.
وجود أحاديث صحيحة، رغم هذا السكوت، يتضمن كتابه العديد من الأحاديث الصحيحة التي تستوفي شروط البخاري أو مسلم.
استخدام أحاديث ضعيفة أو إشكالية: توجد في تفسيره أيضاً أحاديث ذات أسانيد منقطعة، ومنها: المراسيل أي الأحاديث التي يرويها التابعي مباشرة عن النبي ص مع إسقاط الصحابي.
البلاغات استخدام صيغة "بلغني"، وهي تعني وجود انقطاع مؤكد في السند، مما يدفع المتخصصين عادةً لاعتبار الحديث ضعيفاً.
تجهيل الرواة ، أحيانا يستخدم صيغاً مبهمة مثل "أخبرني صاحب لي"، وهو ما يجعل الحديث غير مقبول عند النقاد لعدم معرفة هوية الراوي ومدى عدالته.
يقترح الدكتور روشو تفسيرين لهذا النقص في النقد المنهجي: إما أن يحيى بن سلام كان يخاطب جمهورا من الخبراء القادرين على التمييز بين الصحيح والضعيف بأنفسهم، أو أنه كان يرى نفسه متخصصا في "التفسير" حصرا، تاركاً النقد الفني لمتخصصي علم الحديث، وهو العلم الذي كانت معالمه لا تزال في طور التشكل في عصره.

لمسة وفاء: تكريم "عالمة الزيتونة" هند شلبي
كان الحدث الأبرز في هذا اليوم هو الوقفة التكريمية التي خصصتها الجامعة للراحلة العالمة الزيتونية الدكتورة هند شلبي (1943-2021). وقد اعتبر الحاضرون أن هذا الاحتفاء هو اعتراف بالجميل لسيدة نذرت حياتها لخدمة النص القرآني وتحقيق أمهات الكتب.
وجاء في فقرة التكريم تأكيد على أن صدور هذه الأجزاء من التفسير لم يكن ليرى النور لولا الجهد الجبار الذي بذلته الدكتورة هند في تحقيقها ومراجعتها طيلة سنوات. هذا العمل الذي قامت به الدكتورة الراحلة هند شلبي كان بطلب من استاذها ومرشدها الراحل الشيخ الفاضل ابن عاشور والذي كان يكن لها مودة أبوية واحتراما خاصا. وقد تسلمت عائلتها درع التكريم وسط إشادات بمسيرتها التي جمعت بين الريادة الأكاديمية كواحدة من أولى النساء اللواتي تخصصن في علوم القرآن بالجامعة الزيتونية. والصرامة المنهجية التي تجلت في إخراج نصوص يحيى بن سلام بأقصى درجات الدقة العلمية.
والهوية الوطنية من خلال تمسكها بالتقاليد العلمية والثقافية التونسية الأصيلة، وهو ما عكسه لقبها الشهير "صاحبة الخمار الشلبي".
شهادات حية وعبر مستخلصة
تضمن اليوم الدراسي شهادة مؤثرة للدكتور عبد الجليل سالم، الذي استذكر خصال الراحلة ودأبها المنقطع النظير في البحث بين المخطوطات في ردهات المكتبة الوطنية. وأكد المشاركون أن "مدرسة هند شلبي" في التحقيق ستظل نبراسا لطلبة الدكتوراه والباحثين، حيث تركت خلفها إرثا يتجاوز الكتب ليشمل قيما أخلاقية في الصبر على طلب العلم والزهد في الأضواء. وقد بين الدكتور عبد الجليل سالم، ولع البيئة الزيتونية بتحقيق تراث القيروان،بتوجيه من سماحة العلامة محمد الفاضل ابن عاشور،الذي وجها ابنته هند منذ سنوات الطلب الاولى الى ضرورة الاعتناء بتحقيق تراث يحيى بن سلام، وباشراف مباشر من د علي الشابي حققت كتاب التصاريف،الذي لم تتقدم به لاي شهادةعلمية، ولكنها كانت البذرة الاولى التي بذرتها في الاعتناء بتفسير ابن سلام، والكتاب نموذج للتحقيق الرصين والعمل العلمي الذي ينطق بقيمة .د. هند ويعكس مكانتها في درس التحقيق. وهي تعترف لأستاذها الشابي بانه هو الذي علمها كيفية التحقيق والصبر عليه. ويتابع بالقول د. عبد الجليل سالم :"وكتاب التصريف يعتبر عندي مقدمة التفسير للأجزاء الاربعة المنشورة. فهند شلبي قد تشربت محبة المدرسة القيروانية ولم تحد عنها وفي هذا الإطار يتنزل موضوع اطروحتها التي ناقشتها في بداية فتح المجال للمناقشات بالكلية الزيتونية والتي تعلقت بالقرارات بافريقية بإشراف أستاذنا علي الشابي".
وتابع بالقول :"ان عمل هند شلبي العلمي يضعها في نصاف كبار المحققين في العالم، بما أبانت عن علو كعب فيه وصبر عليه. اما مناقبها فلا تكاد تحصى وتعد فهي المرأة التي تذكرك بأخلاق كبار العلاء في صبرهم وتواضعهم ومدهم ليد المساعد لكل باحث عن العلم. وقد اكتشفت من بركاتها كتابا نسبته لأبي العرب وهو لأحد علماء طرابلس. وهذا يتطلب بحثا اخر ".
اختتمت الفعالية بتوصيات تدعو إلى مواصلة استكمال تحقيق بقية التراث الزيتوني، وجعل سيرة الدكتورة هند شلبي مادة علمية تدرّس للأجيال الجديدة، تأكيدا على أن مسيرة العلم في تونس هي حلقة متصلة من الإبداع والوفاء.

المشاركة في هذا المقال