Print this page

الصناعات الإلكترونية في تونس: بين رهانات التنافسية وتحولات السوق العالمية

تسعى تونس إلى إعادة تموقعها ضمن سلاسل القيمة

الدولية عبر إطلاق ميثاق جديد لقطاع الصناعات الإلكترونية في أفق 2030. هذا التوجه لا يعكس فقط طموحًا وطنيًا لتطوير قطاع صناعي واعد، بل يأتي أيضًا استجابة لتحولات عميقة يشهدها الاقتصاد العالمي حيث تتزايد أهمية الابتكار والسيادة التكنولوجية، وقد أطلقت وزارة الصناعة والمناجم والطاقة منذ شهر فيفري 2025 مقاربة تشاركية لإعداد ميثاق التنافسية للنهوض بقطاع الصناعات الإلكترونية في أفق 2030 و تم في هذا الإطار تنظيم سلسلة من ورشات العمل إلى جانب مشاورات ونقاشات موسعة شملت مختلف الوزارات والهياكل العمومية المعنية.
اهمية القطاع
تحتل الصناعات الإلكترونية مكانة متقدمة ضمن النسيج الصناعي التونسي، ليس فقط من حيث حجم الاستثمارات أو الصادرات، بل أيضًا من حيث قدرتها على خلق القيمة المضافة وامتصاص اليد العاملة المؤهلة.
يضم قطاع الصناعات الإلكترونية نحو 150 مؤسسة صناعية ويوفر قرابة 70 ألف موطن شغل، ما يجعله أحد أبرز القطاعات المشغّلة للكفاءات، خاصة من خريجي التعليم العالي.
وقد بلغت صادرات القطاع حوالي 3،5 مليار دينار سنة 2025، وهو رقم يعكس اندماج تونس النسبي في الأسواق العالمية، خصوصًا في مجالات تصنيع مكونات السيارات والطائرات والمعدات الطبية. كما يمثل القطاع نحو 15% من الناتج الصناعي، ما يؤكد دوره الحيوي في دعم التوازنات الاقتصادية.
غير أن هذه المؤشرات، رغم أهميتها، لا تخفي الحاجة الملحّة إلى تطوير القطاع ليواكب التحولات التكنولوجية المتسارعة عالميًا، خاصة في ظل المنافسة الشديدة من اقتصادات ناشئة تمكنت من استقطاب استثمارات ضخمة في مجالات الإلكترونيات الدقيقة وأشباه الموصلات.
سياق عالمي وضغوط تنافسية
تشهد الصناعات الإلكترونية عالميًا تحولات عميقة مدفوعة بتسارع الابتكار وارتفاع الطلب على التقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والأنظمة المدمجة. كما أدت الأزمات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل التوريد خلال السنوات الأخيرة إلى إعادة رسم خريطة الإنتاج العالمي، حيث تسعى الدول إلى تعزيز سيادتها الصناعية وتقليص تبعيتها الخارجية.
في هذا الإطار، أصبحت القدرة على البحث والتطوير، وتوفر الكفاءات، وجودة البنية التحتية، عوامل حاسمة في جذب الاستثمارات. وهو ما يضع تونس أمام تحدي مزدوج وهو الحفاظ على موقعها الحالي كمزود صناعي، والارتقاء نحو موقع أكثر تقدمًا ضمن سلاسل القيمة، خاصة في الأنشطة ذات المحتوى التكنولوجي العالي.
ميثاق التنافسية وإعادة التموضع
يمثل ميثاق التنافسية للصناعات الإلكترونية اي اطلقته وزارة محاولة لإرساء رؤية استراتيجية واضحة تهدف إلى تحويل تونس إلى قطب إقليمي في هذا المجال. ويرتكز هذا التوجه على جملة من الأهداف الكمية والنوعية التي تعكس طموحًا كبيرًا، من بينها مضاعفة الصادرات لتبلغ 7 مليارات دينار في أفق 2030، ورفع نسبة الاستثمارات إلى 20% من الناتج الصناعي.
كما يسعى الميثاق إلى جذب ما بين 300 و350 مليون يورو من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وهو هدف يتطلب تحسين مناخ الأعمال وتعزيز جاذبية البلاد كموقع صناعي تنافسي. ويشمل البرنامج أيضًا إطلاق مشاريع هيكلية كبرى، من بينها إنشاء وحدات لإنتاج مكونات إلكترونية متقدمة، ومراكز بحث وتطوير متخصصة، إلى جانب مركز وطني لتصميم الأنظمة المدمجة.
هذه المشاريع، في حال تنفيذها بنجاح، يمكن أن تشكل نقطة تحول نوعية للقطاع، من خلال الانتقال من أنشطة التجميع إلى أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى، قائمة على الابتكار والتصميم.
رهان التشغيل وتأهيل الكفاءات
يكتسي البعد الاجتماعي أهمية خاصة في هذا الميثاق، حيث يهدف إلى إحداث 30 ألف موطن شغل إضافي، ليرتفع عدد العاملين في القطاع إلى أكثر من 100 ألف. غير أن تحقيق هذا الهدف يظل مرتبطًا بمدى قدرة منظومة التكوين على مواكبة حاجيات السوق، خاصة في الاختصاصات الدقيقة مثل الإلكترونيات المتقدمة والبرمجيات المدمجة.
وفي هذا السياق، يبرز تحدي ملاءمة مخرجات التعليم العالي مع متطلبات الصناعة، وهو إشكال طالما طُرح في تونس. إذ لا يكفي توفير اليد العاملة، بل يجب أن تكون هذه الكفاءات مؤهلة وقادرة على الاندماج السريع في بيئة صناعية عالية التقنية.
الابتكار والبحث و الحلقة الأضعف
رغم الحديث المتزايد عن أهمية البحث والتطوير، لا تزال الاستثمارات في هذا المجال محدودة، حيث لا تتجاوز 1% من رقم معاملات القطاع. ويسعى الميثاق إلى رفع هذه النسبة إلى 3%، وهو هدف طموح يتطلب تغييرًا عميقًا في ثقافة المؤسسات، إضافة إلى دعم حكومي فعّال.
فالابتكار لم يعد خيارًا، بل ضرورة للبقاء في سوق عالمية شديدة التنافس. ومن دون منظومة بحث قوية، ستظل تونس في موقع التابع ضمن سلاسل الإنتاج، وهو ما يقلص من قدرتها على تحقيق قفزة نوعية.
إصلاحات هيكلية ضرورية
إلى جانب الجوانب التقنية، يسلط الميثاق الضوء على أهمية الإصلاحات الهيكلية، خاصة في ما يتعلق بالإطار التنظيمي والبنية التحتية واللوجستيك. إذ لا يمكن الحديث عن تنافسية دون بيئة أعمال مرنة وقوانين واضحة وسلاسل إمداد فعالة.
كما يبرز دور الحوكمة في ضمان تنفيذ فعلي للإجراءات، من خلال إرساء آليات متابعة وتقييم تضمن التنسيق بين مختلف المتدخلين، سواء من القطاع العام أو الخاص. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وضع الخطط، بل في القدرة على تنفيذها ضمن آجال محددة وبكفاءة عالية.
يمثل ميثاق تنافسية الصناعات الإلكترونية خطوة مهمة نحو إعادة رسم ملامح هذا القطاع الحيوي في تونس. غير أن نجاحه سيظل رهين توفر الإرادة السياسية، ونجاعة التنفيذ، وقدرة مختلف الأطراف على العمل المشترك ضمن رؤية موحدة.
في عالم تتسارع فيه المنافسة التكنولوجية، لا مجال للتردد أو الحلول الترقيعية. فإما أن تنجح تونس في استثمار هذا الزخم للارتقاء بقطاعها الإلكتروني إلى مستويات أعلى، أو تخاطر بفقدان موقعها في سوق عالمية لا تعترف إلا بالأكثر جاهزية وابتكارًا.

 

 

المشاركة في هذا المقال