منشورًا رسميًا يحدد التوجهات الكبرى لإعداد مشروع ميزانية الدولة للسنة المقبلة، واضعة بذلك الإطار العام لمرحلة دقيقة من إدارة المالية العمومية. ويأتي هذا المنشور في سياق اقتصادي يتسم بتحديات داخلية وضغوط خارجية متزايدة، حيث تجد الدولة نفسها أمام ضرورة تحقيق توازن معقّد بين التحكم في العجز المالي ودعم الاستقرار الاجتماعي.
وتشير أحدث المؤشرات الرسمية إلى أن الاقتصاد التونسي يواصل التعافي بوتيرة حذرة، مع نمو لم يتجاوز حدود 2 إلى 3 بالمائة في أفضل التقديرات، مقابل استمرار الضغوط التضخمية عند مستويات تقارب 5 بالمائة، إلى جانب بطالة تفوق 15 بالمائة، وهو ما يعكس عمق الاختلالات الهيكلية التي لا تزال تلقي بظلالها على الأداء الاقتصادي العام. كما تتواصل الضغوط على المالية العمومية في ظل ارتفاع كلفة الدعم وخدمة الدين، ما يفرض على صانع القرار انتهاج مقاربات أكثر دقة ونجاعة في تخصيص الموارد.
تحول في فلسفة إعداد الميزانية
لا يكتسي المنشور الحكومي طابعًا إجرائيًا فحسب، بل يمثل وثيقة توجيهية تحمل ملامح تحول في فلسفة إعداد الميزانية، من منطق قائم على التوسع في الإنفاق إلى مقاربة ترتكز على ترشيده، وتحسين مردوديته، وضمان توجيهه نحو الأولويات الوطنية، بما يعزز صمود الاقتصاد ويؤسس لتوازنات مالية أكثر استدامة.
تكشف التوجهات الكبرى لمشروع ميزانية تونس لسنة 2027 عن تحول لافت في فلسفة إدارة المالية العمومية، قائم على مزيج من التقشف المدروس، والإصلاحات الهيكلية، وإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والاجتماعية. ويأتي هذا المشروع، الذي حددت معالمه الحكومة عبر المنشور عدد 2 الصادر في 14 أفريل 2026، ليؤسس لمرحلة تنفيذية جديدة ضمن مخطط التنمية، واضعًا نصب عينيه تحقيق التوازنات المالية وتعزيز صمود الاقتصاد الوطني.
تقليص نفقات التسيير
يتمثل أحد أبرز ملامح مشروع ميزانية 2027 في ضبط نسبة نمو نفقات التسيير في حدود 3 بالمائة كحد أقصى مقارنة بسنة 2026، وهو خيار يعكس توجهًا واضحًا نحو التحكم في المصاريف العمومية دون الانزلاق إلى تقشف حاد قد يؤثر على الخدمات الأساسية.
ولم تكتفِ الحكومة بتحديد سقف رقمي، بل أرفقته بإجراءات عملية، حيث تم إلزام مختلف الهياكل العمومية بوضع برامج لتقليص استهلاك الطاقة والمياه والمحروقات. هذا التوجه لا يعكس فقط حرصًا على التوازنات المالية، بل يندرج أيضًا ضمن رؤية أوسع لترشيد الموارد وتعزيز النجاعة الطاقية داخل الإدارة.
في الجانب الاجتماعي، تواصل الدولة التزامها بدعم الفئات محدودة الدخل والطبقة الوسطى، لكنها في المقابل تعلن بوضوح نيتها مراجعة منظومة الدعم. الهدف من هذا الإصلاح هو ضمان نجاعته وتوجيهه بشكل أدق إلى مستحقيه، بدل الطابع الشامل الذي اتسمت به هذه المنظومة لعقود.
هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بضرورة الحد من الهدر المالي وتحسين كفاءة الإنفاق الاجتماعي، خاصة في ظل التحديات المالية التي تواجهها البلاد. كما أنه يفتح الباب أمام سياسات اجتماعية أكثر عدالة، قائمة على الاستهداف بدل التعميم.
الضمان الاجتماعي والصحة
لا يقتصر مشروع الميزانية على الجوانب المالية الصرفة، بل يتضمن توجهات واضحة لإصلاح منظومتي الضمان الاجتماعي والصحة العمومية، تكريسًا للحق الدستوري في التغطية الاجتماعية الشاملة.
هذه الإصلاحات تمثل حجر زاوية في إعادة بناء العقد الاجتماعي، حيث تسعى الدولة إلى تحسين جودة الخدمات الصحية وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية، بما يعزز مبدأ تكافؤ الفرص ويحد من الفوارق الاجتماعية.
يحمل مشروع ميزانية 2027 توجهًا واضحا نحو القطع مع الأنماط التقليدية في التصرف في الموارد العمومية، خاصة فيما يتعلق بإدراج المشاريع. فقد تم التنصيص على أنه لا يمكن إدراج أي مشروع جديد في الميزانية ما لم تستوفِ دراساته الفنية والمالية، وتتم تسوية وضعيته العقارية.
كما تم وضع حد لما يُعرف بالمشاريع “الوهمية” أو غير الناضجة، مع إعطاء الأولوية القصوى لاستكمال المشاريع المعطلة، خصوصًا في الجهات. هذا التوجه من شأنه أن يعزز ثقة المواطن في قدرة الدولة على الإنجاز، ويحد من إهدار الموارد في مشاريع غير قابلة للتنفيذ.
وفي السياق ذاته، دعت الحكومة إلى التركيز على صيانة المكاسب القائمة، سواء كانت مباني أو معدات، بدل التوسع في اقتناء تجهيزات جديدة، في خطوة تعكس ما يمكن وصفه بـ”التقشف الذكي”.
تحفيز النمو وتعزيز السيادة الاقتصادية
يأتي مشروع الميزانية كجزء من رؤية أشمل تهدف إلى تحفيز محركات النمو وخلق الثروة، عبر تثمين الموارد الوطنية وتطوير القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
ويبرز مفهوم “الأمن” بمختلف أبعاده كأولوية استراتيجية، خاصة الأمن الغذائي والمائي والطاقي. وفي هذا الإطار، تسعى الدولة إلى تسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة، إلى جانب اعتماد تقنيات الفلاحة الذكية لمواجهة التحديات المرتبطة بالشح المائي.
هذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا بضرورة تعزيز السيادة الوطنية في ظل التحولات العالمية، وتقليص التبعية للخارج في القطاعات الحيوية.
من اللافت في مشروع ميزانية 2027 إدراج تدابير بيئية في شكل التزامات مالية فعلية، فقد تم التأكيد على إلزامية تركيب أجهزة مقتصدة في الطاقة، وتعميم استخدام الطاقة الشمسية داخل الإدارات العمومية.
كما تم التنصيص على تفعيل نظام المراقبة (GPRS) للسيارات الإدارية، ليس فقط كآلية رقابية، بل كوسيلة لتقليص استهلاك المحروقات بشكل ملموس.
وفي سياق متصل، تم التأكيد على ضرورة ترشيد الموارد المائية عبر استغلال مياه الأمطار داخل المؤسسات العمومية، وهو ما يعكس تفاعلًا مباشرًا مع أزمة الشح المائي التي تعيشها البلاد.
احترام الآجال كرهان مؤسساتي
على مستوى المسار الزمني، حددت الحكومة روزنامة دقيقة لإعداد مشروع الميزانية، حيث تم ضبط يوم 15 جوان 2026 كآخر أجل لإرسال مقترحات الميزانية من قبل الوزارات.
كما تم تحديد نهاية شهر أوت 2026 كموعد للانتهاء من مناقشة الميزانيات القطاعية مع وزارة المالية، وذلك بهدف ضمان إحالة مشروع قانون المالية إلى مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم قبل 15 أكتوبر، وفق الآجال الدستورية.
هذا الحرص على احترام المواعيد يعكس توجهًا نحو تعزيز الانضباط المؤسساتي وتحسين جودة التخطيط المالي.
بين الطموح والتحديات
يحمل مشروع ميزانية تونس لسنة 2027 طموحات كبيرة لإعادة هيكلة المالية العمومية وتحقيق توازن دقيق بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي وضمان العدالة الاجتماعية. فهو يسعى إلى إرساء نموذج تنموي أكثر استدامة، قائم على الكفاءة، والشفافية، والاستهداف الذكي للموارد.
غير أن نجاح هذه التوجهات يبقى رهين قدرة الدولة على التنفيذ الفعلي لهذه الإصلاحات، ومدى تجاوب مختلف الهياكل العمومية معها، فضلًا عن قبولها اجتماعيًا في ظل سياق اقتصادي دقيق.
تبدو ميزانية 2027 خطوة جريئة نحو إعادة صياغة دور الدولة، ليس فقط كمنفق، بل كفاعل استراتيجي يسعى إلى تحقيق التوازن بين النمو والعدالة والاستدامة.
رغم الطابع الإصلاحي الطموح الذي يحمله المنشور، فإن جملة من التساؤلات النقدية تظل مطروحة حول مدى قابلية هذه التوجهات للتنفيذ الفعلي على أرض الواقع. فالتحديد الصارم لنمو نفقات التسيير في حدود 3%، وإن كان يعكس حرصًا على الانضباط المالي، قد يصطدم بواقع تضخمي وضغوط اجتماعية متزايدة، خاصة في ظل كلفة الأجور والدعم. كما أن مراجعة منظومة الدعم، رغم ضرورتها، تبقى رهينة توفر قواعد بيانات دقيقة وآليات استهداف ناجعة، وهو ما لم يُحسم بشكل كامل إلى اليوم، مما يطرح مخاوف من انعكاسات اجتماعية محتملة. من جهة أخرى، يظل الرهان على “القطع مع المشاريع الوهمية” مشروطًا بقدرة الإدارة على تطوير أدوات التقييم والمتابعة، وهي نقطة ضعف هيكلية معروفة. أما التوجه نحو “الإدارة الخضراء”، فرغم أهميته، فقد يواجه تحديات تمويلية ولوجستية، خاصة في ظل محدودية الموارد. وعليه، فإن نجاح هذه الإصلاحات لا يرتبط فقط بجودة التوجهات، بل بمدى جاهزية المنظومة الإدارية والحوكمة لتجسيدها بفعالية ودون كلفة اجتماعية مرتفعة.